مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
القرآن العظيم ودوره في توحيد الأمة الإسلامية المبحث: القرآنُ مصدرُ وَحْدَتِنا وجُمَّاعُ عِزَّتِنا
۱۳۹۷/۰۹/۲۸ ۰۸:۴۲ 448
القرآن العظيم ودوره في توحيد الأمة الإسلامية المبحث: القرآنُ مصدرُ وَحْدَتِنا وجُمَّاعُ عِزَّتِنا

 

 

القرآن العظيم ودوره في توحيد الأمة الإسلامية

 

تاج الدين الهلالي

 

المبحث: القرآنُ مصدرُ وَحْدَتِنا وجُمَّاعُ عِزَّتِنا

 

مقدمة وتمهيد

الحمد لله الذي جعلنا من أهل الإيمان، وشرفنا بالنبي العدنان، وأكرمنا بالقرآن فيه الهداية والصلاح والتبيان. وصلى الله وسلم وبارك على من بعثه الله رحمة لجميع بني الإنسان وآله الأطهار صنو القرآن والثقل الثاني للكتاب والنجاة من الزيغ والخسران وعلى صحبه الأبرار الذين حملوا لواء الحق في كل زمان ومكان فسادوا وقادوا بالحجة والبرهان.

((وبعد))

فيا أمةً: لها دين عظيم، ورب كريم، ودستور حكيم ونبي بالمؤمنين رؤوف رحيم شرفها الله تعالى بمنهج قويم وسراط لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وصفه من أنزله سبحانه وتعالى بأنه:

1-       روح الأمة ومصدر حياتها:) وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا( (52 الشورى).

2-       مصدر ذكرها وشرفها: :) لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ( (10 الأنبياء).

3-       مصدر الهداية والنور: ) إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم( (9 الإسراء).

) كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ( (1 إبراهيم).

يا أمةَ المُنزِّل نور) اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ( (35 النور) والمنَّزل نور: )فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا( (8 التغابن) والمنزَّل عليه نور: ) قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ( (15 المائدة) أمة ربنا نور، وكتابها نور، ورسولها نور. فما بالها تتخبط في تيه من الظلمات؟؟

إن المنادي صائح، والفجر لائح، والطرق واضح، والحال فاضح.

أن يا أمة القرآن: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ هذا كتاب الله تعالى هو سِرُّ حياتكم وذكركم وعزتكم وهدايتكم فلا تكونوا:

كالعيس في البيداء تقتلها الظما                  والماء فوق ظهورها محمول

كتابكم فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.

ولا خلاص لهذه الأمة من حالة الهوان والغثائية والركامية التي تعيشها إلا أن تسترد وزنها وثقلها بالعودة والرجوع إلى [الثقلين] والصنوين والتوأمين اللذين لن يتفرقا حتى يردا الحوض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "كتاب الله وعترتي" بفهم قرآني وهدي محمدي متجرد من الإفراط والتفريط.

هذا ما نحاول إظهاره وتبيانه في هذا المبحث المتواضع بجهد المُقل.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

 

القرآن بين التطبيق والتوثيق

هل أتاكم نبأُ عائلة مكوَّنة من مجموعة من الأفراد لهم أب كريم يسهر على راحتهم ويشقى من أجل سعادتهم ولمَّا خرج الأب في سفرٍ من الأسفار وقد يطول وقد يقصر وتأميناً لمُستقبلهم ومسار حياتهم وتدبير معاشهم: قام بتحرير كتاب كنصيحة شاملة كاملة بين لهم مقدار ثروته وما يملكه من أموال وعقارات وما له من حقوق لدى الآخرين ونصيب كل واحد منهم في هذه الأموال التي تغنيهم مدى الحياة ثم أرسل إلى أبنائه هذا الكتاب وطالبهم بافتتاحه وقراءته وتنفيذ ما فيه. فما كان من أمر هؤلاء الأبناء بعد أن وصلهم كتاب والدهم إلا أن فرحوا به فقبَّلوه وطيبوه وعلى رأسهم وضعوه ثم قاموا بتغليفه ووضعه في إطار ثمين من خشب الأبانوس وعلقوه على جدار منزلهم.

ومرت الأيام وانقضت الأعوام فحّلَّت بالعائلة ضائقة مالية وظروف اجتماعية لم تسنح لهم بإكمال دراساتهم ولا بالإنفاق على شئون معيشتهم.

وقصد الأبناء أبواب القريب والغريب يتسولون الصدقات وينامون في الطرقات فَفَسَدَ منهم من فَسَد ومنهم من انحرف إلا من رحم ربك.

ولما عاد رب العائلة من غربته وتفقد أفراد عائلته وجمعهم ليسألهم لماذا آل حالهم إلى هذا الحال. ألم أُرسل إليكم ((كتاباً)) أوضحت لكم فيه طريق حياتكم وما يحفظ عليكم كرامتكم وسعادتكم – أين الكتاب؟ فقالوا نحن وثقناه وحفظناه في أغلى مُغلَّف وأثمن إطار. وحفاظاً عليه علقناه على جدار منزلنا.

