تاريخ التكفير أصوله وتأثيره وحلوله

تاريخ التكفير أصوله وتأثيره وحلوله

 

  

تاريخ التكفير أصوله وتأثيره وحلوله[1]

  

الأستاذ الدكتور أحمد محمد سيوانج، م.أ

(الأستاذ في التاريخ والحضارة الإسلامية

بجامعة علاء الدين الإسلامية الحكومية مكسار)

 

 

أصول التكفير

     موضوع هذه المقالة هو التكفير، يعني أنّ المرء الذي لا يتفق مع رأي صاحب التكفير فهو في نظره كافر. وقد ظهر هذا التكفير منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلّم، كما وصفه ابن منده: "إنّ أخي مقداد كان ينطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلّم للقائه وهو في طريقه إلى اليمن والتقى في الطريق بمبعوثي النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال لهم أنا مؤمن، ولكنهم لا يؤمنون بقوله ثمّ يقتلونه.

      وسمع النبي صلى الله عليه وسلّم هذا الخبر ثم كان يعتب على ذلك القاتل، فقال: فهل شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه؟ وأصبح هذا الحادث من أسباب نزول القرآن الكريم:

﴿...وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 94)

      والحادث الآخر هو في عهد الخليفة علي بن أبي طالب عندما تمرّد معاوية بن أبي سفيان على علي بن أبي طالب، ونتج عن ذلك التمرّد معركة ((صفين)) حيث أدّت سياسة علي بن أبي طالب في تسليم الحكم لمعاوية في انفصال بعض المؤيدين له بسبب أنهم لا يوافقون على هذه السياسة وسمّوا أنفسهم بالخوارج، ثمّ أنهم يدخلون في دائرة العقيدة ويجعلون القرآن تبرئة، كما أشار إليها القرآن:

﴿... وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة: 44).

ونتيجة لهذا، فإنّ لكلّ من يتورط في الحكم كافرًا، والكافر يجب عليه القتل.

 

حظر التكفير

      هناك أحاديث تدلّ على حظر التكفير أو منعه، منها:

-          ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله (البخاري).

-          أيما رجل قال لأخيه ((يا كافر)) فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه (متفق عليه).

-          لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلاّ ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك (البخاري).

لا يجوز تكفير المسلم إلاّ بكلّ حظر وانتباه، وهذا كما قال عبد العظيم الشرقاني: "إذا كان هناك كلام يتكوّن من تسعة وتسعين في المائة يدلّ على تمكين الكفر، وهناك واحد في المائة يحتوي على تمكين الإيمان ينبغي أن يكون واحد في المائة معتمدًا على التمكين الأصلح، يعني أنّه مؤمن. (مناهل العرفان 11/ 35).

ولذلك فإن الإسلام يعلمنا أن لا نتسرّع في إطلاق حكم التكفير على أحد، وعليه لا يجوز التكفير المتسرّع ولا تعميمه لطائفة معيّنة.

الاختلاف في الفروع ينبغي أن نتخذ موقف المتسامح، لأنّ كلّ الاختلاف فيه الاتفاق والتساوي، وكذلك العكس.

 

الإسلام السنة (أهل السنة)            الشيعة  نهضة العلماء               محمّدية

تصنيف طوائف التكفير

      طائفة التكفير لا تختلف عن الطوائف الأخرى وهي متنوّعة، بدءًا من الطائفة المتشددة (أشد التشدد).

1.        طائفة متشددة (أشد التشدد)

حسب نتيجة دراسة دار الإفتاء بمصر، أنّ هذه الطائفة تنظر إلى المجتمع الإسلامي اليوم على اعتباره مجتمعًا جاهلِيًّا، لأنّ أسلوب حياته يشبه بأسلوب حياة الكافر، يطبّق شريعة غير شريعة الله، يخضع لنظام الإنسان ويترك شريعة الإسلام، وإنّ هذا المجتمع المسلم يتبع حياة اليهود والنصارى في جميع جوانب الحياة.

      ترى هذه الطائفة المتشددة أنّ المجتمع الإسلامي يميل إلى إتباع جميع الأحوال المرتبطة بالغرب الكافر مثل الديمقراطية والانتخابات العامة، وأنهم يفتون بوجوب القيام بالهجوم على كل الهيئات الغربية أو مؤسساتها مع جميع أجهزتها.

