ـ(54)ـ
فالخلاف حول أوائل المقالات أو المعارف الكلامية يجري حول معارف إسلامية تبلور كثيراً من الحقائق، وتصقل العقول والإفهام، وتحدث باحتكاكها وميضاً يكشف سبل البحث وطرائق الاستدلال. تلك هي خلافات المذاهب الإسلاميّة الكلامية، وهي في باطنها تشير إلى الوحدة لا إلى الفرقة، وتنبئ عن الاجتماع لا عن التشتت.
فلم يكن الخلاف في وحدانية الله تعالى وشهادة أنّ محمداً رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ، ولا في أنّ القرآن نزل من عند الله العلي القدير وأنه معجزة النبي الكبرى، ولا في أنّه يروى بطريقٍ متواتر نقلته الأجيال الإسلاميّة كلها جيلاً بعد جيلٍ، ولا في أصول الفرائض: كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم، ولا في طريق أداء هذه التكاليف.
وبعبارةٍ عامةٍ: لم يكن الخلاف في ركنٍ من أركان الإسلام، ولا في أمرٍِ علم من الدين بالضرورة: كتحريم الخمر، والخنزير، وأكل الميتة، والقواعد العامة للميراث.
وإنّما الاختلاف في أمور لا تمس الأركان، ولا الأصول العامة.
إذن، الخلاف: خلاف فكري، والخلاف الفكري مقبول ما دام في دائرةٍ معقولةٍ، والمعارف الكلامية ميدان من ميادين التفكير للمسلم أنّ يجول فيه. والخلافات بين المذاهب الكلامية تدل على الحرية الفكرية، إنّ أحسن النظر إليها تسعد الأمة، وتكفل رقيها، وتبقى على سلامتها.
إنّ هذه الخلافات في جوهرها تنبئ عن معنى الوفاق، فهي ترتبط بأصلٍ واحدٍ وهو: الكتاب والسنة.
ومدارس الفكر المختلفة داخل الإسلام شيء طبيعي مرغوب فيه، ليس منه بد مادام الإسلام ديناً حياً لأحياءٍ لكي يزدادوا حياة، والإسلام نفسه شحنة هائلة من النشاط العقلي تأبى أنّ يتحول المسلمون إلى مجرد نسخ متطابقةٍ، تتكرر باستمرار وبلا اختلاف، من عقل واحد أياً كان هذا العقل؛ حتّى لا يهلك المسلمون من