الصفحة الرئيسية » الوحدة والتقريب 

"الشيخ محمد عبده "رائد من رواد التقريب بين المذاهب الاسلامية


2017/07/12

محمد يسري أبو هدور
ولد محمد عبده في مركز شبراخيت بمحافظة البحيرة في عام 1849، والتحق بالتعليم الأزهري في سن السابعة عشر من عمره، وبعد ما يقرب من عشر سنوات، استطاع أن يتحصل على الشهادة العالمية، ليبدأ سيرة حافلة بالنضال السياسي والعمل الفكري والإصلاح المجتمعي.  

الثورة العرابية والأفغاني في بداية حياته العملية، مال محمد عبده لاعتناق منهجية التغيير السياسي وفق طريقة سلمية، ولم يكن يحبذ فكرة الثورة، ولكن مع تلاحق الأحداث السياسية في مصر خلال النصف الثاني من العقد الثامن في القرن التاسع عشر، وجد محمد عبده نفسه مشدوداً إلى حركة أحمد عرابي ورفاقه الثوريين، وبعد فترة قصيرة أضحى الشيخ الأزهري أحد أهم زعماء الثورة ورجالاتها البارزين. ولم تمضِ شهور قلائل على انتفاضة عرابي، حتى آلت الثورة إلى الفشل الذريع، ودخلت القوات الإنجليزية لمصر وتم القبض على عرابي ورفاقه واستصدرت بحقهم قرارات بالنفي لمناطق شتى.

وكان نصيب محمد عبده من ذلك النفي إلى لبنان، حيث قضى هناك ثلاثة أعوام من عمره. وفي عام 1884م سافر إلى فرنسا بناء على دعوة وصلته من أستاذه جمال الدين الأفغاني، وبمجرد أن حط الشيخ الأزهري رحاله في باريس، إشترك مع الأفغاني في إصدار صحيفة "العروة الوثقى"، وعملا معاً على نشر أفكارهما التنويرية المعادية للاستعمار والداعية لاستحداث نهضة إسلامية حقيقية. وفي عام 1889م، عاد محمد عبده إلى مصر بعد أن تم استصدار عفو عنه من قبل الخديوي توفيق، بعد إلحاح من عدد من تلاميذه وبعض الساسة والأمراء، وكان شريطة الرجوع هو تعهد الشيخ بعدم الانخراط مرة أخرى في العمل السياسي، والاكتفاء بالعمل الدعوي والفكري والمجتمعي فحسب.   

من أهم الجهود العلمية التي عُرف بها محمد عبده، ما قام به من ردود ومناقشات مع عدد من كبار المستشرقين والسياسيين الأوروبيين مثل وزير خارجية فرنسا هانوتو والمستشرق الشهير أرنست رينان، اللذين حمّلا الدين الإسلامي تهمة تخلّف البلاد الإسلامية.فعندما كتب هانوتو في بعض مقالاته (إن ذلك الشعب المنتشر في الأرجاء الفسيحة والأصقاع المجهولة، والمتبع لتقاليد وعادات، غير تلك التي نحترمها، هو الشعب الإسلامي السامي الأصل الذي يحمل إليه الشعب الآري المسيحي روح المدنية).   غضب الشيخ محمد عبده وانبرى ليدافع عن الصورة الحقيقية للإسلام وليوضح نقاط التهافت والبطلان في دعوى هانوتو، فقال راداً عليه (إن الشريعة الإسلامية تختلف عما علق في ذهنه من تاريخ الكنيسة وسلطاتها المطلقة التي كانت مسلّطة على رقاب الناس تقيم لهم محاكم التفتيش وتحرق علماءهم ومفكريهم وتقاسمهم أرزاقهم دون وجه حق).

وعندما كتب أرنست رينان مهاجماً تصرفات الخلفاء والسلاطين طوال عصور التاريخ الإسلامي، رد عليه محمد عبده بقوله (إنه لا علاقة للإسلام بالتجاوزات التي كان يقوم بها المتحجرون والظلاميون في تاريخ المسلمين).وقد جمع محمد عبده ردوده على هؤلاء المستشرقين، في كتابه "الإسلام بين العلم والمدنية"، والذي حاول فيه أن يقدم صورة حقيقية للدين الإسلامي، وأن يبيّن حجم الافتراءات التي افتراها عليه الأوروبيين في عصره. 

