السيد ابن عقيل الحسيني الشافعي دوره في تركيز حب ال البيت (ع) و صيانة الوحدة الإسلامية

السيد ابن عقيل الحسيني الشافعي دوره في تركيز حب ال البيت (ع) و صيانة الوحدة الإسلامية

 

 

السيد ابن عقيل الحسيني الشافعي

دوره في تركيز حب ال البيت (ع) و صيانة الوحدة الإسلامية
(1279-1350هـ/1862-1931م)
 
 

محمد سعيد الطريحي 

  اكاديمية الكوفة - هولندا 

 

يعد السيد ابن عقيل احد أعلام الإسلام الذين بذلوا عمرهم الشريف في سبيل نشر ثقافة الوحدة و العمل الميداني الفاعل في ميدان التقريب بين المسلمين متخذا من اسلوبه العلمي في الاستنتاج و التحليل التاريخي منطلقا لبناء افكاره النيرة و تصوراته للاحداث و الوقائع التي مر بها تاريخنا الإسلامي , منطلقا لتوجيه افكاره الوحدوية الإسلامية , من خلال كشفه للعثرات التي اوجدها الاعلام المضلل و التاريخ المصطنع الذي أوجده الحكام الظلمة ليكون عقبة أمام الامة الواحدة , حيث استطاع أن يغني مكتبة التوحيد الإسلامي بأعمال رائدة كان لها الفضل في تنوير أذهان الاجيال الإسلامية التي استقبلت أفكاره و تتبعاته التاريخية بلهفة وشوق و بفضل ذلك اهتدت فئات من المؤمنين الذين كادت تزل بهم الاقدام لولا جهوده المباركة التي ركزها للهداية و التوحيد مدفوعا بغيرته و تفانيه من اجل الحق فاستحق بذلك ان يكون احد صوت الحق المجلجل من سنغافورة ومن الاعلام الرواد للوحدة الإسلامية و خاصة في جنوب شرق اسيا و المشرق العربي .                                فمن يكون هذا الرائد الخالد ؟
 
نسبه:
هو محمد بن عقيل بن عبد الله بن عمر بن أبي بكر بن عمر بن طه بن محمد بن شيخ بن أحمد بن يحيى بن حسن بن علي بن علوي بن محمد مولى الدويلة بن علي بن علوي بن محمد بن علي بن محمد صاحب مرباط بن علي بن علوي بن محمد علوي بن عبيد الله بن المهاجر أحمد بن عيسى بن محمد بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابن فاطمة الزهراء (عليهم السلام).
 
