/ صفحه 363/
لروح التشريع الإسلامي، وخبرة واسعة بأسراره ومقاصده، وإخلاصاً لله في القول والعمل.
وراعيت في ذلك كله مايجب لدين الله من التحفظ والتثبيت والاحتياط، وحسن النية وسلامة القصد، وماينبغي لنصوصه من التعظيم والتقديس، والبعد عن الشطط والمغالاة في التفسير والتأويل، والتحرر من سيطرة الجمود، والنتطع في الفهم والتخريج، وهمينة العصيبة المذهبية في تعرف الحق، والوقوف عند حدوده ومعالمه.
ونسألك يا ربنا نوراً يهدي عقولنا، ويقيناً يملاء قلوبنا، ومدداً روحياً يرشدنا إلى مسالك الحق ومواطن الصواب، ويكبح جماح تفكيرنا وأقلامنا.
فيك المعونة والتوفيق، ومنك الهداية إلى أقوم طريق، وعلى هذا نشرع فيما قصدنا، فنقول وبالله التوفيق.
الإنسان لم يُخلق في هذه الحياة عبثا، ليس لَخلقه حكمة ولا لوجوده غاية، ولا جاءت به العناية الإلهية إلى هذا العالم الأرضي، ليترك فيه سدى تتحكم فيه غرائز وأهواؤه، وتستعبده أطماعه وشهواته، ويغدر ويروح في حياته كما يشاء ويهوى، ثم يذهب الموت بأفراده وأجياله إلى فناء أبدي، فلا يبعث من قبره بعد موته، ولا يحاسب يوم القيامة على عمله، ولا يُجزى بالإحسان إحسانا، ولا بالسوء سواء، تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا، كما قال جل جلاله في سورة المؤمنون: ((أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون. فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرض الكريم)) 23: 115، 116، وفي سورة القيامة: ((أيحسب الإنسان أن يترك سدى)) 75: 36، فهذه الحياة الدنيا بأطوارها وأجيالها وخيرها وشرها، ليست كل ما للوجود الإنساني من حِكم وأسرار، وهذه الأجيال التي يطويها كرُّ الغداة ومرُّ العشيّ، ليست هي الغاية التي لأجلها خلق الله الإنسان، وهذا الموت الذي تنتهي به الأعمار والآجال، ليس نهاية أبدية يُترك الإنسان بعدها سُدى.