/ صفحه 414/
وصفه:
وفي ظننا أن الأصمعي في شكله كان أقرب إلى أهل البادية منه إلى أهل الحضر، يرجح ذلك ما نعلمه عنه من أنه يكثر الخروج إليها، ويطيل الاقامة فيها، وربما استغرقت بعض رحلاته سنوات يحج في أثنائها، ويلتقي بالفصحاء في المواسم حتى اشتهراً بذلك اشتهار زاد فيه على لداته ومعاصريه من أهل صناعته، مما يجعلنا ـ من غير حرج ـ نقسم حياته إلى شطرين، إن لم يكن أوفاهما حظا، وأكثرهما أثرا في حياته هو ذلك الشطر الصحراوي، فهو بلا شك ذو أثر عظيم في جسمه وعقله وخلقه، ولا شك أن طبيعة الصحراء تسبغ على ابنها والعائش فيها والمكثر من التردد عليها لونا خاصا، ومزاجا خاصاً، وطبيعة في جملتها تشاكل طبيعة الصحراء في بساطتها، ولما كنا الآن بصدد وصفه الظاهر، فنحن نكتفي الآن هنا بذكر ما يؤدي إلى تقريب ذلك القدر مرجئين غيره إلى موضع آخر فنقول:
نشأ الأصمعي بالبصرة التي يعد موقعها الإقليمي من أعدل المواقع، فكان له بالطبع نصيب أبنائها من خواص طبائعهم وسماتهم، وشبّ على ذلك حتى ولّد الميل العلمي في نفسه حب هذه الرحلات، ورغب إليه الأسفار، فنهض بحاجات نفسه، وصار يشد رحاله في جد ونشاط، يركب متون الصحاري، ويضرب في بطون الأودية، متكبداً وعثاء السفر فيها، متقلبا في حرارها وكثبانها، وسهولها وحزونها، منسلكا بين هضابها وشعابها، يعايش وحشها وأهلها، ويصادف جنها وإنسها، ينزل في منتجعاتهم ويجاورهم في أخبيتهم وخيامهم، ويشاركهم في إقلالهم وفقرهم، ويسمع حداءهم وغناءهم وشعرهم ورجزهم، ويشاهد مراعيهم، وإبلهم وشاءهم، يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، وينشق أريج خزاماهم وشيحهم كما ينشقون.
وما زال على حاله تلك يعاودها وتعاوده حتى كان لها معه في النهاية ما كان من آثار مختلفة، فراح مشبها لأبناء الصحراء في سمرة ألوانهم وضوى أجسامهم وعادِهم وسماتهم، وإن شاب ذلك شئ من آثار الحضر.