فقال الأب: تعساً لكم إنني ما أرسلت إليكم هذا الكتاب لتغلفوه أو توثقوه أو تعلقوه. وإنما أرسلته لكم لتطبقوا ما فيه أما لو فعلتم لما أصابكم ما أصابكم.

بهذا المثال يتضح الحال:

حيث نرى أمة الإسلام: قد نجحت وأبدعت وتفنَّنت في ميدان (التوثيق) لكتاب ربها فتمكنت من طباعته وتدوينه مطبوعاً في مصاحف متنوعة الأحجام والأشكال والخطوط ونشره عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة (كاسيت وCD واسطوانات ومواقع… الخ) وخصَّصت له إذاعات وقنوات ترتله وتتلوه آناء الليل وأطراف النهار. نعم قد أحرزت السبق في توثيقه على السطور وعنيت بحفظه وإتقانه حيث يحفظه الملايين داخل الصدور.

نجاح كامل في ميدان الحفظ والتوثيق. مع أن الجانب الحفظي التوثيقي مَهَمَّة إلهية وعناية ربانيِّة تكفَّل الله سبحانه وتعالى بها: بقوله تعالى "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (9 الحجر) "إن علينا جمعه وقرآنه" (17 القيامة).

إذ أن المولى سبحانه قد يُسخِّر المسلمَ وغير المسلم لمهمة الحفظ والتوثيق لكلمات كتاب الله. إذ نرى وسائل التوثيق طباعة وسماعاً صناعة غربية فجانب التوثيق إجباري يُسَخِّرُ الله له من آمن بالقرآن ومن لم يؤمن به. ولكن الله تعالى يطالب أمة القرآن بأن تتعبد الله في الجانب (التكليفي – التطبيقي) ليكون كتاب الله منهج حياتهم وسراط طريقهم ولكنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير فطفقوا يتسولون أبواب الشرق والغرب بحثاُ عن حل لمشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية فأضحوا:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما                  والماء فوق ظهورها محمولُ

وها نحن نرى المسلمين يعيشون بَوْناً شاسعاً وهوة سحيقة فقد اتخذوا القرآن مهجوراً في شتى مناحي الحياة. فلا نجد لأحكام القرآن حضوراً في دنيا حركة الحياة. فالقرآن له حضوره في وسائل إعلامهم. ويستفتحون به حفلاتهم ومؤتمراتهم ويقرأونه على سبيل الرحمة لأمواتهم ويعلقونه للتبارك داخل سياراتهم ومكاتبهم وبيوتهم.

فإذا ما تأملنا ميادين الحياة الحاكمية والتشريعية قد لا نجد مُطَبَّقاً إلا آيات المواريث والأحوال المدنية وبخاصة قوله تعالى: الطلاق مَرَّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

وحرمت الأمة من عطاءات (الروح – الهدي – الذكر – النور – الحق) ومردّ ذلك إلى العناية والنجاح في ميدان [التوثيق] والإخفاق في ميدان [التطبيق].

 

سبيلُنا للعودة إلى ميدان التطبيق

بعد أن أوضحنا نجاح الأمة الإسلامية في الميدان التوثيقي وإخفاقها في الميدان (التطبيقي) التكليفي.

فما هو السبيل الأقوم والمنج الأسلم الذي يُعين المسلمين على العودة إلى دوحة قرآنهم ودستور حياتهم؟؟

أضع معالمَ علمية عملية بعيداً عن الفكر المألوف، والإرث المعكوف.

أولها: رفع الحجْر عن العقل الإسلامي المعتقل في زنزانات الموروثات بفهم واقعي حاضر معاصر فيما يُسَوَّغ فيه الخلاف وتكتنفه المعاني والأفهام، وأن نُحسن الانتقاء والاستفادة من إدراكات ومفاهيم الأقْدمين من سلفنا الصالح رضوان الله عليهم بما يتواءم مع واقعنا الحياتي والمصلحي.

ثانياً: تنقية كتب التفسير من المغاليط الإسرائيلية والتفسيرات الباطنية التي تُصادم النقلَ بالنقل ولا تتفق مع سلامة العقل.

ثالثاً: تعميق الآراء والمفاهيم القرآنيَّة لآل البيت (ع) فيما يُعتبر إثراء للفقه الإسلامي القرآني باعتبار أنهم أحد الثقليْن والصنويْن اللذين لا يفترقان حتى يرد الحوض على رسول الله e كما أفادت الأحاديث الصحيحة وبخاصة رُؤاهم في مسائل [الطلاق البدعي – والإشهاد على الطلاق، وميراث البنت والأخت (الصلبيتين) عند انعدام الفرع الوارث] وغيرها من المسائل الفقهية المرنة التي توفر مُناخ التلاقح الفكري بين فقهاء وعلماء المسلمين.

