التبليغ الديني في العالم مشاكل وآفاق

التبليغ الديني في العالم  مشاكل وآفاق

 

التبليغ الديني في العالم

مشاكل وآفاق

 

                                                                              الدكتور علي رمضان الاوسي

 

 

المقدمة

(الذين يبلغون رسالات الله  ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً)([1]).

لم يعد التبليغ الديني سياحة فردية أو ترفاً للحديث أو سبيلاً للرزق، ونحن نعيش كل هذه التحديات، فالتبليغ هي رسالة الانبياء الى الخلق بمعنى انهم مبلّغون عن الله سبحانه وهذه أقدس الوظائف وأجلّها إنْ التزمنا بما أمر الله تبليغه والانتهاء عما نهى عنه خالصاً لله وحده.

ولأهمية الدعوة الى الله والتبليغ الديني في ظل هذه التحديات الجسام التي تستهدف عقل المسلم ووجوده وكيان الأمة برمتها، فلابد ان ننظر للتبليغ والدعوة الى الله من خلال التعاطي مع هذا الواقع بتحدياته، وانقاذ ما يمكن انقاذه في هذه المواجهة الشرسة، وكلاهما من أبرز الضرورات التي تسهم في حفظ كيان المسلمين وبناء عزتهم ووحدتهم اذا ما تمّ التعاطي والانقاذ على الوجه الأفضل.

التبليغ إذن هي رسالة كل الانبياء إلى أقوامهم، ففيه تقام الحجة ويتبين الغامض ويتجلى الحق وتهزم الشبهات، حتى قال الله سبحانه: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)([2])، كما حضّ الإسلام على التبليغ لأهميته بقوله سبحانه: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)([3]).

ومن هنا يشن الإسلام حرباً على الجهل لينوّر ويعلّم الجاهلين (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)([4])، وقد طرح الكثير من معاني المسارعة في بناء النفس وتطوير القدرات العقلية كما لفت الانتباه إلى ضرورة مراعاة المخاطب حتى قال رسول الله (ص): (نحن معاشر الانبياء أمرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم)([5])، وقد كان تبليغ الرسالة ممارسة وغرضاً من أغراض الإمامة فكان دور أئمة أهل البيت (ع) أن يبلغوها بأمانة عن رسول الله (ص) وكان لهم ذلك وتحملوا في طريقها الكثير من المعاناة حتى حوّلت أدارتها إلى السفراء الأربعة في عصر الغيبة الصغرى ثم المرجعية التي تبلورت اكثر فيما بعد، ولم يعدم هذا التصور مسؤولية الجميع في تبليغ الرسالة والدفاع عنها على حد قوله (ص): (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فلكل عمل رأس لابد ان يكون مركز التوجيه والبيان.

وعبر التاريخ الطويل منذ بزوغ الرسالة الإسلامية التي وصلت إلينا بجهود وجهاد وتضحيات هذه الأمة بعلمائها ومبلغيها ورجالاتها والابطال من ابنائها، نجد ان التبليغ لم يأخذ منحى واحداً بل تعددت صوره في ضوء المكان والزمان وطبيعة المخاطب والظروف المحيطة وغيرها من العوامل، والتبليغ اليوم له خصوصيات وطبيعة يفرضها الواقع ومستجدات الاوضاع في هذا المقطع الحساس من تاريخ العالم ولذا تناولنا في البحث المسائل الضرورية التالية:

1- خاطبوا الناس على قدر عقولهم.

2- ممَّ يعاني التبليغ والمبلغون.

3- مقومات للتبليغ الناجح.

4- غايات وأهداف في الخطاب الديني.

5- الفرص المنتظرة.

 

1- خاطبوا الناس على قدر عقولهم:

هناك مستويات عقلية متباينة بين المخاطبين لابد ان يُلتفت إليها فليس التبليغ دائماً ينفرد بالاكاديمية او الطريقة التعبوية والانشائية ولابد من مراعاة ذلك طبعاً بحسب المخاطبين. من جهة أخرى هناك عقل جمعي يحكم الافراد والمجموعات من خلال عقائد او عادات اوشعائر او قناعات متراكمة كيف ينظر لهذه الظاهرة؟

لابد ان يتبنى المبلّغ التصحيح لمثل هذه الظواهر على الا يفقد التواصل والود مع مخاطبيه، فلابد ان يضع هدفاً للارتقاء إليه من خلال التبليغ.

أضف إلى ذلك هناك جهات موجّهة تعمل على تعويق العملية التبليغية باثارة الشبهات والتناقضات فينساق الناس وراءها من غير قناعة وإيمان بها أحياناً وأحياناً أخرى يتأثرون بها فلابدّ من تفكيك المسألة وإرجاع الظواهر إلى أسبابها وأخطار تداعياتها.

فالحرص لدى المبلّغ يجب ان يكون على تأثير التبليغ في الناس وليس الهدف سرد الغرائب أو جلب الانتباه لطرحه، فما فائدة ذلك اذا لم يتوفر المخاطب على جديد التبليغ ومضامينه؟.

وهناك فائدة ينتظرها المبلّغ من مخاطبيه حين يخاطبهم بلغتهم وعلى قدر عقولهم فأنّه يستثير فيهم كنوز الفهم وتقليب الفكرة والرأي على أكثر من وجه فيحيي في نفوسهم القدرة على معارضة الرأي وعدم الجمود على الحرف وانقاذ الناس من وهدة الخمود وقتامة التقليد الأعمى. فالتبليغ دعوة للتحرر والانطلاق بوعي الإسلام نحو الاشياء والإنسان ومختلف المفردات الأخرى في هذا الكون والمجتمع([6]).

 

2- ممَّ يعاني التبليغ والمبلّغون:

لا يخلو أي عمل من المشاكل وكذلك في مجال التبليغ الديني، فهناك مشاكل ومعاناة يواجهها الغريب عن بلده والمسافر وطالب العلم وغيرهم كالتي يواجهها المبلّغ في عمله فلابد ان يضع في حسابه ذلك الأمر ليطرح علاجاً لكل مشكلة وجواباً لكل مسألة.

لكن هناك بعض المشاكل الخاصة بعمله التبليغي يواجهها وهو يمارس التبليغ مثل:

1- ان يفرض المضيّف عليه اتجاهاً في الطرح كأن يلزمه بطرح مسائل فقهية أو اخلاقية فحسب أو ترك المسائل الحياتية المعاصرة أو يمنعه من طرح بعض الافكار كعدم الخوض في ملابسات التاريخ لأسباب كثيرة وهنا لابد من الصبر وممارسة التبليغ المباشر مع المضيّف الذي يحتاج إلى تفهيم وتبصير بمثل هذه الاشتباهات.

2- ان تحصل تقاطعات بين توجهات المبلغين أنفسهم في تلك المنطقة حين يكون أكثر من مبلغ مما يعيق حركة التبليغ وتتحول وكأنها مشادات وخصومات فتستغل من البعض مما يفسد الاجواء على الناس وتتقلص مصلحة التبليغ وفوائده.

3- التقاطع مع الموقف الحكومي في المنطقة على مسائل معينة أو وجود قيود على عملية التبليغ أحياناً لأسباب كثيرة مما يعرقل جهود المبلّغ ويبعثرها.

4- لغة التبليغ هي الأخرى مشكلة، ان لم يتقن المبلغ لغة مخاطبيه وطبيعة أفكارهم وما يؤثر فيهم وما لا يؤثر.

إضافة إلى ان هناك مشاكل أخرى كثيرة يواجهها المبلّغ أو بعضها في وقت واحد([7]).

 

المعاناة في صور:

هذه المعاناة تتشكل بصور وألوان متعددة وتختلف من منطقة إلى أخرى ولعلّ الموروث الثقافي يدخل في إيجاد مثل هذه المشاكل ويستند بعض هذا الموروث الى ما حدث بسبب الملابسات التاريخية الاولى أو بسبب الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش والتسلط الاستعماري والحروب الباردة وغيرها ولكن هذا التعدد لا يعدم وحدة مصدر هذه المشاكل ومن هذه الصور:

1- هناك حملة من اللمز والطعن في كتاب الله القرآن الكريم، فهناك على سبيل المثال فيلم سينمائي في هولنـدا يصور القـرآن الكريم بأنّه كـتاب يـدفع للارهاب والـقتل، وعمل النائب الهولندي غيرت فيلدرز (زعيم حزب الحرية اليميني المتطرف) على اخراج هذا الفيلم([8])، وهذا الأمر يحتاج إلى وقفة واعية من المسلمين والمبلغين بشكل خاص للحيلولة دون انتشار مثل هذه الافلام وذلك من خلال الحوار والحكمة والموعظة الحسنة.

وقد سبقت هذه المحاولات حملة إساءة لشخصية النبي محمد (ص) وكانت انطلاقتها من الدنمارك وقد أثارت مشاعر المسلمين في كل مكان لكنهم لم يتراجعوا عن تلك الاساءات.

2- حملات التنصير المستمرة في القارة الافريقية بالقوة باستغلال الظروف الاقتصادية للافارقة ونشر الهيئات التبشيرية بشكل واسع.

3- تشريع القوانين التي تحدّ من انتشار الاسلام بدعوى الارهاب وقد أضحت هذه التهمة سلاحاً ضد الابرياء من المسلمين من خلال دعوى إرعاب المجتمع الغربي بوجود اخطار تهدده وإخافة الجاليات المسلمة بتوجيه اللوم والتهمة إليها وللأسف من غير تمييز أحياناً للارهابيين الحقيقيين فتؤخذ هذه الجاليات بجرائر غيرها، وقد وظفت لذلك وسائل اعلام كثيرة وواسعة إلى جانب التشريعات والقوانين التي تصدر هنا وهناك.

4- الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها بعض الجاليات الإسلامية في المهاجر وهذه المشكلة لها تبعاتها على الحياة الاجتماعية للجاليات ويمكن تجاوز بعضها أو نسبة منها من خلال تشجيع التعاون بين الميسورين وأصحاب العوز ومن خلال التفكير بمشاريع اقتصادية وخيرية يطرحها متخصصون لكن المبلّغ باستطاعته التشجيع والحث على ذلك([9]).

5-المشكل الطائفي والمناطق المتوترة، لم تعد الطائفية شبحاً ولا خيالاً في الاذهان وانما تجسّدت وللأسف الشديد في واقع بلداننا بحيث يقتل الانسان والجماعة على الهوية في ظل اصدار فتاوى سيئة ومقيتة تثير الضغائن وتوغر الجراح، وقد اخذت الطائفية أبعاداً خارج سيطرة الانسان العادي، واخذت تحقق أهدافاً بسهولة كانت بعيدة المنال يوماً ما.

 

كيف يتصرف المبلّغ أمام هذه المشاكل:

هذه المشاكل ليست شخصية بقدر ما هي عامة يتأثر بها التبليغ بشكل مباشر وهنا لابد ان يتجاوز المبلّغ هذه العقبات والمشاكل المؤثرة في عمله التبليغي من خلال إيمانه بضرورة نجاح التبليغ وقفزه على المشاكل الصغيرة ومداراته بمستوى مؤثر من الشفافية في التعامل مع الأفراد والحالات ومختلف هذه الظواهر ولا يمكن ان تبعده مثل هذه المشاكل عن جادة الصواب فلا يطاع الله من حيث يعصى ومن جهة أخرى لابد للمبلّغ ان يتوفر على ادوات التبليغ الضرورية التي سنشير إلى بعضها لاحقاً.

 

3- مقومات للتبليغ الناجح:

لا نريد التعرض للشروط اللازم توفرها في الخطيب من المعرفة والعلوم واللغة والقدرة الخطابية وأثارة العاطفة الدينية وإنما نشير هنا إلى أدوات ضرورية تتناسب والواقع الذي يتحرك فيه:

1- الاطلاع على طبائع الشعوب وخصائص الاقاليم لا سيما منطقة التبليغ فهناك أفكار وعادات ومذاهب وطوائف وطبقات متباينة متعددة ينبغي الالمام بها ولو بشكل عام وان يقف على الممنوع والمسموح به في تلك المجتمعات.

2- استخدام الدليل والبرهان في الحديث، ولا يمكن اعتبار المخاطبين مستقبلين بالقوة لأفكاره فليس للاكراه مكان في هذه المجتمعات، وقد تتنوع صور واشكال الدليل بين الفيلم والوثيقة والحجة العقلية والمؤيدات العلمية وكل ذلك يعين المبلّغ على اداء رسالته في التبليغ.

3- ان يتناول ما يواجهه مخاطبوه من المعاناة والمشاكل والشبهات والاثارات العقائدية والثقافية والتاريخية والفقهية والاجتماعية وحتى السياسية احياناً  لا أن يبدد وقت المخاطبين بالسرد التاريخي الممل او بذكر الخرافات والاساطير فالاسلام للحياة وهو يبني الحياة ويجيب على كل مشكلة وسؤال.

4- الاهتمام بالشباب والاطفال والطلاب والنساء فهذه طبقات يبنى عليها المستقبل وهم بنى تحتية مؤثرة دائماً ومن يغفل عنهم ينحسر تبليغه في عدد محدود من كبار السن أو من اعتاد هذه المجالس لقتل الوقت أو الاستماع بشكل تقليدي أو قاصداً ثواب هذه المجالس من غير تدبر ومعرفة بما يذكره الخطباء والمتحدثون.

5- كلما كان المبلّغ خارج الأطر الفئوية والشخصية كان تأثيره اكبر في الناس، وهذا أمر مهم ومؤثر لأن المخاطبين بشكل عام يميلون الى الطرح الموضوعي البعيد عن الحسابات الفئوية والدعاية الشخصية إلا المنتمين منهم.

6- القدرة على الخطابة المثيرة في المخاطبين حوافز التعلم والتنبه والمتابعة، والتزام عدم التكرار الممل وتقليب الفكرة على الامثلة والدليل والوثيقة والقصة وغير ذلك لأيجاد حيوية في طريقة ومضمون المحاضرة واللقاء مع الآخرين.

7- ضرورة المحافظة على العلاقات الاجتماعية وزيارة المراكز والعلماء والشخصيات في منطقة التبليغ لا ان يبقى المبلغ مأسوراً في ضيافة محدودة ومكان محدود معزولاً عن المجتمع، فالعلاقات من شأنها ان تفتح آفاقاً وتؤثر في طبيعة الحضور والمشاركة([10]).

 

4- غايات وأهداف في الخطاب التبليغي:

للجاليات الاسلامية وعموم المسلمين في الغرب وفي بلداننا الاسلامية ظروف وطبائع تأثروا فيها بالمجتمع الجديد فهم يؤثرون فيه وكذلك يتأثرون بايجابياته وسلبياته معاً، لذا فالخطاب التبليغي لابد ان يأخذ بنظر الاعتبار جملة من المسائل ومن أهمها:

1- التأكيد على هوية المسلم الذي تديّن بدين الاسلام وبكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني الاخاء والسلام والمحبة والصفاء وان المسلم له الحق في المطالبة بحقوقه الدينية والشخصية، وان يفتخر بانتمائه للاسلام العظيم الشريعة الحنيفية السمحاء ودين الله الخاتم، ولا تبرز هذه الهوية في شخصية وحركة الإنسان المسلم إلا بوعي حضارته وانتمائه الالهي وعلوّ القيم التي يدعو إليها وهذا كله من وظيفة المبلّغ.

2- الشعوب هي ليست نسخاً متكررة عن تجربة واحدة  فلكلٍ منها خصائص وفيها ملابسات وهذا يعني التنوع والتعددية في هذه الشعوب الاسلامية باحترام تقاليدها واعرافها التي لا تتعارض مع روح الاسلام، فالشكل والمظهر الاسلامي يتعدد بتعدد الاماكن وتنوّع الظروف ليبقى المضمون الاسلامي هو المرشد والدليل والحاكم وهذا التفكيك من وظيفة المبلّغ أيضاً.

3- بث روح الوحدة بين المسلمين وانهم يد على من سواهم وتعزيز الشعور بالوحدة الاسلامية ضامن لبناء أمة واحدة تظهر للناس باقامة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وباقامة الصلاة والفرائض الأخرى من خلال الولاء الكامل لله سبحانه.

4- في المجتمعات التي يكون المسلمون هم الاقلية فيها ينبغي مراعاة العقائد والاديان والافكار المحيطة وإلا فالمسلم يختنق ان لم يطرح سماحة الاسلام وقيمه العليا ورحمانية المبدع الواحد المريد، وهنا تطرح آفاق الحوار الانساني والحوار الديني والاخلاق المشتركة وأصول المعرفة الإنسانية وكل ما يجمع هذه الانسانية على مشتركات دون ان يباعد بينها.

5- المسلمون في هذه المجتمعات هم مذاهب وطوائف وتوجّهات تتنوع وقد يتسبب هذا التنوع بشيء من الاحتكاك وعدم تفهم الآخر احياناً فالخطاب التبليغي لابد ان يتناول القدرة على وحدة  المواقف وكونها فريضة من الفرائض وحاجة من حاجات هذه الأمة وشعارها الكبير قوله سبحانه: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)([11]).

والخطاب التبليغي لابد هنا ان يؤسس لمشاريع التقريب بين المذاهب الإسلامية ويدفع غوائل الحقد والتقاطع السلبي بين هذه المذاهب ويعزز فرص التفاهم والعمل المشترك (وان المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً)([12]).

6- في المجتمعات الأخرى أخطار وتحديات قد تختلف عما عليه مجتمعات الوطن الاسلامي الكبير فالأسرة مستهدفة بقيمها وأساسها كذلك الشباب والاطفال والاسرة، وسرعان ما تتهدم أسر وتنفرط عرى هذه الخلية الانسانية الاولى في بناء المجتمع. تُرى كيف يواجهها المبلّغ في محاضراته ولقاءاته وخطابه؟ هذا الموضوع غاية في الحساسية فلابد ان يعالج من زاويته الدينية ومن زاويته الاجتماعية مع الاهتمام بالانفتاح وتفهّم الحاجات. اذن لابد من التأكيد على أهمية الاسرة وبنائها كما أمر الإسلام بذلك ودور الأسرة في التنمية الاجتماعية والحضارية، وضرورة التفكير بأحكام للاسرة تواكب التطور المحتشم وليس المبتذل والنظر الى هذه الاحكام من خلال هذا الواقع الجديد ولابد من دخول الافتاء المرجعي المباشر للاجابة عن هذه المستجدات.

اما الشباب والاطفال والنساء فهي مساحات قابلة للتأثر أكثر من غيرها في الواقع الجديد لذا ينبغي تخصيص محاضرات ونشاطات كافية لهؤلاء الافراد والطبقات، ودفع المراكز والمؤسسات المعنية في هذه المجتمعات بالعمل على حماية هذه الطبقات سريعة التأثر بالواقع الجديد وللمبلغ دور واضح في ذلك.

7- يفضل عدم اقتصار الخطاب التبليغي على الموضوعات السياسية في هذه المجتمعات وعدم تبديد الوقت فيها إلا بقدر رفع الحاجة حين يكون ثمة مقتض يدعو لبيان رأي أو توضيح فكرة أو تبديد شبهة سياسية وغير ذلك.

لأن التصنيفات السياسية سرعان ما تتبدل وتتغير مواقفها وتتناقض. وهذا لا يساعد على نجاح رسالية المبلّغ حين تتناقض اراؤه ومواقفه تبعاً لذلك الجريان السياسي.

