التقريب بين المذاهب الاسلامية على ضوء الكتاب والسنة والاجتهاد الشامل

التقريب بين المذاهب الاسلامية على ضوء الكتاب والسنة والاجتهاد الشامل

 

 

التقريب بين المذاهب الاسلامية على ضوء الكتاب والسنة والاجتهاد الشامل

 

  سماحة آية الله محمد واعظ زاده الخراساني/  عضو المجلس الاعلى للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين، ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.

 لقد اتفقت وأجمعت المذاهب الاسلامية المعروفة، والتي يقلدها عامة المسلمين على أن المصدر والمستند في الاسلام لكل من العقيدة والشريعة، والسلوك، والاخلاق والعرفان، والآداب والسنن، وسائر المعارف، هو الكتاب والسنة اللذين تركهما النبي عليه السلام بين أمته وقال في  رواية[1]، وفي روايات كثيرة:[2]  (اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي).

 وكلا الثقلين محفوظان باذن الله تعالى:

 أما الكتاب فلا خلاف فيه بين الامة، وقد ضمن الله حفظه بقوله مؤكداً: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) وكان له حفاظ كثيرون بين الصحابة الكرام ومن بعدهم الى يومنا هذا  لا يحصى عددهم مما لا نظير له بين الكتب الدنية الاخرى.

 واما السنة الشريفة فهي بحمد الله موفورة ومضبوطة عن طريقين: طريق الصحابة رضي الله  عنهم، وطريق اهل البيت عليهم السلام. وقد وصلت، الينا بإهتمام الرواة والمحدثين والحفاظ الكبار قدس الله أسرارهم، وجمعت في كتب الصحاح والمسانيد والسنن المعروفة بين أهل السنة والشيعة. كالصحاح الستة للسنة، والكتب الاربعة وغيرها للشيعة الامامية وغيرهم.

 وبعد الفحص والمطابقة بين الطريقين وجدنا قسماً كبيراً منها - رغم اختلاف الطرق والرّواة – متحداً نصاً أو معنىً، ربما يبلغ ثمانين في المائة منها، وشطر منها مختلف معنىً بين  الطريقين أو في طريق واحد منهما، حسب تعدد الروايات.

 وكما نعلم جميعاً أن لاختلاف الحديث أسباباً مبحوثاً حولها في كتب علوم الحديث، وفي ثنايا البحوث الفقهية والاصولية، وللعلماء جهود جبارة في الجمع بين الاحاديث المختلفة إن أمكن، أو الترجيح بينها بمرجحات أهمها موافقة الكتاب والسنة القطعية واجماع المسلمين وهناك كتب معروفة باسم (مختلف الحديث) عالجوها باحدى الطرق المشار إليها.

 وبذلك حصل لدينا العلم بأن الكتاب والسنة المشتركة قد جمعنا في اكثر ما نحتاج إليه في ديننا في الأبعاد والمواضيع الواسعة الدينية، فهما عمادان قويان، وسندان مستحكمان ميسر لنا جميعاً الاعتماد عليهما والاستناد اليهما في معظم المسائل الاسلامية.

 ويبقى هناك خلاف بيننا في بعض المسائل الكلامية والفقهية أو في تفسير بعض الآيات والروايات، ولا ضير في ذلك، ولاسيما في فروع المسائل،  ولايختص هذا النوع من الخلاف بما بين مذهبين، بل يوجد في مذهب واحد.

 أما اختلاف المذاهب، أو اختلاف العلماء في مذهب واحد، فقد نشأ معظمه من الاختلاف في فهم الكتاب والسنة، ومن طريقة الاستنباط من نصوصهما، أو من تلك الاحاديث المختلفة معنىً، ثم من القواعد والاصول المقررة عند كل مذهب، او لكل مجتهد عبر القرون، او من وجهات النظر والرأي والأعراف واللغات عندهم، من غير فرق بين مذهب ومذهب، حتى عند المجتمهدين في مذهب واحد، كما نراه اليوم في  المسائل المستحدثة التي تعم بها البلوى بين الأمة  جمعاء.