رابعاً: وهو الأهم: إعلان موقف واحد مُوَحّد يؤكد قداسة القرآن الكريم وسلامته من التحريف بالزيادة أو النقصان عند جميع المسلمين على مختلف مذاهبهم المعتبرة.

حيث أن هذه من القضايا الهامة التي تُروِّج حولها الخرافات والمفتريات والأكاذيب والتراهات.

وهذا ما نود ذكره ببعض التفصيل والله المستعان.

عقيدتنا في القرآن الكريم والكتب السابقة:

نعتقد أن الله تبارك وتعالى أنزل على الأنبياء الصادقين كتباً سماوية حرفها أتباع الملل السابقة وما فيها من الصحيح منسوخ بالكتاب الكامل المهيمن وهو القرآن الكريم الذي تكفل الله تعالى بحفظه )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( (الحجر 9) وإن القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على قلب رسوله بواسطة الوحي المعصوم، وهو المتعبد بتلاوته المتحدى به الإنس والجن إلى يوم الدين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد وهو كما أنزله الله تعالى لم يزل مائة وأربع عشرة سورة من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، من قال فيه بالنقض أو الزيادة أو التحريف فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه والإسلام منه براء.

المسألة الأولي: قرآن الشيعة ومصحف فاطمة

في مقدمة الإيمانيات والمعتقدات التي تؤهل المسلم لدرجة الإيمان بعد الشهادتين. إيمانه الراسخ بالقرآن الكريم وأنه كلام الله القديم المنزل على قلب نبيّه محمد e بواسطة الوحي المعصوم وهو المُتعبَّدُ بتلاوته التى تحدى الله تعالى به الإنس والجن المعجز في لفظه ومعناه. الذى تكفل الله تعالى بحفظه إلى يوم القيامة قال تعالى: )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( (الحجر: 9) من قال فيه بالتحريف أو الزيادة أو النقصان فقد كفر واليعاذ بالله تعالى.

وهذه مسألة عقدية لا يُسوَّغ فيها الخلاف ولا تحتمل أنصاف الحلول فما هي عقيدة الشيعة الإمامية في القرآن الكريم؟

بالإطلاع على أكثر من عشرين مرجعًا معتمدًا عند الشيعة الإمامية ثبت بكل يقين أن الثابت والمقرر بإجماع الأئمة والثقات أن القرآن المَنَّزل على النبي الأكرم e قد حفظه الله تعالى من انتحال المبطلين أو تحريف الواضعين والمُحّرفين فلا زيادة فيه ولا نقصان.

ومن الواضح أنه لا يجوز إسناد عقيدةٍ أو قولٍ إلى طائفةٍ من الطوائف إلاّ على ضوء كلمات أكابر علماء تلك الطائفة، وباعتماد مصادرها المعتبرة، وفيما يلى نقدّم نماذج من أقوال أئمة الشيعة الإمامية منذ القرون الأولي وإلى الآن، لتتّضح عقيدتهم في هذه المسألة بشكل واضح جليّ.

1-        يقول الإمام الشيخ الصدوق، محمّد بن على بن بابويه القمي، المتوفّى سنة 381هـ في كتاب (الاعتقادات): "اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله على نبيه e هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة.. ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب". (الاعتقادات 93).

2-        ويقول الإمام الشيخ المفيد، محمدّ بن محمّد بن النعمان، المتوفّى سنة 413هـ في (أوائل المقالات): "باختصار"

إن النَصَّ القرآني مُصان من الزيادة والنقصان أمرٌ مقطوع به ولا عبرة ولا قيمة للأقوال الشاذة والآراء الباطلة التي خلطت ما بين التنزيل والتأويل ومثلها الأخبار التفسيرية التي تَوهَّم البعضُ نسبتهَا إلى الوحي القرآني. ولكنها أخبار أحاد لا نعتقد صحتها. ولا تؤثر في صحة وسلامة القرآن المحفوظ.

3-        ويقول الإمام الشريف المرتضى، علىّ بن الحسين الموسوي، المتوفّى سنة 436هـ في (المسائل الطرابلسيات).

بعد أن أوضح أن العرب والمسلمين عُنوا وبالغوا في الإتقان والحماية لكتب الأنساب والتاريخ والأشعار وكتب اللغة فلا شك أن عنايتهم وضبطهم لكتاب ربهم أصدق وأبلغ ثم قال: "إنَّ من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتدّ بخلافهم، فإنّ الخلاف في ذلك مضافٌ إلى قومٍ من أصحاب الحديث، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته" (مجمع البيان جـ 1: 83).

