ـ(68)ـ
إذن، نحن إنّما نحتاج أول ما نحتاج إلى الإعلان عن "حق الاختلاف" الذي هو حق من حقوق الإنسان إنّ لم يكن أبرزها، حتّى يكون اختلاف الآخر عن الآخر أمر لا جدال فيه، أي: حتّى يتم قبول كلّ فريق بالفريق الآخر، وكما هو في معتقده ومذهبه.
وما دمنا لم نصل إلى الوحدة بعدم اعترافنا بحق الغير فالأولى أنّ نعترف بذلك، فإن وحدة تحاول أنّ تستتبع الآخر، أو تلحقه، أو تقهره، وتستبد به لن تعمر طويلاً، إذ سرعان ما يتصدع بناؤها كذلك فإن الخطاب الذي لا يزيد عن تكرار أجوف لهوية فاقدة لمقوماتها لن يصنع وحدة قط.
هكذا ينبغي للجميع أنّ يكتبوا ببيان الاختلاف، معترفين ببعضهم، مقرين بأن الواحد هو شطر الآخر، وبأن العقائد والمذاهب هي وجوه لحقيقة واحدة، والاعتراف بحق الغير وبأن لـه حقيقته وقسطه من الوجود يتطلب ذهناً مفتوحاً وعقلاً نيراً (1).
ولا يخفى أننا إذا نجحنا ـ معتزلة وأشعرية، وإمامية، وحنابلة ـ في الإقرار بالاختلاف وأنه ضرورة من ضرورات الحياة استطعنا أنّ نبدأ في الطريق، وحسب الأمة أنّ تستثمر اللقاء على أصول الإسلام التي لا يكون المسلم مسلماً إلاّ بها، ثم نعي بعد ذلك دور العقل الإسلامي وانطلاقاته، وندرك في وضوح أنّ الخلاف والاختلاف ضرورة حياتية وحضارية، والأمة الإسلاميّة كانت ومازالت تملك رصيداً ضخما من الأصول والقواعد يمكن الأمة من تنمية فلسفتها الخاصة بها، والتي تجمع شملها وتوحد صفوفها. وقد أتم الله على الأمة وحدة الأصل الإنساني، ووحدة العقيدة، ووحدة المصدر، ووحدة الشعور، ووحدة الصف، ووحدة العبادات.
______________________________________________
1 ـ منبر الحوار، للأستاذ علي حرب عدد 12: 25 بتصرف.