2.        طائفة محايدة (أشدّ الحياد)

هذه الطائفة المحايدة تخطئ الناس الذين لم ينفذوا أوامر الدين بعد، دون إفتاء بوجوب قتلهم.

 

تقلب العلاقات

      إنّ العلاقة بين السنة والشيعة تتقلّب.

قال مختار الشنقطي: "العلاقة بين السنة والشيعة في عصر بني العباسية متواصلة منفتحة ومتبادلة الآراء والتعاليم. ليس هناك احتكاك طائفي على نطاق ضخم فإنّ السنّة (أهل السنة) والشيعة يتكاملان في المجتمع".

      ليس من النادر أن يتعلّم أهل السنة في مسجد الشيعة، وكذلك العكس. محدّث أهل السنة الحكيم النيسابوري كتب المستدرك على الصحيحين، كما كتب الحكيم أيضًا كتاب مصطلح الحديث الذي وزّعه على تلاميذه من الشيعة.

      ليس من القليل أن يتوظف في الوزارة الشيعة عند الخليفة العباسية، وإنّ سلالة الفاطمية التي كانت تتمذهب بالشيعة الإسلامية تتخذ قاضي القضاة من السنة.

      كان العلماء والخبراء والمثقفون الذين يتوظفون في الدولة هم من طائفة الشيعة، مثل: الكندي، والفارابي، وابن مسكويه، وجابر بن حيان، وابن سينا وغيرهم. ولذلك إذا كانت هناك طائفة إسلامية لا تعترف بطائفة الشيعة كأمّة إسلامية، فإنهم لا يعترفون بإبداع هؤلاء الخبراء المسلمين كخدمتهم إلى الدنيا.

      بجانب آخر فإنّ أهل السنة كانوا يأخذون ثقافة الشيعة. يرى محمد زكي إبراهيم: "إنّ تقليد ذكرى المولد النبوي الشريف قد بدأته الشيعة من سلالة الفاطمية الحاكمة في مصر. وتقليد ذكرى المولد النبوي في ذلك الوقت قد هيّج لنهضة روح حبّ النبي صلى الله عليه وسلّم وأهل البيت".

      نظراً لتأثير تقليد ذكرى المولد فإنّ السلطان مظفر الدين بإربيل (سني) كان يشترك في إزدهاره، بل يعطي ألف دينار هدية لمن يستطيع تأليف شعر المدح النبوي. ومنذ ذلك الحين فإن عرف ذكرى المولد أصبح عادة مشهورة في مناطق الخليفة. وكان هذا العرف يتطور تطورًا عظيمًا عند حكم السلطان صلاح الدين الأيوبي، حيث إنه يرى أنّ تقليد ذكرى المولد وسيلة للاتحاد والأخوة الإسلامية. وكذلك فإنّ هذا التقليد يستهدف نهضة روح كفاح جنوده ضد جنود الصليب.

      من إحدى الأعمال العظيمة التي ظهرت في أوائل القرن السابع عشر، هو كتاب المولد البرزنجي الذي ألفه الشيخ جعفر البرزنجي، حيث إنّ هذا البرزنجي يقرأ ويتلى كثيرًا حتى يومنا الحاضر بإندونيسيا فضلاً عن النهضيين الذين يتخذونه قراءة روتينية.

      تاريخ أرخبيل إندونيسيا يشير إلى أنّ الشيعة قد حضر بأرض إندونيسيا منذ زمن بعيد. ومن إحدى الفرضيات القوية تدلّ على أنّ الإسلام بإندونيسيا هو من غوجارات وفيرسيا، حيث إنّ تعاليمه قد تلوّنت بلون ثقافة الشيعة.

      بيانات التاريخ تشير إلى أن الشيعة هي جزء لا يتجزء من الإسلام في أرخبيل إندونيسيا من زمن بعيد. إنّ النهضيين بإندونيسيا مولعون بالقصيدة مثل: "يا زهراء، يا آل بيت النبي"، وهي قصيدة تمدح أهل البيت. وكذلك هناك تقاليد ذكرى تابوت، وذكرى عاشوراء من الشيعة. كلّ هذه المظاهر تدلّ على تبرئة قول عبد الرحمن وحيد، وهو: "نهضة العلماء هي الشيعة الثقافية".