ولادته ونشأته:
ولد ضحى يوم الأربعاء ليومين بقيا من شعبان سنة 1279هـ ببلدة مسيلة آل شيخ قرب تريم من بلاد حضرموت وقد اعتنى والده بتعليمه وأحضر إلى المسيلة من يعلمه من علماء حضرموت فقرأ القرآن في بضعة شهور وتعلم الخط وقرأ النحو وبعض متون الفقه وبعض دواوين الشعر وجلُّ مقامات الحريري وكانت قراءته على والده وعمه محمد بن عبد الله وعلى السيد أبي بكر بن شهاب وغيرهم وكانت مخايل النجابة وجودة الفهم بادية عليه من صغره.
جاء في جريدة (حضرموت) الصادرة في جاوه (إندونيسيا): ’’كانت آثار النجابة ساطعة البرهان في محياه الوسيم وكان من صغره مجبولاً على حب أهل البيت الطاهر وبغض أعدائهم كيف لا وهو يمت إليهم بالنسبين حتى قيل إنه كان وهو في السابعة من سنيه ينظم الأراجيز في مدح الهاشميين ويتغنى بها مع الأولاد وكان جد ولوع في كتب التاريخ والتراجم لا يفوته منها شاردة ولا واردة ودرس النحو وأتقنه وقرأ كثيراً من الكتب والفنون على والده وعمه ومن أحضراه له من المشائخ وكان والده يحرضه على الاستقلال في الفكر لذلك نشأ مستقلاً غير مقلد وساعده على بلوغ مرامه أنه كان لأسلافه مكتبة حافلة في الكتب المخطوطة النفيسة وزادها حسناً أن الفقيد رَتَّبَ لها حسب ذوقه فهرساً لطيفاً وقد أعطاه بها بعض وجهاء مصر مبلغاً كبيراً من المال فلم يشأ بيعها لكنها مع الأسف تشتت أكثرها.
وقد توفي والده وهو ابن خمس عشرة سنة ومع صغر سنه قام مقام والده أحسن قيام ثم رحل وهو في السابعة عشرة من سنيه إلى سنغافورا والبلاد الجاوية فاشتغل هناك بالتجارة وأفلح‘‘.
قال السيد محسن الأمين: ’’ووصل إلى سنغافورة سنة 1296هـ واشتغل بالتجارة ليكون مستغنياً عن الناس فنجح في تجارته وحافظ على أوقاته فعمل جدولاً قَسَّمَ فيه أوقاته على أعماله وراحته وجعل حصته للمطالعة لا تقل عن ثلاث ساعات على الدوام وكلما وجد سعة في الوقت جعلها للمطالعة وكان يقول: ’’مواقيتك يواقيتك فحافظ عليها‘‘، وكان يقول: ’’أعظم عون لي في نجاح مقاصدي توزيع أوقاتي‘‘ ولم يكن يقبل مناصب الدول وأراده الملك حسين بن علي أن يكون ناظراً للمعارف بمكة المكرمة سنة 1340هـ فأبى سوى أنه رغب إلى حكومة سنغافورة إبان الحرب العظمى الأولى في تأسيس مجلس باسم مجلس الاستشارة الإسلامي فأجابته لذلك، وترأس هذا المجلس وغايته إجراء أحكام المسلمين كالمواريث وغيرها على وفق مذهبهم. وأسس في سنغافورة جمعية إسلامية ومجلة وجريدة عربيتين ومدرسة عربية دينية وحَجَّ البيت الحرام ثلاث مرات أقام في إحداها بالحجاز مع عائلته أكثر من ستة أشهر وسافر إلى الهند مراراً وسافر إلى اليابان والصين وإلى آخر بلاد روسيا ومنها إلى برلين ففرنسا وحضر بها المعرض العلمي والتجاري وتَعَرَّف بأكابر المستشرقين فيها ورأى في جهة من المعرض العلمي علماً لدولة إسلامية وتحته منبر للخطابة لم يصعد عليه أحد فصعد عليه واجتمع حوله علماء المستشرقين فألقى خطاباً نفيساً ذكر فيه السيرة النبوية ومحاسن الإسلام ولما نزل عن المنبر صافحوه ودعوه إلى حفلة أقاموها له في نزل كبير والتفوا حوله رجالاً ونساءً وسافر أيضاً إلى العراق وسورية ومصر مراراً. وكان قوي الحجة ثاب الفكر حاد الذهن شديد الفهم باحثاً محققاً نقاداً مطلعاً رأيته بدمشق وكانت بيني وبينه مكاتبة‘‘.
وجاء في مجلة العرفان: ’’ركن من أركان النهضة الإصلاحية، وعلم من أعلام الشريعة الإسلامية، وقطب من أقطاب السادة العلوية، عاش زهاء سبعين عاماً قضى جلها في العلم والعمل والدعوة إلى الحق والجهر بالصدق مع ما حباه الله به من خلق زاهر وأدب باهر وقلب طاهر.
زار هذا السيد الجليل البلاد السورية أو قل عَرَّجَ بها ولم يتسنّ لنا الاجتماع به آنئذ لكن حدثنا من اجتمع به عن علمه الغزير وأخلاقه الفاضلة التي ليس لها نظير.
واتصل بالعرفان في سنيه الأخيرة فكانت كُتُبه لنا مشكاة نستضيء بها ومرشداً نهتدي بحكمها ونصائحها وكنا ننشر بعضها في توقيع مستعار.
وقد أهدى العرفان من ثلاث سنين لسمو سيف الإسلام ولي عهد اليمن، وكان يكتب أحياناً في الصحف فكتب في المؤيد والمقطم والأهرام والمنار والعرفان. ولما زار إمام اليمن أكرم مثواه وحمله من الحديدة إلى صنعاء في طيارة وخصص له مكاناً خاصاً في جانب غرفته وأبقاه في كنفه شهرين كاملين‘‘.
وفي الأعلام: ’’رحالة، من بيت علم بحضرموت زار بعض بلاد الصين واليابان والهند والحجاز ومصر وأوربه والشام واليمن للتجارة وكان جل مُقامه في سنقفوره ولجأ بعائلته إلى الحديدة على أثر خلاف بينه وبين السلطان عمر القطيعي سلطان حضرموت .. وكان شديد التشيع .. وله مقالات في جريدة الفتح بتوقيع محمد الباقر اليمني‘‘.
ومن ذكريات رشيد رضا عنه: ’’كان رحمه الله تعالى قوي الجسم والعقل ذكي الذهن، زكي النفس، عالي الهمة، واسع الاطلاع على الكتب الإسلامية من شرعية وأدبية وتاريخية، مختبراً لأهل هذا الزمان، عارفاً بشؤون السياسة الدولية، وأحوال الشعوب الشرقية والغربية، فإن له عدة رحلات من بلاده حضرموت إلى جاوه والحجاز ومصر والهند والصين واليابان وأوربة الشرقية والغربية.
وكان قوي الذاكرة، حسن المذاكرة، ذا بديهة حاضرة، وعارضة ماضية، وعبارة سلسة في الكتابة، لا ركاكة فيها ولا براعة، ولا أعلم شيئاً عن حظه من الخطابة. وكنت أول عهدي بطلب العلم بطرابلس الشام أقرأ في المؤيد مقالات معزوة إلى الرحالة سيف الدين اليمني ثم علمت أنها له.
وأما أخلاقه فصف ما شئت من عزة نفس، وسخاء كف، وشجاعة وإقدام، وعفة وورع، ووفاء ومروءة، واهتمام بالمصالح العامة القومية والملية، ولولا أنه شغل بالتجارة لكان من أكبر زعماء الأمة العربية ودعاة الإصلاح الإسلامي فيها.
وكان كثير الزواج يجمع ما طاب له من النساء مثنى وثلاث ورباع، وكثير النسل والإنتاج، أخبرني سنة 1330هـ أن أولاده وأحفاده يزيدون على خمسين نسمة وهم متفرقون في بلاد مختلفة، وإنه لا يعرفهم كلهم بأشخاصهم، وإنه لا يعلم عدد من مات منهم، ولم يكن هذا بشاغل له عن أعماله التجارية، ولا عن أبحاثه العلمية والسياسية.
وقد نشأ على مذهب الشافعية تربية وتعليماً وعملاً، ولكنه كان مع ذلك مستقل الفكر في المسائل العلمية والدينية إلا فيما ملك وجدانه من شعور السيادة ولوازم عصبيته .
ولما ظهر المنار في أواخر سنة 1315هـ بدعوته الإصلاحية في الدين والاجتماع واللغة كان من السابقين إلى الاشتراك فيه ثم عني بنشره في سنغافورة وجاوه وسائر الجزائر الإندونيسية، واتصلت المودة والمكاتبة بيننا بقوة وحرارة، ثم فترت في السنوات الأخيرة لما سأذكره، وقد أنشأ في جاوه مع بعض الإخوان مطبعة ومجلة إسلامية سماها (الإمام) وكتب إليَّ أن الغرض منها نشر مقاصد المنار الإصلاحية بلغة البلاد الملاوية، وإن جل اعتماده فيها على ما يترجمه عنه.
وأول خلاف في الآراء وقع بيننا مسألة (لعن معاوية) وكان دعاة التشيع من العلويين قد أثاروها في جاوه أو إندونيسيا كلها واستفتيت فيها فأفتيت بعدم الجواز وبينت ما في هذا الشقاق من الضرر والتفرق بني المسلمين بدون مصلحة راجحة تقابله، وفيها ألف كتابه المشهور (النصائح الكافية) وعذر كل منا أخاه في اجتهاده.
ثم تفاقمت دعاية الرفض والغلو في آل البيت[1] وسلائلهم في تلك الجزائر فكان من زعمائها بالتبع لأستاذه السيد ابن شهاب، ولكنه لم يكن داعية لما وراء ذلك من الخرافات كعبادة الموتى من السادة وغيرهم من الصالحين بدعائهم والطواف بقبورهم، ولما كان الغلو والإفراط في طرفي كل أمر يثير الغلو في الطرف الآخر، ظهر في تلك الجزائر خصوم كثيرون للسادة العلويين وتفاقم الخلاف، واستشرى به الشقاق، وظهرت في أثناء ذلك جمعية عربية باسم (جمعية الإرشاد) غرضها إنشاء المدارس ونشر التعليم الديني والمدني الذي تقتضيه حالة العصر من الاستقلال وإحياء هداية الكتاب والسنة ومقاومة الخرافات الفاشية من طرق الابتداع في الدين وجر ذلك إلى إنكارهم على العلويين ترفعهم بأنسابهم على الناس بما يعد احتقاراً لعلمائهم وأهل الوجاهة منهم، وأفرط بعضهم في ذلك.
وقد طلبت مني جمعية الإرشاد مرة أن أختار لها بعض المعلمين لمدارسها من مصر فأجبتها إلى ذلك بما أمرنا الله تعالى به من التعاون على البر والتقوى، وإنما يقومان على أساس العلم، فكتب إليَّ السيد محمد بن عقيل عفا الله عنا وعنه كتاباً ينكر علي فيه مساعدة هذه الجمعية الضالة المضلة في زعمه بل وصفها بما هو أقبح من ذلك، ثم أذاع بعض العلويين أنني أنصر الإرشاديين عليهم، وهم مخطئون، فأنا لا أنصر إلا ما أعتقد أنه الحق ولو كنت أتبع الهوى لكان هواي مع العلويين لأنني منهم وأهل العمل الصحيح منهم يعلمون ذلك.
وقد علمت منه أنه ترك مذهب الشافعي لا إلى اتباع الدليل بل إلى تقليد مذهب العترة أو آل البيت (أي مذهب الزيدية) وأخبرني أنه حاول إقناع الملك حسين بنشر هذا المذهب في الحجاز والحكم به دون مذهب أبي حنفية الذي أجبرت دولة الترك شرفاء مكة على تقليده – فلم يقبل فغضب عليه، ولعل هذا سبب ما أرسله إلي من مكة وقتئذ في الطعن على الملك حسين، ووصف ظلمه واستبداده وقسوته في سجنه وغيره مما نشرته وقتئذ، واعتمدت عليه في الخطاب العام الذي وجهته إلى العالم الإسلامي في القيام عليه.
ثم سعى لدى شيخ الأزهر في مصر لتقرير تدريس هذا المذهب في الأزهر، فلم يقبل، وأنا لم أنكر عليه هذا السعي لأن مذهب الزيدية في الفقه كغيره من المذاهب الأربعة التي تدرس في الأزهر وقلما يخالف بعضها في حكم إلا ويكون موافقاً لآخر منها. وإنما كنت أعارضه قولاً وكتابة هذا الغلو في العلويين الذي تأباه حالة البشر الاجتماعية في هذا العصر الذي فشت فيه فكرة المساواة وما يسمونه (الديمقراطية).
وقد عرضت عليه وعلى غيره في تلك الأثناء رأياً لن يجد العلويون من الحضارمة ولا من غيرهم أمثل منه لإحياء مجد آل البيت النبوي وحمل جميع المسلمين على حفظ كرامتهم وإعلاء شأنهم وتفضيلهم على غيرهم بالطوع والاختيار وهو ما سأذكره في هذه النبذة:
اقتراحي على العلويين وشيعتهم
أنا أعتقد أن شر ما مني به الإسلام هو الخلاف والشقاق، وإن أضر أنواعه ما كان بين أهل السنة والشيعة، فلقد كان كل ضر دون ضره، وكل شر أهون من شره، ولا أستثني ردة المرتدين ولا قتال الكافرين، ولا ظلم المستبدين، وأعتقد أيضاً أن الغلو في أئمتنا آل البيت العلوي النبوي عليهم السلام كان أضر عليهم من كل ما أصيبوا به من البلاء والمحن، بل كان هو سبب أكثرها إنما أستثني عداء بني أمية لهم فهو عداء موروث من عهد الجاهلية أذكى ناره في قلوبهم بعد الإسلام حب الرياسة وعظمة الملك، ولذات الدنيا، واعتقادهم أن أولئك الأئمة أولى وأحق بالإمامة منهم، وإن الأمة لو تركت وشأنها فإنها تفضلهم عليهم.
وأعتقد أن شر ذلك الضرر على أكثر سلائل أولئك الأئمة الهادين المهديين هو ما حدث في أنفسهم من اعتقاد أن شرف النسب أعلى من شرف العلم والعمل لإعزاز الملة، ومصالح الأمة، وأنه يغني عنه فيما تحبه الطباع من كرامة الجاه ونعمة المال، فأعرض الأكثرون منهم عن الجد والاجتهاد في تحصيل العلوم والفنون، والجهاد في سبيل مصالح الأمة العامة، اكتفاء بشرف النسب الذي يجذب الرؤساء والحكام إلى تقبيل أيديهم، والأغنياء إلى بذل كثير من المال لهم، فصار جميع الذين فتنوا بهذا المظهر منهم عالة على الناس، ولقد حرم الشرع عليهم الصدقات تكريماً لهم فأحلوها لأنفسهم بهذه الفتنة، وتوهمهم أن تقبيل المتصدقين عليهم لأيديهم، ينافي كون تلك الصدقة من أوساخهم التي كرمهم الشرع بمنعهم منها.
حدثني صادق باشا أحد شرفاء مكة المشهورين قال إنني أردت أن أعلم أولادي في مدارس الدولة في الآستانة فبلغني رئيس كتاب السلطان عبد الحميد أن جلالة السلطان لا يرضيه ذلك لأنه لا يليق بأبناء الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) أن يزاحموا سائر طبقات الناس في المدارس توسلاً بها إلى الدنيا، وإن أكبر رجال الدنيا ليقبلون أناملهم تبركاً بهم وتقرباً إليهم. فأحضرت لهم معلماً يلقنهم الدروس في داري فبلغني (الباشكاتب) كراهة السلطان لذلك ومنعني منه. والسبب الباطن لهذا المنع أن السلطان كان يكره أن يوجد في أبناء هذه الأسرة المشهورة في الأشراف علماء يعرفون أصول الشرع وطبائع الأمم وسنن الاجتماع، لئلا تسمو هممهم بالعلم إلى قيادة الأمة التي تمكنهم من ناصية الملك.
فلما رأيت ما يبثه السيد محمد بن عقيل وشيخه السيد أبو بكر بن شهاب (عفا الله عنهما) من تجديد الغلو في إطراء العلويين والاحتجاج لهم في استعلائهم على الناس بأنسابهم، حتى بما يجدد التفريق بين المسلمين وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم من الطعن في بعض الصحابة وأئمة السنة – اعتقد أن هذه الدعاية ستأتي بضد ما يرومه دعاتها منها في هذا العصر الذي تغلغلت في شعوبه وأقوامه كلها نزعة المساواة التي يعبرون عنها في عرف هذا العصر بكلمة (الديمقراطية) وأنها ستهيج عليهم الناس وتحملهم على بغضهم والطعن فيهم وفي أنسابهم (وكان الأمر كذلك كما تقدم) ففكرت في تلافي هذا الشر قبل تفاقمه وتوجيه عصبية النسب إلى عمل لا يمكن إعلاء شأن أهل البيت النبوي وحمل المسلمين كافة على الاعتراف بفضلهم وشرفهم في هذا العصر بغيره فاهتديت لما أذكره هنا بمعنى ما كتبته يومئذ لعدم تمكني من مراجعته وربما كان هنا أوضح من ذاك.
اقترحت عليه السعي لإنشاء مدرسة جامعة خاصة بآل البيت يتخرج فيها الأخصائيون النابغون في جميع العلوم الدينية والدنيوية والفنون التي عليها مدار العمران في هذا العصر، فيكون منهم الذين ينفردون بعلوم القرآن ويكونون المرجع للأمة في تفسيره وبيان إعجازه وصراط هدايته المستقيم، وما أودع فيه من الحكمة وإصلاح البشر، ودفع الشبهات التي تحوم حوله، وسائر ما يعرض للناس في هذا العصر من ذلك.
ويكون منهم حفاظ الحديث وعلماء روايته ودرايته وتحرير كل ما يحتاج الباحثون إلى تحقيقه فيه من جرح وتعديل واستنباط لما قصر فيه المتقدمون من حكمه وأحكامه وسياسته وسائر ما يحتاج إليه أهل هذا العصر من هدايته.
ويكون منهم أئمة الفقه وأصول التشريع القادرون على بيان ما في الشريعة السمحة من أصول الإصلاح للبشر الذي تفضل به جميع القوانين الوضعية – وأساتذة علوم اللغة العربية وآدابها الناهضون بترقية التعليم والتصنيف فيها على المناهج التي ارتقت بها لغات الأمم الحية والمتقنون لجميع اللغات الراقية.         
ويكون منهم الأطباء في كل فرع من فروع الطب والمهندسون البارعون في كل نوع من أنواع الهندسة والفلكيون وعلماء الاقتصاد السياسي والماليون.
ونقول بالاختصار يجب أن يتخرج منهم في هذه الجامعة كل صنف من العلماء والعالمين الذين تحتاج إليهم الأمة الإسلامية فيما يجب أن تتوجه إليه في نهضتها التي تحيي بها مجد الإسلام وسيادته وإصلاحه للبشر ليتولوا ترقية التربية والتعليم والإرشاد والتهذيب في المدارس وتأليف الجمعيات الدينية، والعلمية والخيرية، والأحزاب الاجتماعية والسياسية والشركات المالية وغير ذلك، وحينئذ تعلم الأمة أن سلائل آل بيت نبيها هم سادتها وأئمتها وسفينة نجاتها مما سقطت فيه من الذل والجهل والتفرق والتمزق.
ويتوقف هذا المشروع على وضع نظام لجمع المال الكثير له من جميع أقطار الأرض بطريقة مأمونة موثوق بها يقتنع كل من وقف عليها بأن ما يدفعه سَيُصْرفُ في الغرض الذي جُبي لأجله.
بيد أن الملك فيصلاً أنشأ في بغداد مدرسة باسم (جامعة آل البيت) لم يتح لها من رجال العلم وأئمة الإصلاح من يعطيها حقها فقضي عليها في مهدها‘‘.
 
مؤلفاته:
 1- العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل وقد طبع غير مرة وفي تقريظه يقول الشيخ محمد جواد البلاغي:
يا قارِئَ العَتْبِ الجَميـلِ          قُلْ هَلْ لِعُـذْرٍ مِنْ سَبيـلِ
عَتْـبٌ جَميـلٌ آيـةٌ                            تُنْبيكَ عنْ شَـأْنِ النُّـزولِ
وتُريكَ ما فَعَلَ الـهَوى في                      الـمَيْلِ عَنْ آلِ الرَّسولِ
عِدْلُ الكِتابِ مَدى المدى سُفُنُ النَّجاةِ هُدى السَّبيـلِ
حتّـى كَـأَنَّ وِلاءَنـا                           لَهُمُ مِـنَ الـوِزْرِ الثَّقيـلِ
يا وارِثَ الشَّرَفِ القَديـ          ـمِ ويا فَتى المَجْدِ الأثيـلِ
أحْسَنْتَ بالعَتْبِ الجَميـ                 ـلِ وقَوْلَةِ الفَصْلِ الجَليـلِ
وفَتَحْتَ فـي أبْـوابِـهِ           بابَ الهُدى لِذَوِي العُقـولِ
ونَظَمْتَ فـي إعْجـازِهِ          دُرَرَ الدِّلالَـةِ والدَّليــلِ
فَلْتَهْنَ بالأجْـرِ العَظيـ                 ـمِ وواجِبِ الشُّكْرِ الجَزيلِ
وفَضائِلٌ لَكَ في العُلـى              والعِلْـمِ والبـاعِ الطَّويـلِ
فَاسْلَـمْ ودُمْ مُتَمَتِّعـاً                  بالفَضْلِ والشَّرَفِ الأصيـلِ
عَلَمُ الهُدى غَيْثُ النَّدى              غَـوْثُ العُفاةِ حِمى النَّزيلِ
أُهْدي سَلامـاً دائِمـاً                  لَكَ في الغَداةِ وفي الأصيـلِ
ولِقَوْمِكَ الغُـرِّ الـهُداةِ           بنـِي عَلـيٍّ والبَتــولِ
 
 3- فصل الحاكم في النـزاع والتخاصم.
3- تقوية الإيمان.
 4- كتبه ومراسلاته.
5- أحاديث المختار في معالي الكرَّار (ذكره في العتب الجميل).
 6- ثمرات المطالعة، قال في الأعيان: ’’ثمرات المطالعة أشار إليه في العتب الجميل بلغ عدد صفحاته أربعة آلاف صفحة وقيل ثمانية آلاف بقطع النصف وذلك أنه كان كثير المطالعة وله ولع عظيم بها بقي عدة أعوام يطالع في كل ليلة مائة وخمسين صفحة فكان إذا أراد مطالعة كتاب وضع مذكرته وقلمه ودواته بجانبه وشرع في المطالعة وعند الانتهاء من مطالعة ذلك اليوم يكتب على المحل الذي وقف عليه تاريخ اليوم والشهر والسنة فإذا رأى في الكتاب غلطاً كتب على هامشه: الظاهر كذا. وإذا مَرَّت به فائدة أو اعتراض على صاحب الكتاب أو من نقل عنه كتب ذلك في مذكراته فاجتمع عنده جملة وافرة من هذه المذكرات فجمعها في كتاب وسماه ثمرات المطالعة وقد رأيت منه كراريس حينما كان يطبع بمصر ثم لم أقف له على خبر ولا أدري أتمَّ طبعه أم لا‘‘.
7- النصائح الكافية لمن يتولى معاوية.
ويعتبر أهم كتبه وقد جاء فيه بأبحاث جليلة ونبّه فيه إلى حقائق دامغة كانت غائبة لدى كثير من الناس، وجاء في آخره تقريض لأستاذه العلامة السيد أبي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين العلوي وفيه ما يلي: ’’بسم الله جل جلاله وله الحمد والصلاة والسلام على أكرم رسولٍ وأشرف عبدٍ وعلى آله وأصحابه من بعد (إليك أيها الناظر) رسالة ناطقة بالصدق صادعة بالحق مستمدة من كتاب الله وحديث رسوله حاكمة على المدلول من صريح دليله ناظرة في الأدلة نظر البصير الناقد قاطعة حبال التقليد الأعمى والتأويل الفاسد مرضية لأرباب التقوى مغضبة لأصحاب الأهواء متجافية عن المغالطة والتعصب منـزهة عن المداهنة والتذبذب معلنة فواقر الفئة الباغية كاشفة جرائر الطاغية معاوية مميزة للخبيث من الطيّب فارقة بين المشرّق والمغرّب تظافر المحقّقون على تصديقها وتبادر المنصفون إلى ارتشاف رحيقها:
يقولون لي صفها فأنت بوصفها              خبير نعم عندي بأوصافهـا علـم
رشاد ولا غي وصبح ولا دجىً                 وصدق ولا إفـك وبـرٌّ ولا إثـم
هي العلم قال الله قال رسولـه                  هي الحق والإنصاف والفصل والحكم
كيف لا وجامعها فرع الدوحة النبوية وعرابة راية العصابة العلوية أخونا الماجد الفضيل السيّد محمد بن عقيل أعلى الله كعبه ونصر حزبه وأجزل على صنيعه أجره ورفع بين الصالحين ذكره وقدره وصلى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتبه العبد العاجز أبو بكر بن عبد الرحمن
بن شهاب الدين العلوي الحسيني
عفى الله عنه
آمين
 
وفيه أيضاً تقريض آخر للعلامة الشيخ صالح بن علي بن ناصر بن جابر اليافعي. وفي العرض الذي كتبه محمد رشيد رضا أشار إلى (الضجة العظيمة) التي أحدثها طبع الكتاب وذكر بعض من ردّ عليه وأشار إلى رأيه الخاص فيه فمما قاله: ’’أما السيد محمد بن عقيل فهو رجل سني من حزب المصلحين حسن النية وقد كان كتب إلي بعزمه على تأليف كتاب يجمع فيه ما ورد في كتب المحدثين والمؤرخين من جرح معاوية بن أبي سفيان وتخطئته في خروجه على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وما تبع ذلك من الفتن والسيئات، وكان الذي وجَّهَ عزمه إلى ذلك خلاف وقع في مسألة جواز لعن معاوية وعدم جوازه، واستفتيت يومئذ في الواقعة وأفتيت بعدم اللعن، فكتب إلي هذا الصديق أنه مخالف لي في هذه الفتوى وأنه سيبين حجته في هذا الكتاب الذي توجه إلى تأليفه، فكتبت إليه يومئذ بأنه لا ضير في مخالفته إياي ولكنني أرى أن يترك وضع هذا الكتاب لما يترتب عليه إذا وضع بهذا السبب وبعد هذا الخلاف من القيل والقال واتباع الهوى في التفرق والخلاف، فلم يقتنع بصحة رأيي، وقد ظهر له صدقه بعد ذلك ولكنه لا يزال يرى أن نفع الكتاب أرجح من ضرر ما كان من الخلاف.
 
الرقية الشافية:
كان أول من غلا في التشنيع على كتاب (النصائح الكافية) رجل من العلويين اسمه السيد حسن بن شهاب يظهر لي أنه كان يحسد السيد محمد بن عقيل على ما آتاه الله من المكانة العلمية الأدبية في قومهم (الحضارمة) وغير قومهم في مهاجرهم (سنغافوره) وغيرها فأراد وقد سنحت له الفرصة أن يرفع من قدر نفسه ويضع من قدر محسوده، فألف رسالة سماها (الرقية الشافية من نفثات سموم النصائح الكافية) وصادر يكتب إلى من يعرف من علماء الأقطار يستنجدهم بحماسة وشدة للرد على هذا الكتاب وقد كتب إلي بإمضائه وغير إمضائه في ذلك.
كان من رأيي وأنا شديد الحرص على التأليف بين المسلمين شديد النفور من الخلاف والتفرق أن لا أقرأ كتاب (النصائح الكافية) حتى لا أحكم له ولا عليه فلم أنجد ابن شهاب وحزبه فيما استنجدوني فيه فاتخذوني عدواً لأجل ذلك وما زال أهل الأهواء يحدثون العداوة بين المسلمين بمعاداة من لا يتبع أهواءهم ولا يعدل آراءهم.
وقد رد على كتاب الرقية الشيخ أبو بكر بن شهاب المدرس بمدرسة دار العلوم بحيدر آباد الدكن وهو أشهر علماء الحضارمة في هذا العصر بكتاب سماه (وجوب الحمية عن مضار الرقية)‘‘.
 