8- إثارة الجانب العاطفي الملتزم والابتعاد عن سرد غير الثابت أو الدخيل علينا من تراث بعض الأمم والشعوب، فالمحافظة على: فلسفة البكاء على جراحات الطف، والاندفاع الواعي نحو إقامة المراسم اوالشعائر الدينية من المسائل اللازمة في هذا الخطاب التبليغي، على ان الجانب العاطفي يجب ان لا يتوسع على حساب المضمون والحقيقة والفكر الديني.

9- الابتعاد عن أساليب الاستفزاز للآخرين وفي الوقت نفسه عدم التأثر وعدم ردة الفعل من استفزاز الآخرين وأساليب الاستهجان وحتى النقد غير الملتزم فأمام ذلك كله تتربع قاعدة قرآنية وهي قوله سبحانه:

(ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)([13]).

فان الدخول في مجال الاستفزاز وردود الافعال يبعد عملية التبليغ عن أهدافها ويتسبب في حدوث الكثير من المشاكل التي يكون المبلّغ في غنى عنها.

10- عرض الثورة الحسينية وتحليلها ودراستها باعتبارها موقفاً إسلامياً استهدف الانحراف الأموي وعزّزت روح المقاومة ضد السلطويين والمنتفعين الذين أرادوا افراغ الرسالة الاسلامية من مضامينها الفكرية والعقائدية والقيمية لتكون للأمويين ومن يسير على منهجهم السلطة والقدرة على ظلم واستلاب حق الآخرين.

11- التأكيد على الجانب الاخلاقي والروحي وتقديم هذه المنظومة القيمية لتكون أساساً في العلاقة مع الآخر وللانسان المسلم مع نفسه ومجتمعه، لتكون هذه التعبئة الروحية والاخلاقية حائلاً دون التمادي والعدوان على الآخرين.

12- مواجهة ظاهرة العزلة والانكفاء التي يتعرض لها المسلم أحياناً اثناء محاولته التطهر عما يلوّث شخصه من مؤثرات اجتماعية وثقافية وسلوكية وغيرها.

حيث قال رسول الله (ص) برواية ابن مسعود: (خالط الناس ودينك لا تَكْلمنّه)، أي لا تجرحنّه ولا تتجاوزه([14]).

13- عرض مضامين وابعاد ومعالم مدرسة أهل البيت في الشؤون المختلفة وضرورة التمسك بها فالعمل لا يفارق العلم وإلا ارتحل ذلك العلم، هذه المدرسة لم تستفد منها مجتمعاتنا بشكل كاف للحواجز النفسية ولأن الطرح السائد يركز على الخطاب الانشائي والوعظي والفضائل بطريقة خطابية دونما طرح للمضامين الاساسية للنظريات الدينية حول الحياة وهنا يمكن دعوة من لديه القدرة على البحث والكتابة في فراغات كثيرة لا زالت بكراً لم تمسها ادوات البحث العلمي الموضوعي فقد ورد متواتراً عن رسول الله (ص) حديث الثقلين: (إنّي تارك فيكم ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي)([15]). فالولاء للقرآن والعترة لا يتوقف عند الجانب العاطفي وإنّما يعني ذلك الالتزام بهما والسير نحوهما والطاعة لهما، وهذا من شأنه ان يعزز فرص الوحدة بين المسلمين محبي القرآن والعترة المطهرة.

14- الابتعاد كثيراً عن نقاط الاختلاف مع غير المسلمين وحين يتوجب الأمر ذلك فهناك حوار العقلاء الراشدين بعيداً عن اجواء العاطفيين ومنابر الشتامين([16]).

 

5- الفرص المنتظرة:

في ظل هذه التحولات القائمة يستشرف المبلّغ الواعي فرصاً او آفاقاً للتبليغ والتأثير ومن تلك الفرص:

1- طرح جوانب السماحة والرحمة والمعاملة الحسنة التي يأمر بها الإسلام لتفويت صفقات البغي و الظلم على الاسلام حين ينعتونه بأنه مرتع للارهاب كما يحلو للبعض أن يصفه أو انهم لا يريدون ان يعرفوا ان ما يقوم به المسلم لا يعبر بالضرورة دائماً عن مطلب اسلامي ولا يمكن حمل اخطاء الاشخاص على صفاء الشريعة وعدالة التشريع، فالارهاب ليس له مصطلح في قاموس الشريعة الإسلامية إلا بمعنى العدوان على الانسان وعلى الانسانية بقيمها وحقوقها ويبقى الجهاد بمعناه الصحيح هو الدفاع عن النفس واخافة المعتدي، ولابد من تفكيك هذا التداخل وسحب اوراق المزايدة من أيدي الطامعين بتشويه الإسلام.

2- الحضُّ على فتح مراكز بحوث ودراسات لتعالج ما يعانيه الإنسان المسلم أو ما يُثار حول الإسلام احياناً، فهذا الاتجاه العلمي الناجح يوفر فرصاً للكتابة والتأليف والمناظرة والحوار وذلك بالابتعاد عن التسطيح الفكري الذي تبتلى به بعض المجتمعات وبعض المثقفين.

3- بدلاً من ان يسحبنا البعض الى مواجهات خاسرة بتوجيه التهم الباطلة وتشويه الصورة الناصعة للاسلام احياناً لابد من المبادرة الى تبديد تلك المحاولات من خلال فرص الحوار والمنتديات الثقافية واللقاءات المبنية على روح العلم والتسامح وبذلك تتسع مساحات التحابب والاخاء والتعاون الثقافي بعد ردم هذه الهوّة المفتعلة بين بني الانسان في كل مكان.

4- أمام المبلّغ فرص اللقاء المباشر مع الناس خارج زمن المحاضرة او البرنامج التقليدي له وذلك من اجل تعزيز روح الألفة وكسر بعض الحواجز والانفتاح بالحوار الصريح وحتى النظر في بعض المشاكل التي تطرح في حدود القدرة والقابلية.

5- تعزيز فرص العمل المشترك أو التعاون المباشر بين المراكز والمؤسسات والهيئات والشخصيات المؤثرة، فالمبلّغ قادر على دعم مثل هذه الاعمال التي تؤسس لتلك الفرص الجماعية.

6- تشجيع الشباب القادر على ادارة مواقع الكترونية تعمل على نشر الفضيلة والتعريف بالاسلام ومدرسة أهل البيت(ع) وقد تتطور بعض هذه المواقع الى مراكز بحث ودراسات أو حوار وهذا يعتمد على همم الشباب المقيمين في تلك المناطق لكنهم ينتظرون رعاية ولو معنوية من مجيء المبلغين الفاعلين الى هذه المناطق.

7- المبلّغ في منطقة ما تتكون لديه علاقات مع ابناء هذه المنطقة وبالتالي لا يمكن ان تعدم مثل هذه العلاقات ويمكن متابعتها بعد مواسم التبليغ وتطويرها خدمة للرسالة وسعياً لتطوير التبليغ في المناطق.

8- الاستفادة من الانفتاح الثقافي والعولمة بجوانبها الايجابية فيقوم المبلّغ بتوسيع اتصاله ومساحة بثّه من خلال وسائل الاتصال المتنوعة والكثيرة بطرح الفكر الاسلامي الانساني عبر هذه الوسائل بالاستفادة من الامكانات الموجودة لدى المراكز والمؤسسات فلا زال الكثير من الناس يتطلعون لمعرفة الاسلام وتاريخ المسلمين.

ولا حاجة لنقل مشاكل في الشرق الاسلامي الى هذه المناطق الجديدة وكذلك العكس حتى لا يمرض أهلها بما واجهناه من صراعات وتقاطعات وفتن عفا عليها الزمن او لا زال بعضها لعقاً على ألسنة المرضى من المسلمين بشكل عام.