      الحضارة المتقدمة هي الحضارة المنفتحة، إذا كانت الحضارة مغطة غير منفتحة فإنها تصير إلى الانحطاط، وليست هناك أيّة حضارة تتطوّر وتتقدّم بنفسها.

 

متى يظهر الاحتكاك

      مصدر الخلاف بين السنة والشيعة يعود إلى القرن الخامس الهجري نتيجة لمأساة "محنة" التي سحبت الإمام أحمد بن حنبل على السجن وعذابه. هذه المأساة لها تأثير في العدوان المزمن بين أهل الحديث والمعتزلة.

      مسايرة لسيطرة أهل الحديث على سيادة أهل الرأي في العالم السني، كان العدوان مع المعتزلة تقوي. وبجانب آخر فإنّ المعتزلة تدخل إلى الشيعة. ومنذ ذلك الحين فإنّ الشيعة كعقيدة كانت تجد شكلاً تامًّا. وفي ذلك العصر أيضًا بدأ تكتب أربعة كتب الشيعة الأساسية. ومن الممكن أنّ العاطفة الطائفية تسربت في كتب الحديث الشيعية.

      وفي مسيرة التاريخ، فإنّ نظرات الحنابل كانت تسيطر على العالم السني حيث إن ذلك الخصام أو العداوة اشتدّ عليه ابن تيمية الذي كان ينقد الشيعة نقدًا شديدًا بواسطة كتابه "منهاج السنة". ثمّ إن تعاليم ابن تيمية يحييه محمد بن عبد الوهاب ويصير ذلك التعليم فهمًا سلفيا هذا العصر. وبجانب آخر فإنّ ظهور حركة الشيعة السياسية وحركة السياسية العقائدية المعارضة للسنة، ومنذ ذلك الحين حدث النزاع أو الخلاف بين السنة والشيعة إلى يومنا الحاضر.

 

التأثير أو العاقبة

1.    ادّعاء الحق يساوي تغطية الحق، وإنهم وطائفتهم في الحق. والحق عندهم واحد لا يعرفون حقًّا مضاعفًا، وكلّ شيء يأتي من خارجهم خاطئ.

      في الأوقات الماضية كان رئيس جمعية محمدية الأستاذ الدكتور دين شمس الدين، يلقى بيانًا أنّ الفوضى والاضطرابات التي تحدث في العالم الإسلامي هي نوع من مؤامرات الدول العظمى. لذلك فإنّ الأمة الإسلامية يجب عليهم الاتحاد والاعتصام تحت لواء الإسلام، لا سنة ولا شيعة بل الإسلام.

      هذا البيان اعترض عليه التكفيريون، وقالوا إن دين شمس الدين لا يعرف المسألة. حيث إنه دكتور في مجال السياسة ولديه سمعة عالمية كرئيس مؤتمر الأديان العالمي للسلام الذي أسس في نويورك منذ سنة 2006 حتى الآن.

2.    إن التكفير يبرز سوء الظن بين المسلمين، وسوء الظنّ يبرز الخلاف والخصام بين المسلمين كما نشاهد اليوم، مع أنّ الإسلام دين الاعتدال والتوازن بين الاختلاف والاتفاق.

 

الحلول: التقريب بين المذاهب

      منذ الخمسينات كان الشيخ محمد شلتوت يدعو إلى التقريب بين المذاهب المختلفة حيث إنه يفتي في جواز العبادة بمذهب الشيعة الإمامية. حيث طبق هذه الفتوى الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر عند قيامه في إيران، وقال: "إنّ الشيعة جزء من الإسلام، وكثير من علماء الأزهر يختلفون مع موقف السلفي الوهابي الذي يسهّل التكفير.

      مشروع التقريب، قد أقرّ في تصريح عمّان 2005م.، وكان يجتمع في هذا الإقرار وفود من الدول الإسلامية. وأما وفد إندونيسيا في ذلك الحين فهو الدكتور كياهي الحاج أحمد هاشم مزادي رئيس جمعية نهضة العلماء.

      وكان تصريح عمان يقر أنّ مذهب الشيعة جزء من الإسلام ثمّ أقيم مرة أخرى تصريح مكة 2006م.، ثمّ تصريح بوغور بإندونيسيا 2007م. وذلك لاتخاذ الموقف في النزاع الطائفي بالعراق.

      النقطة الأولى في تصريح عمان ذكرت أنّ من يعتنق أحد المذاهب الأربعة عند أهل السنة (الشافعي، الحنفي، المالكي، والحنبلي) والمذهبين عند الشيعة (جعفري وزيدي) ومذهب عبادي وظاهري فهو مسلم. لا يجوز تكفير أحد معتنقي المذاهب المذكورة، ولا يحلّ دمه وعرضه وماله.

      هناك ثلاث نقاط وافق عليها مؤتمر التقريب بين السنة والشيعة، وهي:

1.        إنّ القرآن عند المذاهب المذكورة سواء.

2.        لا يجوز أن يعيب الشخصية البارزة التي يحترمها أهل السنة والشيعة.

3.        لا يجوز التشييع في مناطق السنة وكذلك العكس.

لا يمكن وجود الصلح بين السنة والشيعة إذا كانت الشيعة مثلا تعيب الصحابة الذين يحترمهم أهل السنة، وكذلك لا يمكن أن يتحقق الصلح بينهما إذا كان أهل السنة يذمّون آية الله خوميني.

        ينبغي أن نعترف بأنّ الخلاف ليس فقط بين السنة والشيعة، وإنها قد حدث الخلاف والاختلاف بين المذاهب الموجودة في أهل السنة. ولا ننكر حتى يومنا الحاضر أنّ هناك خلافًا شديدًا بين السنة "الأشعري الماتوريدي" والسنة "السلفي الوهابي". والنزاع ليس فقط على صعيد العلماء لكل منهما بل على صعيد المؤيدين لهما. وذلك بإندونيسيا مثلا قد حدث النزاع بين النهضيين (نهضة العلماء) والوهابيين.

      ينبغي أن نعرف أن الوهابيين يشركون عملية النهضيين من التوسل والتبرك وزيارة القبور وذكرى المولد النبوي وغيرها. وفي نفس الوقت فإنّ النهضيين يذمون الوهابيين المتزمتين.

 

إقرار مكة

      بالنسبة للحديث الشريف الذي يمنع المرء أن يدعي أخيه كافرًا، حيث إن دم المسلم وعرضه وماله وعزة نفسه محترمة. وهذا كما يشير إليه قوله تعالى:

﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 93).

وهناك حديث آخر يقول: "كل المسلم حرام دمه وماله وعرضه وعزة نفسه"، ولذلك فلا يحل للمسلم من السنة والشيعة أن يسفح الدم أو يظلم أو يهدد ويرهب ويأخذ ماله أو يسقط عرضه أو خطف وجوده.

 

أوضاع الأمة استغلها أعداء الإسلام

      الخلاف والاختلاف بين السنة والشيعة استغله أعداء الإسلام لمصلحتهم الخارجية التي تهدف لـ :

1.        انكماش طاقة العالم الإسلامي

2.        مصلحة تجارة الأصلحة

3.        مصلحة صيانة إسرائيل وحمايتها.

 

 

الختام

      على كل حال، إن الصلح خير من النزاع، أي أن الاتفاق خير من الاختلاف. هناك كثير من الآيات القرآنية التي تدل على السلام والصلح، منها:

﴿... فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ (الأنفال: 1).

      والقرآن يمنع الأمة الإسلامية التفرق، حيث إنّ هناك آية طيبة يقتطفها الشيخ وهبة الزحيلي في إحدى مؤتمرات التقريب، وهي:﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 134).

وهناك آية أخرى:

﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ...﴾ (البقرة: 286).

 



[1] تُقدم في المؤتمر التاسع عشر، تحت الموضوع: "الأزمة الجارية في العالم الإسلامي" بطهران، إيران.

بتاريخ 15 – 17 ربيع الأول 1437 هــ/ 27 – 29 ديسمبر 2015 م.