نقد النصائح الكافية:
كتب الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي رسالة سماها (نقد النصائح الكافية) انتقد بها النصائح معتصماً بحبوة الأدب متحلياً بحلية الثناء على المؤلف والاعتراف بفضله، وكان الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر. ويشير إلى قبر النبي (صلى الله عليه واله وسلم).
وقد كتب رشيد رضا في تقريضه ما يلي: ’’قسم القاسمي نقده إلى مقدمة و14 مبحثاً وخاتمة أكثرها في مسائل علمية في أصول الفقه وأصول الحديث والمناظرة والأحكام التي تتعلق بموضوع الكتاب ككون التفسيق والتضليل لا يكون إلا بمجمع عليه. وكون أخوة الإيمان لا ترتفع بالمعاصي، ومنها ما يتعلق بمعاوية خاصة ككون الوقيعة فيه تستلزم رفض مرويه ومروي من أقام معه من الصحب (وهذا غير مسلم على إطلاقه) وكونه بلغ رتبة الاجتهاد (وما كل مجتهد يعمل دائماً بما أداه اجتهاده إلى كونه هو الحق وإلا لزم أن يكون كل مجتهد معصوماً من المعصية عامداً عالماً).
ومن مباحثه أن من عدل المؤلف إذا ذكر لأحد ما عليه أن يشفعه بماله. أي والعكس، ولا نزاع في هذا إذا أريد بالمؤلف المؤرخ والمحدث الذي يحكم بالجرح والتعديل ويريد أن يبين حال من يترجمه لمن يقرأ كتابه. وقد يكون لبعض المؤلفين غرض من ذكر ما للمرء فقط أو ما عليه فقط كتحقيق مسألة معينة أو العبرة ببعض الخطآت والخطيئات، أو التأسي ببضع المناقب والحسنات، وقد جمع الناقد أحسن ما قيل في معاوية من الحقائق ومن الشعريات ولم يذكر في مقابلتها ما عليه، وما نكب به الإسلام والمسلمون على يديه، فإن كان غرضه من هذا البحث أن ابن عقيل قد قصر إذ ترك أحد الشقين فهذا مشترك الإلزام لأنه هو قد قصر أيضاً بترك الشق الآخر. والصواب أن كل واحد منهما قد ذكر ما يرمي إلى غرضه.
وجملة القول أن كل واحد من الكاتبين في هذه المسالة وغيرها يؤخذ من كلامه ويترك، ويقبل منه ويرفض‘‘.
 
وفاته:
في العرفان توفي ظهر الخميس في المكلا، وفي الأعيان توفي صباح الثلاثاء 13 ربيع الأول سنة 1350هـ في الحديدة وشيع نعشه رجال الدولة والأهلون عن بكرة أبيهم ومشت العساكر اليمانية خلفه منكسة السلاح وعطلت المحاكم اليمنية ثلاثة أيام حداداً عليه وجاءت برقيات التعزية لنجله السيد علي من الإمام يحيى وولي العهد سيف الإسلام أحمد وأخيه سيف الإسلام محمد، وهذا نصّ برقية الإمام يحيى: ’’بسم الله الرحمن الرحيم من الإمام إلى الولد علي بن محمد بن عقيل حرسه الله لقد عظم المصاب بوفاة الأخ العلامة محمد بن عقيل رحمه الله وعمَّ بها التأسف والكدر، ولكن هذا حال الدنيا فبالله ثقوا، وإياه فأرجو، فالمصاب من حرم الثواب، والمسؤول من الله لكم حسن الصبر، ووفور الأجر، وللراحل الكريم الغفران، والفوز بمجاورة الأبرار في غرف الجنان والسلام عليكم‘‘.
وكان ولده السيد علي قد كتب نعياً إلى معارفه جاء فيه: ’’السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) فننعى إليكم بمزيد الشجن، وعظيم الحزن، والدنا الجليل، العلامة فقيد العلم والإسلام، مولانا البركة السيد محمد بن عقيل بن يحيى. توفي رحمه الله في الساعة الثالثة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 13 ربيع الأول على أثر حمى لزمته نيفاً و3 أسابيع.
وقبل التحاقه بالرفيق الأعلى بيومين أكثر من الصلاة مع ضعفه المتناهي حتى خارت قواه، ولفظ النفس الأخير، ولقد عظم المصاب علينا بموته، وانفرطت لهوله أفئدتنا حزناً وسجناً رحمه الله، ولكن ماذا عسى أن نقول إلا ما يرضي الرب سبحانه وتعالى. إنا لله وإنا إليه راجعون. فعظم الله أجورنا جميعاً وعزاء الإسلام وأهله، والعلم وطلابه في فقيدنا الجليل. ومما يخفف الشيء الكثير من حزننا مشاطرة الحكومة المتوكلية اليمانية في مصابنا، فقد شيعت الفقيد مئات الجيوش منكسة أسلحتها كما شيعه رجال الدولة والأهلون عن بكرة أبيهم، فنشكرهم إليكم جد الشكر، ونسأل الله أن يتغشى راحلنا الكريم بالمغفرة والرضوان، وأن لا يريكم مكروهاً قط والسلام.
الحديدة 14 ربيع الأول سنة 1350               الحزين                              الباكي
                                                      عبد الله بن يحيى                  علي بن محمد بن عقيل
 
