صحب القاضي أبا الوليد الباجي بسرقسطة وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجاز له . ثم رحل إلى المشرق وحج ودخل بغداد والبصرة فتفقه عند أبي بكر الشاشي وأبي العباس الجرجاني وسمع بالبصرة من أبي علي التستري وسكن الشام مدة ودرس بها .
وكان إماما عالما عاملا زاهدا ورعا دينا متواضعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا منها باليسير . أخبرنا عنه القاضي الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري ووصفه بالعلم والفضل والزهد في الدنيا . والإقبال على ما يعنيه . وقال لي : سمعته يقول : إذا عرض الأمران أمر دنيا وأخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل الأمران الدنيا والأخرى . قال القاضي أبو بكر : وكان كثيرا ما ينشدنا محمد بن الوليد هذا : .
إن لله عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا .
فكروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا .
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا .
وتوفي الإمام الزاهد أبو بكر بالإسكندرية في شهر شعبان سنة عشرين وخمسمائة .
محمد بن أحمد بن رشد المالكي : قاضي الجماعة بقرطبة وصاحب الصلاة بالمسجد الجامع بها ؛ يكنى : أبا الوليد .
روى عن أبو جعفر أحمد بن رزق الفقيه وتفقه معه وعن أبي مروان بن سراج وأبي عبد الله محمد بن خيرة وأبي عبد الله محمد بن فرج وأبي علي الغساني . وأجاز له أبو العباس العذري ما رواه . وكان فقيها عالما حافظ للفقه مقدما فيه على جميع أهل عصره عارفا بالفتوى على مذهب مالك وأصحابه بصيرا بأقوالهم واتفاقهم واختلافهم نافذا في علم الفرائض والأصول من أهل الرياسة في العلم والبراعة والفهم مع الدين والفضل والوقار والحلم والسمت الحسن والهدى الصالح . سمعت الفقيه أبا مروان عبد الملك بن مسرة صاحبنا أكرمه الله ومكانه من العلم والفضل والثقة مكانه يقول : شاهدت شيخنا القاضي أبا الوليد C يصوم يوم الجمعة دائما في الحضر والسفر .
ومن تواليفه كتاب المقدمات لأوائل كتب المدونة . وكتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل ؛ واختصار المبسوطة ؛ واختصار مشكل الآثار للطحاوي إلى غير ذلك من تواليفه . سمعنا عليه بعضها وأجاز لنا سائرها وتقلد القضاء بقرطبة وسار فيه بأحسن سيرة وأقوم طريقة ثم استعفى عنه فأعفي ونشر كتبه وتواليفه ومسائله وتصانيفه . وكان الناس يلجؤون إليه ويعولون في مهماتهم عليه وكان حسن الخلق سهل اللقاء كثير النفع لخاصته وأصحابه جميل العشرة لهم حافظا لعهدهم كثيرا لبرهم .
وتوفي عفى الله عنه ليلة الأحد ودفن عشي يوم الأحد الحادي عشر من ذي القعدة سنة عشرين وخمس مائة . ودفن بمقبرة العباس وصلى عليه ابنه أبو القاسم وشهده جمع عظيم من الناس . وكان الثناء عليه حسنا جميلا ومولده في شوال سنة خمسين وأربع مائة .
محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون : من أهل أوريولة عمل مرسية ؛ يكنى : أبا بكر .
روى عن أبيه وعن الحسن طاهر بن مفوز وأبي علي حسين بن محمد الصدفي وأكثر عنه وعن جماعة سواهم . وكان معتنيا بالحديث منسوبا إلى فهمه عارفا بأسماء رجاله ونقلته وله استلحان على أبي عمر بن عبد البر في كتاب الصحابة له في سفرين وهو كتاب حسن حفيل ؛ وكتاب آخر أيضا في أوهام كتاب الصحابة المذكور وأصلح أيضا أوهام المعجم لابن نافع في جزء . كتب إلينا بإجازة ما جمعه ورواه وعني به . وتوفي C في سنة عشرين وخمس مائة . وقيل لي في سنة تسع عشرة قبلها وصلى عليه أبو محمد بن أبي عرجون قاضي مرسية .
محمد بن أحمد بن مطرف البكري : من أهل تطيلة ؛ يكنى : أبا عبد الله .
يروي عن أبي العباس أحمد بن أبي عمرو المقرئ وأبي الوليد الباجي وأبي علي بن مبشر والحضرمي وغيرهم . وكان مقرئا آخذ عنه بعض أصحابنا وتوفي بالمرية سنة إحدى وعشرين وخمسمائة .
محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم : من أهل طليطلة ؛ يكنى : أبا عامر . سكن قرطبة