 والاختلاف في الرأي أمر بسيط طبيعي في كل علم، ولاسيما في الشريعة الاسلامية والدين الاسلامي الذي قد فتح باب الاجتهاد والتفقه بمصراعيهما أمام المجتهدين، فان الاجتهاد بذاته مثار الختلاف، ولاضير فيه بنفسه ما لا يضم، إليه ويلصق به أمر آخر لا يرغب إليه من السوء والشر، بل فيه رحمة واسعة للناس. وقد جاء بذلك حديث مشهور عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه:  (اختلاف امتي رحمة) فان المراد بالاختلاف في الحديث الشريف ليس العداء والخصومات قطعاً، بل أريد به مجرد تعدد الرأي والنظر ليسهل على الناس أمورهم حسب الازمنة والامكنة، وتماشيا مع اختلاف الحاجات،  وما أحاط بهم من الاطوار والحالات، هذا مع الالتزام والتعهد بالاصول القطعية ونصوص الكتاب والسنة.

 وهذا هو سر الاجتهاد والتفقه في الدين. لان الاسلام دين خالد للبشر إلى الابد، فلابد وان يتناسق مع ظروفهم وشروطهم، ولايتيسر الا من طريق الاجتهاد والاستنباط على ضوء الكتاب والسنة، وما نشأ عنهما من الأصول المقررة.

 فاذا كان الاجتهاد للوصول الى ما هو أقرب الى الكتاب والسنة عملا بقوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الالباب)[3]  فلا موجب للعداء والخصام، والفرقة والبغضاء بما يترتب عليها من الشرور بين المختلفين.

 وقد كان بين السلف الصالح وأئمة المذاهب اختلاف الرأي والفتوى في شطر من الفروع حتى في العبادات، من غير عداء ولا خصام بينهم، بل  كانت بينهم علاقات علمية طيبة ومراسلات حسنة، حتى بين امام من أهل البيت وامام من أهل السنة، ففي (جامع المسانيد) للامام أبي حنيفة روايات حاكية عن وجود علاقة وداد بينه وبين الامامين من آل البيت: الامام محمد بن علي الباقر، والامام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام. وكذلك في كتاب (الموطأ) للامام مالك روايات مباشرة عن الامام الصادق وعن آبائه بوسائط غير مباشرة.

 وفي كتاب مسند  الامام الشافعي أيضا روايات عن الامام الصادق بواسطة واحدة.

 وأيضا وللرواة من أهل السنة روايات كثيرةعن الائمة من آل البيت في كتب الحديث للسنة، وقد جمعت بمشاركة منا في كتاب باسم (أحاديث اهل البيت عن طريق أهل السنة) نشر المجلد الاول منه.

 وهناك روايات كثيرة مثلها، رواتها من أهل السنة عن آل البيت في كتب الشيعة الحديثية، عمل بها الفقهاء من الشيعة، كما عملوا بروايات رواتها من طائفتهم، من غير فرق بين مذاهب الرواة. ونموذج واحد منها كتاب اسماعيل بن زياد السكوني من فقهاء أهل السنة ومن اصحاب الامام الصادق في المسائل الفقهية، وقد وضعت رواياته على كتب الحديث للشيعة ويفتي بها فقهائهم الى يومنا هذا. كما أن هناك فتاوى كثيرة مشتركة بين المذاهب وقد جمع الشيخ الطوسي (385 – 460 ) هذه التفاوى المتفقة، والفتاوى المختلفة في كتاب (مسائل الخلاف).

 وبذلك يتجلى لنا وجود العلاقة الحسنة بين الطرفين في القرون الاولى، فكان يأخذ بعضهم عن بعض ويتعلم العالم الشيعي عند عالم سني وبالعكس، ولم يروا اختلاف المذهب حاجزا عن الاخذ والعطاء بينهم في ميدان العلم والمعرفة، وهذا باب ينبغي تأليف كتاب جامع لشتاتها.

 لكن هذه العلاقة الودية ضعفت، بل انقطعت شيئاً فشيئاً، لا بل تبدلت – مع الاسف -  الى حالة سيئة وعداء ركين بين الفريقين، ولاسيما بين العوام من كلّ منها. الا ما شذّ في بعض البلاد بين بعض العلماء وقد بدأت تتوسع بحمد الله. ولهذه الحالة الطارئة أسباب حدثت وتزايدت في البلاد الاسلامية عبر الأزمنة وطي الاحداث المتطورة لانريد ذكرها، وأهمها أمران: السياسة والجهالة:

 أما السياسة، فهي ما حدثت بين السلف ثم بين الحكومات في الاقطار الاسلامية فانهم – كما نعلم – كانوا يتخذون من المذاهب ذريعة لبسط سلطانهم، وكوكبة عساكرهم وأعوانهم، لا في مذهب شيعي ومذهب سني فحسب، بل بين فريقين من الشيعة، أو بين فريقين من السنة. وقد ثبت في التاريخ قسم كبير منها، ومن جملتها ما حكاه (ياقوت) في كتابة (معجم البلدان) في النزاع بين أتباع المذاهب والتقابل بينهم في (الرّي) حتى انتهبت الى خرابها، وهي عبرة للحكومات الاسلامية في العصر الحاضر. ولمن يأتي بعدهم إلى الأبد. ومع كل أسف هذه الحالةالمشؤومة قد اتسعت بين دولتين عظيمتين العثمانيين والصفويين في القرون  الاخيرة،  خسرت منها الامة خسارة كبرى بقيت آثارها الى اليوم في الاقطار التي حكمتها هاتان الحكومتان في فترة  تجاوزت حوالي أربعة قرون رغم سقوطهما من الوجود وصارتا رهن التاريخ.

 وأما الجهالة، وليست بأخف وأدنى من السياسة، لو لم تكن أكبر منها أثراً، وأشدّ وأقوى منها ضرراً، فقد حدثت وشاعت بين أتباع المذاهب ابتداءً من العوام منهم، وتجاوزاً الى بعض الخواصّ والقادة حتى رسخت في قلوبهم، وغلبت فيما بينهم الظنون، واعتقد كلّ منهم في اخوانهم من سائر المذاهب ما لا يقولون به، وما هو كذب محض، نذكر نموذجاً منها، فزعم كثير من أهل السنة في اخوانهم من الشيعة أنهم يقولون بتحريف القرآن أو عندهم قرآن آخر – حاشا وكلا – ويزعم بعض الجهلة من الشيعة أن بعض أهل السنة يبغضون آل البيت عليهم السلام – حاشا وكلا – ونحن ألفنا كتاباً في صيانة القرآن عن التحريف جمعنا فيه نصوص السنة والشيعة، كما أن لنا مقالاً بعنوان (موقف أهل البيت بين الجوامع الاسلامية) أكدنا فيه تعظيم المسلمين جميعاً وتقديمهم آل البيت النبوي. والحكومات من الأسر العلوية توجد هنا وهناك وقد اشتهرت حتى الان.

 هذه وأمثالها من المباحث الودية الاخوية والوحدوية لابد من بذل الجهود فيها بالتأليف والمحاضرة، وعقد المؤتمرات  لتزول الظنون السيئة بين طوائف الأمة، وتبقى الفروق بينهم فيما هو حق وصدق من اختلاف الرأي بين المجتهدين  منهم حسب اختلاف الاجتهاد والاستنباط، كما سبق. مما لا موجب فيها للعداء وسوء الظن بين أتباع المذاهب وبين طوائف الامة.

 نعم، يجب على الامة – وفي طليعتهم العلماء والقادة في الوقت الحاضر – توحيد الصفوف مذهبياً وسياسياً أمام تحديات العصر من ناحية الأعداء سواءً من خارج البلاد، أو من داخلها.