9- هناك منظمات انسانية وجمعيات حقوقية بأمكانها دعم فكرة الحق والعدل والمساواة فيمكن من خلالها حمل هموم شعوبنا الاسلامية للدفاع عن قضاياها المصيرية في حق البقاء والوجود أحراراً أقوياء.

10- التفكيك بين فكرة تذويب الجاليات الاسلامية في الغرب داخل محيطها الكبير وإنهاء معالمها ومضامينها الاسلامية او تشويهها وبين التفاعل مع المحيط الكبير والتأثير فيه وعدم الانعزال وهذا لا يتأتى إلا من خلال مساهمة الجميع وخصوصاً المبلغين في بيان مفهوم التفاعل وأخذ المسلمين أدوارهم في محيطهم الكبير من غير انسلاخ او استلاب للهوية بعد ان اصبح المسلمون في الغرب يواجهون واقعاً يعايشونه ويعيشون فيه كغيرهم من الاقليات.

 

 

مصادر البحث

القرآن الكريم

1-      سورة آل عمران: 104.

2-      سورة التوبة  122

3-      سورة النحل  2

4-      سورة الاسراء  15

5-      سورة الزمر  9

6-      سورة الجن   18

7-      الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة – علي المحافظة – بيروت

8-      الايات البينات في قمع البدع والضلالات للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

9-      بينات من موقع السيد محمد حسين فضل الله

10- ثورة ايران في جذورها الاسلامية الشيعية – حسن الامين

11- خطاب الامام السيد علي الخامنئي بتاريخ21-4-1998

12- دورالمنبر الحسيني في التوعية الاسلامية للشيخ محمد باقر المقدسي

13- صحيح البخاري – كتاب الادب

14- الكافي للكليني

15- مجلة البيان – ملفات الشبكة العالمية

16- مجلة العرب الالكترونية

17- المسلمون في الغرب الفرص والمحاذير – ونيس المبروك

18- مسند احمد بن حنبل

19- الملحمة الحسينية للشيخ مرتضى المطهري

20- موقع: مسلمو الغرب على الانتريت

21- الميزان في تفسير القران للعلامة الطباطبائي



([1]) سورة الاحزاب: 39.

([2])  سورة الاسراء: 15.

([3]) سورة التوبة: 122.

([4]) سورة الزمر: 9.

([5]) الكافي ج1، ص23 ح15.

([6]) للزيادة راجع تفسير الميزان للطباطبائي 5/255 حول الدعوة الى التفكر والتأمل والتعقل.

 

([7]) للزيادة في الاطلاع راجع خطاب الامام السيد علي الخامنئي امام العلماء والمبلغين بمناسبة محرم الحرام عام 1418هـ بتاريخ 21/4/1998م.

([8]) راجع مجلة العرب الالكترونية www.arabmag.net.

([9]) للمزيد راجع صور من جهود المنصرين في افريقيا مجلة البيان – العدد 145 رمضان 1420هـ - يناير 2000م ضمن ملفات الشبكة النسائية العالمية.

 

([10]) للمزيد من الاطلاع راجع: دور المنبر الحسيني في التوعية الاسلامية للشيخ محمد باقر المقدسي ص: 193-256، وراجع: المسلمون في الغرب الفرص والمحاذير للدكتور ونيس المبروك عضو مجلس الشورى بالرابطة الاسلامية ببريطانيا – موقع مسلمو الغرب على الانترنيت.

 

([11]) سورة آل عمران: 104.

([12]) سورة الجن: 18.

([13]) سورة النحل: 125.

([14]) راجع صحيح البخاري – كتاب الادب – باب الانبساط الى الناس.

([15]) انظر مسند احمد بن حنبل ج3 ص17

([16]) للمزيد راجع: الآيات البينات في قمع البدع والضلالات للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء 1/23، 2/14-20. وانظر ثورة ايران في جذورها الإسلامية الشيعية، حسن الامين ص: 53، وانظر الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة، ص: 14، وراجع: الملحمة الحسينية للشيخ مرتضى مطهري ج1 ص 182-234، وبيّنات من موقع السيد محمد حسين فضل الله.