4-        نقل ابن حزم: (الفصل في الملل والنحل) 4: 182 أن الشريف المرتضى وكذلك صاحباه أبو يعلى الطوسى وأبو القاسم الرازى، قد أكدوا سلامة كتاب الله تعالى من التحريف بالزيادة أو النقصان. وكفر من اعتقد بذلك.

5-       ويقول الإمام الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، المعروف بشيخ الطائفة، المتوفّى سنة 460هـ في مقدمة تفسيره (التبيان): الذي قال بهذا المعنى "وأن هذا هو معتقد مذهب الإمامية "التبيان 1: 3".

6-       ويقول الإمام الشيخ الطبرسي، أبو على الفضل بن الحسن المتوفى سنة 548هـ، في مقدمة تفسيره (مجمع البيان): "ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه، فإنّه لا يليق بالتفسير، فأمّا الزيادة فمجمعٌ على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً ونقصاناً؛ والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء "مجمع البيان 1: 83".

7-       ويقول الإمام العلاّمة الحلي، أبو منصور الحسن بن يوسف ابن المطهر، المتوفّى سنة 726هـ في (أجوبة المسائل المهناوية) حيثُ سُئل ما يقول سيدنا في الكتاب العزيز، هل يصحّ عند أصحابنا أنه نقص منه شيءٌ، أو زيد فيه، أو غُيِّر ترتيبه، أم لم يصحّ عندهم شيءٌ من ذلك ؟

فأجاب: "الحقّ أنّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه، وأنّه لم يزد ولم ينقص، ونعوذ بالله تعالى من أن يُعْتَقَد مثل ذلك وأمثال ذلك، فأنّه يُوجِب التطرّق إلى معجزة الرسولe المنقولة بالتواتر".

8-       ويقول الإمام الشيخ البهائي، محمد بن الحسين الحارثي العاملي، المتوفّى سنة 1030هـ، كما نقل عنه البلاغي في (آلاء الرحمن): "الصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظٌ عن التحريف، زيادةً كان أو نقصاناً، ويدلّ عليه قوله تعالى: ) وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين u منه في بعض المواضع، مثل قوله تعالى )يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ – في علىّ-( وغير ذلك، فهو غير معتبرٍ عند العلماء" (آلاء الرحمن: 1: 26).

9-       ويقول الإمام الشيخ جعفر كاشف الغطاء، المتوفّى سنة 1228هـ في (كشف الغطاء): "لا ريب في أنّ القرآن محفوظٌ من النقصان بحفظ الملك الديّان، كما دلّ عليه صريح الفرقان، وإجماع العلماء في جميع الأزمان وأن القول بغير ذلك هو عين البطلان ومن أعظم المطاعن في الإسلام "كشف الغطاء: 229".

10-                         ويقول الإمام المجاهد السيد محمد الطباطبائي، المتوفّى، المتوفى سنة 1242هـ في (مفاتيح الأصول): "لا خلاف أنّ كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواتراً في أصله وأجزائه، وأمّا في محلّه ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققّي أهل السنة، للقطع بأنّ العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله، لأنّ هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم، والصراط المستقيم، ممّا توفّرت الدواعي على نقل جمله وتفاصيله، فما نقل آحاداً ولم يتواتر، يقطع بأنّه ليس من القرآن قطعاً" "البرهان: 120.

11-                         ويقول الإمام الشيخ محمد جواد البلاغي، المتوفّى سنة 1352هـ في (آلاء الرحمن): "ولئن سمعت من الروايات الشاذّة شيئاً في تحريف القرآن وضياع بعضه، فلا تُقِم لتلك الروايات وزناً، وقل ما يشاء العلم في اضطرابها ووهنها وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمين، وفيما جاءت به في مروياتها الواهية من الوهن، وما ألصقته بكرامة القرآن ممّا ليس له شَبَه به" "البيان في تفسير القرآن 259.

12-                         ويقول الإمام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، المتوفّى سنة 1373هـ في (أصل الشيعة وأصولها): "إنّ الكتاب الموجود في أيدي المسلمين، هو الكتاب الذي أنزل الله إليه e للإعجاز والتحدّي، ولتعليم الأحكام، وتمييز الحلال من الحرام، وإنّه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم، ومن ذهب منهم، أو من غيرهم من فرق المسلمين، إلى وجود نقصٍ فيه أو تحريفٍ، فهو مخطئ، يَرُدّهُ نص الكتاب العظيم )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( (الحجر15:9).

والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه، ضعيفة شاذّة، وأخبار آحاد لا يفيد علماً ولا عملاً، فأمّا أن تُووّل بنحوٍ من الاعتبار أو يُضْرَب بها الجدار" "أصل الشيعة وأصولها (101).

13-                         ويقول الإمام السيد أبو القاسم الموسى الخوئى، المتوفّى سنة 1413هـ، في (البيان في تفسير القرآن): "المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن، وأن الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الأعظم e، وقد صرح بذلك كثير من الأعلام، منهم رئيس المحدثين الشيخ الصدوق محمد بن بابويه، وقد عدّ القول بعدم التحريف من معتقدات الإمامية".

ويقول أيضاً: " إنّ حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلاّ من ضعف عقله، أو من لم يتأمّل في أطرافه حقٌ التأمّل، أو من ألجأه إليه من يحبّ القول به، والحبّ يعمى ويصمّ، وأمّا العاقل المنصف المتدبّر فلا يشكّ في بطلانه وخرافته" "البيان 259".

14-                         يقول الإمام الخمينى المتوفّى سنة 1409هـ: "إنّا الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه، قراءةً وكتابةً، يقف على بطلان تلك الروايات المزعومة. وما ورد فيها من أخبار – حسبما تمسّكوا به – إمّا ضعيف لا يصلح للاستدلال به، أو موضوع تلوح عليه إمارات الوضع، أو غريب يقضي بالعجب، أمّا الصحيح منها فيرمي إلى مسألة التأويل، والتفسير، وإنّ التحريف إنّما حصل في ذلك، لا في لفظه وعباراته "تهذيب الأصول 2: 165.

روايات فيها مقولات

1-       يقول الشيخ الأستاذ محمّد جواد مغنية: "إنّ الشيعة تعتقد أنّ كتب الحديث الموجودة في مكتباتهم، ومنها (الكافي) و(الاستبصار) (التهذيب) و(من لا يحضره الفقيه) فيها الصحيح والضعيف، وإنّ كتب الفقه التي ألّفها علماؤهم فيها الخطأ والصواب، فليس عند الشيعة كتاب يؤمنون بأنّ كلّ ما فيه حقٌّ وصوابٌ من أوّله إلى آخره غير القرآن الكريم، فالأحاديث الموجودة في كتب الشيعة لا تكون حجهً على مذهبهم ولا على أيّ شيعي بصفته المذهبية الشيعية، وإنّما يكون الحديث حجّةًً على الشيعي الذي ثبت عنده الحديث بصفته الشخصية".

ويكفي أن نذكر هنا أنّ كتاب الكافي للشيخ محمد بن يعقوب الكليني المتوفّي 329هـ، وهو من الكتب الأربعة التي عليها المدار في استنباط الأحكام الشرعية، يحتوى على ستة عشر ألفاً وماءتي حديث، صنفوا أحاديثه – بحسب الاصطلاح – إلى الصحيح والحسن والموثق والقوي والضعيف.

2-       لا يجوز نسبة القول بالتحريف إلى الرواة أو مصنفي كتب الحديث، لأنّ مجرد رواية أو إخراج الحديث لا تعني أنّ الراوي أو المصنّف يعتقد بمضمون ما يرويه أو يخرجه، فقد ترى المحدث يروي في كتابه الحديثي خبرين متناقضين يخالف أحدهما مدلول الآخر بنحو لا يمكن الجمع بينهما، فالرواية إذن أعم من الاعتقاد والقبول والتصديق بالمضمون، وإلاّ لكان البخاري ومسلم وسواهما من أصحاب الصحاح والمجاميع الحديثة، وسائر أئمّة الحديث، وجُلّ الفقهاء والعلماء عند فرق المسلمين، قائلين بالتحريف، لأنّهم جميعاً قد رووا أخباره في كتبهم وصحاحهم ! والأمر ليس كذلك بالتأكيد، فلو صحّ نسبة الاعتقاد بما يرويه الرواة إليهم للزم أن يكون هؤلاء وغيرهم من المؤلّفين ونقلة الآثار يؤمنون بالمتعارضات والمتناقضات، وبما يخالف مذاهبهم ومعتقداتهم، ماداموا يروون ذلك كلّه في كتبهم الحديثية، وهذا ما لم يقل به ولا أدعاه عليهم ذو مسكة إذا أراد الإنصاف.

3-       إنّ ذهاب بعض أهل الفرق إلى القول بتحريق القرآن، أو إلى رأي يتفرّد به، لا يصحّ نسبة ذلك الرأيٍ إلى تلك الفرقة بأكملها، لاسيما إذا كان ما ذهب إليه قد تعرّض للنقد والتجريح والإنكار من قبل علماء تلك الفرقة ومحقّقيها، فكم من كتبٍ كُتِبت وهي لا تعبّر في الحقيقة إلّا عن رأي كاتبها ومؤلّفها، ويكون فيها الغثّ والسمين، وفيها الحقّ والباطل، وتحمل بين طيّاتها الخطأ والصواب، ولا يختصّ ذلك بالشيعة دون سواهم، فذهاب قوم من حشوية العامّة إلى القول بتحريف القرآن لا يبرّر نسبة القول بالتحريف إلى أهل السنة قاطبة، وذهاب الشيخ النوري المتوفي 1320 هـ إلى القول بنقص القرآن لا يصلح مبرّراً لنسبة القول بالتحريف إلى الشيعة كافة، وكذا لا يصحّ نسبة أقوال ومخاريق ابن تيميّة التي جاء بها من عند نفسه وتفرّد بها إلى أهل السنة بصورة عامة سيما وإنّ أغلب محققيهم قد أنكروها عليه، فإذا صحّ ذلك فأنّما هو شطط من القول وإسراف في التجنّي وإمعان في التعصّب ومتابعة الهوى.

وإن العلماء الأجلاء والمحققين من الشيعة ذكروا أن جميع الروايات التي أوهمت الزيادة في القرآن. معتقد بطلانها ورفضها للأسباب التالية:

1-     أنّها مصادمةٌ لما عُلِم ضرورةً من أنّ القرآن الكريم كان مجموعاً على عهد النبوّة.

2-     أنّها مخالفةٌ لظاهر الكتاب الكريم حيثُ قال تعالى: )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(.

3-     أنّها شاذّةٌ ونادرةٌ، والروايات الدالة على عدم التحريف مشهورةٌ أو متواترةٌ، كما أنّها أقوى منها سنداً، وأكثر عدداً، وأوضح دلالة.

4-     أنّها أخبار آحاد، ولا يثبت القرآن بخبر الواحد، وإنّما يثبت بالتواتر، كما تقّدم في أدلّة نفي التحريف، وقد ذهب جماعة من أعلام الشيعة الإمامية إلى عدم حجّية الآحاد مطلقاً، وإنّما قيل بحجّيتها إذا اقتضت عملاً، وهي لا تقتضي ذلك في المسائل الاعتقادية ولا يُعبأ بها.

 

أهل السُنّة ينفون التحريف

إنّ المعروف من مذهب أهل السُنّة هو تنزيه القرآن الكريم عن الخطأ والنقصان، وصيانته عن التحريف، وبذلك صرّحوا في تفاسيرهم وفي كتب علوم القرآن، إلّا أنّه رويت في صحاحهم أحاديث يدلّ ظاهرها على التحريف، تمسّك بها الحشوية منهم، فذهبوا إلى وقوع التحريف في القرآن تغييراً أو نقصاناً، كما أشار إلى ذلك الطبرسي في مقدمة تفسيره (مجمع البيان)، وقد تقدّم قوله في تصريحات أعلام الإمامية.

ولاشكّ أنّ ما كان ضعيفاً من هذه الأحاديث فهو خارج عن دائرة البحث، وأمّا التي صحّت عندهم سنداّ، فهي أخبار آحاد، ولا يثبت القرآن بخبر الواحد، على أنّ بعضها محمولٌ على التفسير، أو الدعاء، أو السُنّة، أو الحديث القدسي، أو اختلاف القراءة، وأمّا ما لا يمكن تأويله على بعض الوجوه، فقد حمله بعضهم على نسخ التلاوة، أي قالوا بنسخه لفظاً وبقائه حكماً، وهذا الحمل باطلٌ، وهو تكريٌس للقول بالتحريف، وقد نفاه أغلب محققيهم وعلمائهم على ما سيأتي بيانه في محلّه إن شاء الله تعالى، وذهبوا إلى تكذيب وبطلان هذه الأحاديث لاستلزامها للباطل، إذ إنّ القول بها يفضي إلى القدح في تواتر القرآن العظيم.

يقول عبد الرحمن الجزيري: "أمّا الأخبار التي فيها أنّ بعض القرآن المتواتر ليس منه، أو أنّ بعضاً منه قد حُذِف، فالواجب على كلِّ مسلم تكذيبها بتاتاً، والدعاء على راويها بسوء المصير (الفقه على المذاهب الأربعة 4: 260).

ويقول ابن الخطيب: "على أنّ هذه الأحاديث وأمثالها، سواء صحّ سندها أو لم يصحّ، فهي على ضعفها وظهور بطلانها، قلّة لا يعتدّ بها، مادام إلى جانبها إجماع الأُمّة، وتظاهر الأحاديث الصحيحة التي تدمغها وتظهر أغراض الدين والمشرّع بأجلى مظاهرها (الفرقان: 163).

وجماعة منهم قالوا بوضع هذه الأحاديث واختلاقها من قبل أعداء الإسلام والمتربصّين به، يقول الحكيم الترمذي: "ما أري مثل هذه الروايات إلّا من كيد الزنادقة".

ويقول الدكتور مصطفي زيد: "وأمّا الآثار التي يحتجّون بها... فمعظمها مروي عن عمر وعائشة، ونحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار بالرغم من ورودها في الكتب الصحاح، وفي بعض هذه الروايات جاءت العبارات التي لا تتّفق ومكانة عمر وعائشة، ممّا يجعلنا نطمئنّ إلى اختلاقها ودّسها على المسلمين" (النسخ في القرآن 1: 283).

إذن، فهم موافقون للشيعة الإمامية في القول بنفي التحريف، فيكون ذلك ممّا اتّفقت عليه كلمة المسلمين جميعاً.

نماذج من هذه الروايات عند أهل السنة

الأُولي:  أنّ  سورة الأحزاب تعدل سورة البقرة:

1-        رُوي عن عائشة: "أنّ سورة الأحزاب كانت تُقْرأ في زمان النبي e في مائتي آية، فلم نقدر منها إلّا على ما هو الآن". وفي لفظ الراغب: "مائة آية" (الإتقان 3: 82 القرطبي 14: 113. الدر المنثور 6: 560).

2-        ورُوي عن عمر وأُبي بن كعب وعكرمة مولى ابن عباس: "أنّ سورة الأحزاب كانت تقارب سورة البقرة، أو هي أطول منها، وفيها كانت آية الرجم" (الإتقان 3: 82 أحمد والمستدرك، القرطبي، الكشاف.

3-        وعن حذيفة: "قرأتُ سورة الأحزاب على النبي e فنسيتُ منها سبعين آية ما وجدتها (الدر المنثور 6: 559).

الثانية: لو كان لابن آدم واديان:

روي عن أبي موسى الأشعري أنّه قال لقرّاء البصرة: "كنّا نقرأ سورة نُشبّهها في الطول والشدّة ببراءة فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغي وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب" (صحيح مسلم 2: 726/ 1050).

الثالثة: سورتا الخلع والحفد:

روي أنّ سورتي الخلع والحفد كانتا في مصحف ابن عباس وأُبي بن كعب وابن مسعود، وأنّ عمر بن الخطاب قنت بهما في الصلاة، وأنّ أبا موسى الأشعري كان يقرأهما.. وهما:

1-        "اللّهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثنى عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك".

2-        "اللّهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعي ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشي عذابك، إنّ عذابك بالكافرين ملحق".

(مناهل العرفان 1: 257 – روح المعاني 1: 25 وغيرهما)

الرابعة: آية الرجم:

روي بطرق متعدّدة أنّ عمر بن الخطاب، قال: "إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم.. والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم. فإنّا قد قرأناها" (المستدرك 4: 259 أحمد 1: 23 و29 و40 الطبقات لابن مسعد 3: 234).

وأخرج ابن أشته في (المصاحف) عن الليث بن سعد، قال: "إنّ عمر أتي إلى زيدٍ بآية الرجم، فلم يكتبها زيد لأنّه كان وحده" (الاتقان 3: 206).

وقد حمل ابن حزم آية الرجم في (المحلى) على أنّها ممّا نسخ لفظه وبقي حكمه، وهو حملٌ باطلٌ، لأنّها لو كانت منسوخة التلاوة لما جاء عمر ليكتبها في المصحف، وأنكر ابن ظفر في (الينبوع) عدّها ممّا نسخ تلاوةً، وقال: "لأنّ خبر الواحد لا يُثبت القرآن" (البرهان للزركشي 2: 43).

الخامسة: آية الجهاد:

رُوي أنّ عمر قال لعبد الرحمن بن عوف: "ألم تجد فيما أُنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة، فأنا لا أجدها ؟ قال: أُسقطت فيما أسقط من القرآن". (الاتقان 3: 84 كنز العمال حديث 4741).

السادسة: آية الرضاع:

رُوي عن عائشة أنّها قالت: كان فيما أُنزل من القرآن: "عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله e وهنّ ممّا يقرأ من القرآن" (صحيح مسلم 2/1075 – الترمذي 3: 456 – المصنف الضعاني جـ 7).

السابعة: آية رضاع الكبير عشراً:

رُوي عن عائشة أنَّها قالت: "نزلت آية الرجم ورضاع الكبير عشراً، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلمّا مات رسول الله e وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها" (مسند أحمد 6: 269 المحلى 11: 235 الجامع لأحكام القرآن 14).

ثم إنّ هذا الحكم – في رضاع الكبير عشراً – قد انفردت به عائشة، وعارضها فيه سائر أزواج e، ولم تأخذ واحدة منهنّ بقولها في ذلك، وأنكره أيضاً ابن مسعود على أبي موسى الأشعري، وقال: "إنّما الرضاعة ما أنبت اللحم والدم" فرجع أبو موسى عن القول به (جامع بيان العلم 2: 105).

الثامنة: آية الصلاة على الذين يصلون في الصفوف الأُولي:

عن حميدة بنت أبي يونس، قالت: "قرأت علىّ أبي، وهو ابن ثمانين سنة، في مصحف عائشة: )إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً( وعلى الذين يصلون في الصفوف الأولي. قالت: "قبل أن يغيّر عثمان المصاحف" (الاتقان3: 82).