 أما توحيد الصفوف مذهبياً فلا يتيسَّر -  ولا ليس مطلوبا بالذات أيضاً – بازالة الخلافات جذرياً ، فهذا لا يتناسق مع حريةالاجتهاد، بل باتخاذ طريق سليم هو التقريب بينها بتركيز المشتركات أولاً – وهي كثيرة ربما تبلغ ثمانين في المئاة كما قلنا بشأن الأحاديث – والسعي البليغ في معرفة المذاهب معرفة دقيقة. ثانياً عن لسان خبراء المذاهب والخصصين منهم، دون ماسطر عنها في بطون الكتب، أو شاع على الألسنة، واستحكم – مع الأسف – في الأذهان، أو ما يصرّ عليه الأجانب من المستشرقين والمستعمرين الذين يتمنّون السلطة على المسلمين وعلى ثرواتهم، كما هي دأبهم قديما باتخاذ سياسة (فرق تسد).

 ثم اتخاذ عمل علمي جماعي ثالثا في حل المشاكل الفقهية المطروحة في العصر الحاضر التي قد تعبر عنها بـ(المسائل المستحدثة). وقد نرى الآن بحمد الله نموذجاً من هذه الدراسات الجماعية في (مجمع الفقه) بجدّة بالمملكة العربيّة السعودية و(مجمع أهل البيت) بـ (عمان) بالمملكة الهاشمية الاردنية، وبـ(المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية عندنا بطهران في الجمهورية الاسلامية الايرانية)، وبـ(مجمع البحوث الاسلامية) في الازهر الشريف بالقاهرة.

 وهناك مجتمعات أخرى في الاقطار الاسلامية غيرها. فعلينا جميعاً ان نتداول هذه الطريقة الحسنة لتحصل عندنا كمسلمين خبرة في العمل الجماعي الثقافي والفقهي والصناعي وغيرها ان شاء الله تعالى، هذا كله في المسائل المستحدثة.

 ثم تجديد النظر رابعاً في المسائل الخلافية السابقة برؤية جديدة، وبالحوار الشامل وبانصاف واخلاص ودراسة عميقة وصولا الى شيء من الوفاق في تلك المسائل، وعلى الاقل الاحترام العلمي المتقابل بينهم. بعد وقوفهم على وجهات النظر لكل منهم.

 وأما السياسة فموكولة الى أربابها من الملوك والرؤساء في البلاد الاسلامية، فيرجى منهم اتخاذ طريق الوفاق بدل الخلاف، والاهتداء الى سبيل الاخوة الاسلامية ووحدة الأمة ومصالحها، بدل الاشتغال بالمنافسات القومية والجغرافية، أو الدخول في المنازعات العالمية والدولية. ويجب عليهم أن يتلزموا بما أخذ الله عليهم تجاه شعوبهم وقبال الاجانب.

 ومن أجل الوصول الى هذه الغاية، وتحقيق هذه الأمنية ينبغي بل يجب على أمراء البلاد الاستماع الى أئمة الدين والتشاور معهم، لتكون أعمالهم السياسية موافقة لاعتقاداتهم المذهبية،  ولاريب أن التناسق بين السياسة والدين يضمن مصلحة الامة ووحدتها، ويوحد صفوفها ويقرب الحكام لشعوبهم، وهذا ما أمرنا الله في الكتاب: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا)[4] و(انّ هذه امتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) صدق الله العظيم. والسلام عليكم ورحمة الله.

 

 [1]– قال مالك: في الموطأ: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وسنتي)

 [2]– جمعت في رسالة باسم (حديث الثقلين) ونشرتها دارالتقريب بين المذاهب الاسلامية: في القاهرة. ثم نشرناها بتذيل منّا من (المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية).

 [3]–  سورة الزّمر: 18.

 [4]–  آل عمران: 103.