وقد قال السيد محسن الأمين يرثيه من قصيدة:
سالت دمـوع العيـن كل مسيل    حزناً لرزء محمـد بن عقيـل
رزء بـدا فيـه الزمـان بمقلــة               مكفوفـة وبساعد مشلـول
رزء بـه فجـع النبـي محمــد                  والبضعة الزهـراء خير بتـول
والمرتضى وبنـوه كلهـم فهـم                ’’من سائل باك ومن مسؤول‘‘ 
رزء له تبكـي علـوم محمــد                   وشرائع التحريـم والتحليـل
نبأ من (اليمن) استطـار فزلـزلت   منه البلاد وقيل دونك زولـي
نبـأ لـه اهتـز الحجـاز وبابـل         وربى الشام وأرض وادي النيل
وأصاب أقصى حضرموت بفجعـة           تركت بنيـه برنـة وعويـل
وصداه عَـمَّ الهند مـن أطرافهـا والمغرب الأقصى وكل قبيـل
بمحمد جلّ المصاب ولـم يكـن    رزء الجليل الفـذ غير جليـل
أرض (الحديدة) قد سعدت بنـازل            لـم تسمح الدنيا لـه بمثيـل
أين اللسـان العضب إن جردتـه   يمضي مضاء الصارم المصقـول
أين الـمقال الفصل لا يبقـى بـه   عند الجدال لقائـل من قيـل
أين اليراع إذا جـرى كشفت بـه    شبهات كل مـموه ضليـل
كم قد نصرت الحـق إذ لا ناصـر   وأقمت أوضح حجـة ودليل
ورددت خصمك ناكصاً متحيـراً بدلائـل المعقـول والمنقـول
وإذا بدا ليل الشكـوك بدت بـه   آراؤك الغـراء كالقنـديـل
وإذا الفحـول إلى لقاك تواثبـت تلفي فحول القوم غير فحـول
كم موقف لك في الجدال غدت به الـ      ـأبطال بين مـجدل وقتيـل
نظروا إليك وقد بـهرت عقولهـم            بنواظر عنـد التخاصم حـول
كادوك فيما لفقـوا من إفكهـم فتركت كيد القـوم في تضليل
وتركت ما قد لفقـوه وموهـوا   يذرى كعصف يابس مأكـول
ورميتهم بحجارة من قـولك الـ   ـمعروف لا بحجارة السجيل
ونبا سلاح الحـق فـي أيديهـم      فتدرعوا بالسب والتنكيـل
وكذا سلاح العاجزيـن سبابـهم    بئس السلاح لعاجز مخـذول
جردت سيف الحق أبيض ماضيـاً وسطوا بسيف للضلال كليل
صالوا وصلت لدى الخصام فلم تدع         عند التخاصم صولة لصؤول
لـما تسابقتم سبقـت وقصـروا      وامتاز فاضلكم من المفضول
وعمدت للبرهـان يشرق وجهـه   نوراً وقد عمدوا إلى التدجيل
إن (النصائح) منك (كافية) غدت           بسماعها إن قوبلت بقبـول
أظهرت (بالعتب الجميل) وما حوى         هفوات أهل الجرح والتعديل
عاتبتهـم عتبـاً جميـلاً للـذي                      ما كـان فيه فعلهم بجميـل
ونهجت نهجاً للهدى وأبنت عـن                   غرر لـه مشهورة وحجـول
ولقد ورثت من النبـي محمــد              خلقاً كزهر الروضة المطلـول
ونشرت بين الخلق علماً زاهـراً              ما كان بالمكذوب والمنحـول
فاذهب كما ذهب الغمام له الثنا                       من كل حزن في الثرى وسهول
في كل جيل منك ذكـر خالـد            يرويـه جيل غابر عن جيـل
يا قبره كم فيك غُيِّبَ من نـدى             غمر ومجد في التـراب أثيـل
يا قبره كم فيك غُيِّبَ من شبـا                عزم ورأي في الأمـور أصيل
 
 
الـمصـادر
 (1) شعراء الغري: 2/456. (2) مجلة المنار: ج1، م32، ص80. ج3، ص238-240. ج4، م32، ص315-316. (3) مجلة العرفان: ج4، م22 (1931م)، ص535-537. (4) أعيان الشيعة: 9/399-400، 45/309. (5) النصائح الكافية: طبع على الحجر في بومباي، مطبعة مظفري 1326هـ. (6) الأعلام: 6/269-270. (7) مجلة الرابطة: الصادرة في بتافيا، 4/81. (8) تحفة الإخوان: 124. (9) مجلة الفتح: الصادرة في 29 ربيع الأول 1350هـ.


[1]- بدا (رشيد رضا) في مستهل حياته الفكرية محباً لآل البيت (ع) معتزّاً بنسبته إليهم كما كان يزعم وفي أوائل المقالات التي نشرها في مناره طائفة من الحث على الوحدة بين السنة والشيعة، ثم ما أن تمكـّـنت صلته بالوهابية حتى أصبح متشدداً طائفياً في خطابه كما يظهر من كلامه هنا.