واختصاراً لردود هذه المرويات أنها من مكتوباتهم في حاشية مصاحفهم حرصًا منهم على تسجيل ما يسمعونه من المرشد الأعظم e فحدث هذا الاختلاط.

وأخيراً فإنّ الملاحظ على كثير ممّا أدّعي أنّه من القرآن مخالفته لقواعد اللغة وأُسلوب القرآن الكريم وبلاغته السامية، ممّا يدل على أنّه ليس بكلام الخالق تعالى، وليست له طلاوته، ولا به حلاوته وعذوبته، وليست عليه بهجته، بل يتّبرأ من ركاكته وانحطاطه وتهافته المخلوقون، فكيف برب العالمين، وسمّو كتابه المبين ؟!

 

الصافي يرد على الخطيب في مفترياته

عندما ألَّفَ محب الدين الخطيب كتابه [الخطوط العريضة] وحشاه بالأكاذيب والمفتريات والأباطيل وقد أحسن العلامة الشيخ/ لطف الله الصافي في أفحامه وكشف آثامه ومما ذكره بشأن قضية تحريف الشيعة للقرآن صـ65.

وأمّا الشيعة فلم يقل أحد منهم بنقص سورة من القرآن، ولا بزيادة سورة أو آية أو كلمة عليه، وليس في رواياتهم ما يدل على نقص سورة أو زيادتها.

والسورة التي نسب اختلاقها إلى الشيعة، وسماها سورة الولاية؛ لا تري في أصول الشيعة وكتبهم منها عيناً ولا أثراً، والشيعة وفيهم ألف من زعماء فن البلاغة والأدب والمشهورين أرفع وأجلُّ من أن يلصقوا بكرامة القرآن هذه الجمل التي يظهر فيها أثر الوضع ويعرف ضعف تأليفها، وخروجها عن أسلوب القرآن من كان له أنسٌ بكلام الفصحاء والبلغاء.

ولا عجب من نسبة محبِّ الدين هذا الافتراء إلى الشيعة فإنه جعل هذا دأبه في كتابه، ولا يضرُّ الشيعة ذلك بعد كون كتبهم ومصنَّفاتهم في معرض مطالعة العلماء، ولكن العجب منه أنه قال ولم يخف من ظهور كذبه عند الناس كالشمس في رابعة النهار: (وممّا استشهد به هذا العالم النجفي على وقوع النقص من القرآن إيراده في ص 180 من كتابه سورة تسميها الشيعة "سورة الولاية" مذكور فيها ولاية على "إلى إن قال" فكما أثبتها الطبرسي في كتابه فإنَّها ثابتة أيضاً في كتابهم "دبستان مذاهب" باللغُّة الإيرانيّة لمولّفه محسن فاني كشميري، وهو مطبوع في إيران طبعات متعددة.

فانظر ما في كلامه هذا من الكذب الفاحش والافتراء البيَّن:

1-        ليس في "فصل الخطاب" لافي ص 180 غيرها من أول الكتاب إلى آخره ذكرٌ لهذه السورة المكذوبة على الله تعالى التي يقول الخطيب:

"إن الشيعة تسمِّيها سورة الولاية مذكورة فيها ولاية علىٍّ "يا أيُها الذين آمنوا آمِنوا بالنبيِّ والوليِّ اللَّذين بعثناهما يهديانكم إلى الصِّراط المستقيم إلخ".

2-        ما معني المصحف الإيراني أيُّها الخطيب ؟ ألا تستحي من الله تعالى ؟

ما هذا المصحف الذي لم يعرفه الإيرانيون، ولم يوجد بعد عند خاصتهم وعامتهم، ولم يطَّلع عليه أحد إلاّ محمد على سعودي المصري عند "براين" المسيحي ؟

أيها العلماء، أيها المصنفون، أيها المصلحون.

ما هذه الافتراءات وما عذر الخطيب وناشر كتابه محمد نصيف.. من أهالي جدة – الحجاز وأمثالهما عند الله تعالى ؟

وما يريدون بانتشار هذه الأكاذيب ؟

وما يطلبون من شيعة أهل البيت ؟

وما عذر من يتغافل من زعماء السنِّيين وعلمائهم وحكوماتهم عمّا يرد من هذه الأقلام على الإسلام والمسلمين من الضرر والفشل ؟

أليس في إخواننا أهل السنَّة والجماعة من يرُشدهما إلى ما فيه مصلحة نفسيهما، ومصلحة أمتها. ومصلحة المسلمين ؟

أيُّها المسلمون اسألوا من إخوانكم السنيِّين من أهالي إيران ومن ألوفٍ من الذين زاروا إيران ويزورونها في كلِّ شهر ويوم هل سمعتم بمصحف غير هذا المصحف المطبوع المشهور في جميع الأقطار ؟

أم هل وجدتم عند إيرانيٍّ كتاباً يعتقد أنه وحي إلهيