الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

من عطاء فريضة الحج

من عطاء فريضة الحج
العبادات كلها تركز على ارتباط الإنسان بالمثل الأعلى المطلق الحق سبحانه، لذلك فهي توجّه الإنسان نحو حركة تكاملية غير محدودة، وتزيل من طريقه الآلهة المتعملقة التي تقطع عليه الطريق.
 
وفريضة الحج فيها من المنهج ما يشكّل مدرسة للتكريم وبالتالي إلى الحركة الحضارية، ومن ثم إلى التأدّب بآداب الاختلاف التي لا يُلقّاها الاّ ذو إحساس بالكرامة وبالشعور الحضاري. ونقف عند بعض معطيات الحج في صياغة الجماعة المتحضرة والإنسان المتحضّر.

1 ـ الارتباط بالمثل الأعلى الحق يحتاج إلى تعبير عملي وسلوك حسّي يعمق هذا الارتباط ويوجهه الوجهة الصحيحة المنسجمة مع سائر احتياجات الفرد والمجموعة البشرية.

العبادات عامة والحج، بما فيه من مناسك حسيّة، ينهض بدور هام في هذا المهمة.

فالحج وفود على الله، ومناسكه تلبية لنداء الله وطواف حول بيت الله وسعي ووقوف ورمي وتضحية في سبيل الله. ومناسكه تلبية لنداء الله. وتوثيق الارتباط بالله له الأثر الكبير في دفع المسيرة نحو الكمال المطلق وإزالة كل العوائق التي تقف بوجه المسيرة.

2 ـ العمل الفردي لا يمكن أن يتحول إلى عمل اجتماعي ذي آثار على المسيرة البشرية إلا  إذا تعدّى حدود عامله، أي أن يتجاوز الذات، ويدخل في حياة الآخرين.

والعبادات تربي الإنسان على تجاوز الذات، ومناسك الحج فيها العطاء التربوي الكثير في هذا المجال. القدوم إلى بيت الله الحرام من كل فج عميق، والتضحية بالمال وبذل ألوان الجهد كلها تنهض بدور تربية الإنسان على الإيثار وكسر الأنانية.

الأحاديث الشريفة التي تحذر من الرياء في أداء فريضة الحج ومناسكه، تؤكد على حقيقة تجاوز الذات في حركة الإنسان ونشاطه، وتربي الإنسان على العمل المساهم في دفع عجلة المسيرة التاريخية نحو كمالها المنشود.

3 ـ الحج تربية للامة على (الحركة) في طريق المطلق الحق. ولعل فريضة الحج أكثر فرائض الله احتفالا بالحركة من طواف وسعي وإفاضة. وهذه الحركة المستمرة إشعار للموحدين على أن الارتباط بالمطلق الحق لا ينفك عن الحركة في سبيله، وتأكيد على أن الخمود والجمود يعني الانحراف عن الطريق الذي أراده الله للأمة المسلمة.

4 ـ حركة المسلمين في إطار مناسك الحج تتميز بالجماعية والتنسيق وزوال الفوارق. وهي تجسِّد المسيرة الصحيحة نحو الإله الواحد الأحد. فهي مسيرة جماعية تتجه فيها المجموعة البشرية نحو هدفها التكاملي، وليست مسيرة هذا الفرد أو ذاك. كما أنها ليست بالمسيرة المبعثرة المتفرقة المتشعبة، بل منسّقة تتجه في كل منعطفات التاريخ اتجاهًا منسقًا موحدًا تزول معها الفوارق الطبقية والعنصرية.

جميع هذه المظاهر اللازمة للمسيرة البشرية على طريق الله نشهد مظاهرها في حركة الحجاج المجردين من كل مظاهر الزينة والتفاخر والموحّدين في الملبس والمتّجهين بنسق واحد في حركة الطواف والإفاضة.

5 ـ التحرك الواعي على طريق المسيرة. فالوعي والتفتح أو «استماع القول واتباع أحسنه» بالتعبير القرآني من صفات المسيرة المتجنبة للطاغوت، والمنيبة إلى الله.

هذه الصفة تتجسد في حركة الحجاج من خلال تأكيد الإسلام على عدم الوقوف عند الشكل الظاهر من الشعائر، بل تجاوز الظاهر للتوغل إلى عمق الشعائر.

6 ـ التحرك المثمر. وقد ذكرنا أن الحركة على طريق المطلق الحق مقرونة دومًا بالعطاء وعطاء الحج نموذج مصغّر لذلك.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن الإسلام ترك للامة المتحركة، بوعيها على متطلباتها الحياتية، أن تشخص المنافع التي تجنيها من موسم الحج، ولذلك جاءت كلمة (منافع) الحج في الآية بصيغة النكرة، لتؤكّد على مطلق المنافع التي تراها الأمة الواعية السائرة على خط الله مقومة لوجودها. ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ).

7 ـ الهدم والبناء عمليتان ترافقان كل حركة اجتماعية تكاملية.

حينما تكون الحركة على طريق الله، يتوازن الهدم والبناء فيها بشكل ينسجم وطبيعة واقع التحرك البشري، دونما إفراط في الهدم ووقوع في الفوضوية، ودونما إفراط في الاتجاه نحو البناء وإهمال عملية الهدم والوقوع بالتالي في عملية المراوحة خلف الحواجز والسدود.

رمي الجمار الكبرى والوسطى والصغرى مرات في مناسك الحج يرمز إلى جانب هام من جوانب حركة الإنسان المتمثل في صراعه لكل العوامل المضادة التي تقف في طريق حركته.

انطواء مسيرة الحج على تقديم الأضحية في سبيل الله يشعر أيضا بأن الروح السلمية الوادعة التي يحملها الحاج حين الإحرام حتى بالنسبة للبهائم وحشائش الأرض، ينبغي أن تقترن بروح التضحية لأن المسيرة التكاملية نحو الله تتطلب ذلك.

8 ـ المسيرة المتصلة، القرآن الكريم يفيض في شرح قصص الأنبياء والأمم السابقة ليخلص منها إلى نتيجة واحدة هي إن السنن الحاكمة على مسيرة التوحيد واحدة على مر التاريخ وهكذا السنن الحاكمة على خط الشرك واحدة أيضا لا تتغير.

هذه النتيجة توضح للأمة المسلمة أنها تسير على خط عريق تمتد جذوره الى أعماق التاريخ سار عليه الأنبياء والصالحون في التاريخ وهو خط له سننه الخاصة وقوانينه التي لا تتغير ولا تتبدل، ولا يخفي مالهذا الاستشعار من عطاء ثر يؤصّل إيمان الأمة المسلمة بطريقها ويفسح لها فرصة الاستفادة من تجارب الرهط الكريم الذي سبقها في موكب الإيمان.

إن الحج ينهض بدور هام في التأكيد الحسي على هذا الاتصال. فالأمة المسلمة تطوف حول نفس البيت الذي وضع قواعده إبراهيم وتسعى وتهرول على نفس طريق المرأة الصالحة هاجر، وتضحي استشعارًا لتضحية إسماعيل. وبذلك تنشد الامة المسلمة بمسيرة التوحيد التاريخية العريقة بكل ما تتطلبه المسيرة من صبر ومعاناة وتضحيات واستقامة ومواصلة.
نسأل الله سبحانه أن يوفق المسلمين المتجهين لأداء فريضة الحج من كل فج عميق أن يعوا دروس الحج وعطاءه فذلك وحده كاف لأن يعيد لأمتنا وحدتها وعزتها وكرامتها ولأن يرشدها نحو استئناف مسيرتها الحضارية.
 
 
محسن الأراكي
الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية