فيوشك أن تلفى له الدهر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما يميل إليه . وفي الحديث " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " . وعن علي بن أبي طالب " الصبر مطية لا تكبو " .
وقد مضى الكلام على الصبر مشبعا عند قوله تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) في سورة البقرة .
وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة الم } منين قائما على شيوع التآمر بهما ديدنا لهم . وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإسلام وأمته لما يقتضيه عرف الناس من أن أحدا لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقا بالملازمة إذ قل أن يقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع وقد قال تعالى توبيخا لبني إسرائيل ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) وقد تقدم هذا المعنى عند قوله تعالى ( ولا تحضون على طعام المسكين ) في سورة الفجر .
بسم الله الرحمن الرحيم .
سورة الهمزة .
سميت هذه السورة في المصاحف ومعظم التفاسير ( سورة الهمزة ) بلام التعريف . وعنونها في صحيح البخاري وبعض التفاسير ( سورة ويل لكل همزة ) . وذكر الفيروز آبادي في بصائر ذوي التمييز أنها تسمى ( سورة الحطمة ) لوقوع هذه الكلمة فيها .
A E وهي مكية بالاتفاق .
وعدت الثانية والثلاثين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة القيامة وقبل سورة المرسلات .
وآيها تسع بالاتفاق .
روي أنها نزلت في جماعة من المشركين كانوا أقاموا أنفسهم للمز المسلمين وسبهم واختلاق الأحدوثات السيئة عنهم . وسمي من هؤلاء المشركين : الوليد بن المغيرة المخزومي وأمية بن خلف وأبي بن خلف وجميل بن معمر بن بني جمح ( وهذا أسلم يوم الفتح وشهد حنينا ) والعاص بن وائل من بني سهم . وكلهم من سادة قريش . وسمي الأسود بن عبد يغوث والأخنس بن شريق الثقفيان من سادة ثقيف من أهل الطائف . وكل هؤلاء من أهل الثراء في الجاهلية والازدهار بثرائهم وسؤددهم . وجاءت آية السورة عامة فعم حكمها المسمين ومن كان على شاكلتهم من المشركين ولم تذكر أسماءهم .
أغراضها .
فغرض هذه السورة وعيد جماعة من المشركين جعلوا همز المسلمين ولمزهم ضربا من ضروب أذاهم طمعا في أن يلجئهم الملل من أصناف الأذى إلى الانصراف عن الإسلام والرجوع إلى الشرك .
( ويل لكل همزة لمزة [ 1 ] الذي جمع مالا وعدده [ 2 ] يحسب أن ماله أخلده [ 3 ] كلا ) كلمة " ويل له " دعاء على المجرور اسمه باللام بأن يناله الويل وهو سوء الحال كما تقدم غير مرة منها قوله تعالى ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ) في سورة البقرة .
والدعاء هنا مستعمل في الوعيد بالعقاب .
وكلمة ( كل ) تشعر بأن المهددين بهذا الوعيد جماعة وهم الذين اتخذوا همز المسلمين ولمزهم ديدنا لهم أولئك الذين تقدم ذكرهم في سبب نزول السورة .
وهمزة ولمزة بوزن فعلة صيغة تدل على كثرة صدور الفعل المصاغ منه . وأنه صار عادة لصاحبه كقولهم : ضحكة لكثير الضحك ولعنة لكثير اللعن . وأصلها : أن صيغة فعل بضم ففتح ترد للمبالغة في فاعل كما صرح به الرضي في شرح الكافية يقال : رجل حطم إذا كان قليل الرحمة للماشية أي والدواب .
ومنه قولهم : ختع ( بخاء معجمة ومثناة فوقية ) وهو الدليل الماهر بالدلالة على الطريق فإذا أريدت زيادة المبالغة في الوصف ألحق به الهاء كما ألحقت في : علامة ورحالة فيقولون : رجل حطمة وضحكة ومنه همزة وبتلك المبالغة الثانية يفيد أن ذلك تفاقم منه حتى صار له عادة قد ضري بها كما في الكشاف وقد قالوا : إن عيبة مساو لعيابة فمن الأمثلة ما سمع فيه الوصف بصيغتي فعل وفعلة نحو حطم وحطمة بدون هاء وبهاء ومن الأمثلة ما سمع فيه فعلة دون فعل نحو رجل ضحكة ومن الأمثلة ما سمع فيه فعل دون فعلة وذلك في الشتم مع حرف النداء يا غدر ويا فسق ويا خبث ويا لكع