محمد عبده مفكراً ومصلحاً اجتماعياًمن أبرز المسائل الفكرية التي استوقفت محمد عبده، كانت مسألة موقف الدين من الحرية. فمن المؤكد أن الفترة التي قضاها الشيخ في فرنسا، قد لفتت نظره إلى ما يتصف به أهل تلك البلاد من نزوع تلقائي إلى التحرر والفردية، وما ارتبط بتلك النزعة من ميل للحكم الديموقراطي، وهو الأمر الذي كان متعارضاً بالكلية مع الصبغة الاستبدادية التي ميّزت الشرق حينذاك، والتي أكتوى الشيخ بنيران موروثاتها ونتائجها إبان مشاركته في الثورة العرابية.كل ذلك جعل محمد عبده يهتم بمناقشة مسألة الجبر والاختيار في كتاباته، فهو يقول في رسالة التوحيد: (لقد خاض فيه –يقصد مسألة الجبر والاختيار-الضالون من كل ملة، خصوصاً من المسيحيين والمسلمين، ثم ما زالوا بعد طول الجدال وقوفاً حيث ابتدأوا، وغاية ما فعلوا أن فرقوا وشتتوا، فمنهم من قال بسلطة العبد على جميع أفعاله، واستقلاله المطلق، وهو غرور ظاهر، ومنهم من قال بالجبر وصرّح به، وهو هدم للشريعة ومحو للتكاليف، وإبطال لحكم العقل البديهي، وهو عماد الإيمان).وأكمل الشيخ وجهة نظره باعتباره الإنسان مسؤولاً مسؤولية كاملة عن تصرفاته وقراراته بما منحه الله له من إرادة حرة، ودعا إلى عدم الخوض في مناقشة الآيات القرآنية التي قد تحمل معنى ظاهراً، يخالف القول بحرية الإنسان، وذلك لما يحيط بذلك من خطر عظيم على عقيدة المسلم.وقد أثّرت مواقف محمد عبده الفكرية في مجموعة كبيرة من المثقفين المصريين، أولئك الذين قادوا حركة التنوير والتحديث في مطلع القرن العشرين، حيث كان من ضمن تلاميذه والمتأثرين بأفكاره كل من قاسم أمين وسعد زغلول وأحمد لطفي السيد وفريد وجدي ومصطفى عبد الرازق وطه حسين وأحمد أمين.

ومن الجوانب المهمة كذلك في شخصية محمد عبده، كونه مصلحاً اجتماعياً من الطراز الأول، فقد حاول في كتاباته أن يتعرّف على الأمراض المستشرية في المجتمعات الإسلامية، وعمل على أن يجد حلولاً ناجعة للقضاء عليها.ولما كانت مشكلة الوضع المتدني للمرأة في المجتمعات الإسلامية، واحدة من أهم المشكلات المجتمعية التي لمسها عبده وعايشها، فإنه أفرد لها مساحات واسعة لمناقشتها وتحليلها، ومن ذلك أنه وأثناء شرح الآيات المتعلقة بأحكام تعدد الزوجات في سورة النساء، قال ما نصه: (قد أباحت الشريعة المحمدية للرجل الاقتران بأربع من النسوة، إن عَلِمَ من نفسه القدرة على العدل بينهن، وإلاّ فلا يجوز الاقتران بغير واحدة).ثم يوجّه خطابه لرجال عصره، ناصحاً إياهم: (فاللازم عليهم حينئذ إما الاقتصار على واحدة إذا لم يقدروا على العدل كما هو مشاهد، عملاً بالواجب عليهم بنص قوله تعالى: {فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة}، وأما آية {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} فهي مقيّدة بآية فإن خفتم، وإما أن يتبصروا قبل طلب التعدّد في الزوجات فيما يجب عليهم شرعاً من العدل).كما عارض محمد عبده التساهل في الطلاق، فقال: (إن الأصل في الطلاق الحظر، بمعنى أنه محظور إلاّ لعارض يبيحه، فإذا كان بلا سبب، يكون حمقاً وسفاهة رأي، ومجرد كفر بالنعمة، وإيذاء للمرأة وأهلها وأولادها).وامعاناً في فرض رقابة صارمة على اللجوء إلى الطلاق، فقد دعا إلى عدم قبول الطلاق الشفوي، وبضرورة المراجعة والتفكر لمدة أسبوع على الأقل، وأن يكون الطلاق أمام القاضي وفي حضور شاهدين.كل تلك الدعوات الإصلاحية، أثارت زوبعة عاتية في المجتمع المصري وقتها، حيث قُوبلت أفكار الشيخ المجدد بالاعتراض والاستهجان والرفض من قبل رجال الدين المحافظين، واعتبره بعضهم مسؤولاً عن الدعوة إلى السفور وخلع الحجاب، حتى أن بعض الأصوات المتعالية قد نسبت إليه كتاب "تحرير المرأة" الذي نشره تلميذه قاسم أمين في عام 1899م.  المنار: نحو تفسير عصري للقرآن

"تفسير المنار" للشيخ محمد رشيد رضا
من أهم النواتج والمحصلات التي خلفتها رحلة الشيخ محمد عبده الفكرية والعلمية، ما نقل عنه من تفاسير لعدد من السور القرآنية. ورغم أن الشيخ لم يقم بتدوين تلك التفسيرات في كتاب واحد في حياته، إلا أن تلميذه المقرب محمد رشيد رضا، قد عمل على جمع الأقوال والمحاضرات والدروس التي نقل فيها شيخه خواطره وتفسيراته القرآنية، ثم قام بمتابعة المهمة وسار على درب أستاذه، حتى استطاع في النهاية أن يؤلف تفسير المنار، الذي صار وحداً من أهم تفاسير القرآن في العصر الحديث.وهناك الكثير من المميزات التي تميّز منهج محمد عبده في تفسيره، منها أنه قد عمل على الاهتمام بالجانب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بحيث يكون التفسير متوافقاً مع العصر، ولا يقتصر على كونه استنساخاً من أقوال أئمة وعلماء القرون الأولى.

وكذلك إهتم محمد عبده في تفسيره، بأن يوضح الإعجاز البياني والبلاغي الذي احتوت عليه آيات القرآن الكريم، وفي الوقت نفسه وقف موقفاً مناهضاً للاعتماد على التفسيرات الخوارقية أو الإعجازية، فلم يعتمد عليها إلا في أضيق الحدود. فمثلاً عند تفسيره لسورة الفيل، نجده يقدم طرحاً مختلفاً لتفسير آياتها، فهو يميل إلى اعتبار هلاك أصحاب الفيل قد تم بواسطة مرض أو عدوى، فيقول: (ويجوز الاعتقاد بأن الطير المذكور في السورة من جنس البعوض، أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فآثار تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يُعَد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وإن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها).وقد تماشت تلك الرؤية التفسيرية مع اتجاه الشيخ محمد عبده في محاولة إيجاد صيغ توافقية مع النظريات العلمية المعروفة في عصره، ويتفق ذلك مع محاولة الشيخ في أن يجد نقطة للتلاقي ما بين رؤيتي الدين والعلم في مسألة الخلق الأول، حيث ورد في الجزء الأول من تفسير المنار في معرض تفسيره لقصة خلق أدم وحواء، قوله: (إن القرآن كثيراً ما يُصوّر المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان والتأثير فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني).هذا الأمر قد يوضح تأثّره بنظرية التطور لداروين التي كانت قد بدأت في فرض نفسها على الساحات العلمية العالمية في عصره، وأصبحت تتصادم مع القصص الديني، مما إستدعى طرح وجهة نظر جديدة تقوم على أساس تأويل النصوص الدينية القرآنية. 

في الثالث من حزيران يونيو سنة 1899م، صدر مرسوم من الخديوي عباس حلمي الثاني بتعيين الشيخ محمد عبده مفتياً للديار المصرية، وكان منصب الإفتاء يضاف إلى من يشغل وظيفة مشيخة الجامع الأزهر في السابق. وبهذا المرسوم استقل منصب الإفتاء عن منصب مشيخة الجامع الأزهر، وصار الشيخ محمد عبده أول مفتٍ مستقل لمصر، وقد ظل في هذا المنصب لمدة ست سنوات كاملة حتى وفاته في عام 1905م.وفي أثناء تلك الفترة، أصدر الشيخ مجموعة من الفتاوى المهمة التي حاول عن طريقها أن يحل عدداً من المشكلات الاقتصادية والمالية في المجتمع المصري والمجتمعات الإسلامية.فعلى سبيل المثال، في عام 1903م، أرسل جماعة من المسلمين الذين يسكنون في مقاطعة ترانسفال الواقعة في شمال دولة جنوب أفريقيا، ليسألوا الشيخ عن بعض المسائل مثل لبس البرنيطة(القبعة) وجواز أكل المسلمين من ذبائح اليهود والنصارى، وجواز صلاة الشافعية خلف الحنفية.وكان رد الشيخ على تلك الأسئلة الثلاث مختلفاً عما توافق عليه علماء الدين في عصره، حيث حاول أن يسير وفق مبادئ فقه المصالح، وفتح باباً جديداً في فقه الأقليات، وذلك عندما أباح لبس القبعة أو البرنيطة إذا لم يقصد فاعله الخروج من الإسلام، وأجاز أن يأكل المسلم من ذبائح نصارى الترانسفال، معتمداً على اجتهاد الإمام أبو بكر العربي المالكي فيما ذهب إليه، من أن الطعام المشار إليه في قوله تعالى في سورة المائدة (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) يسري على جميع ذبائح أهل الكتاب.كما أن الشيخ اختتم فتواه، بدرس في ضرورة درء التعصب المذهبي بين المسلمين، عندما قال: (وأما صلاة الشافعي خلف الحنفي فلا ريب عندي في صحتها، ما دامت صلاة الحنفي صحيحة على مذهبه، فإن دين الإسلام واحد، وعلى الشافعي المأموم أن يعرف أن أمامه مسلماً صحيح الصلاة بدون تعصب منه لإمامه، ومن طلب غير ذلك فقد عدّ الإسلام أدياناً لا ديناً واحداً، وهو مما لا يسوغ لعاقل أن يرمى إليه بين مسلمين قليلي العدد في أرض كل أهلها من غير المسلمين).وقد أثارت تلك الفتوى، التي عُرفت بالفتوى الترانسفالية، جدلاً كبيراً بين رجال الدين وقتها، حتى قام البعض بجمع ردود مشايخ الأزهر عليها، ووضعوها في رسالة سميت بإرشاد الأمة الإسلامية إلى أقوال الأئمة في الفتوى الترانسفالية.

[ عدد الزيارات: 132]

تعليقات الزوار
الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني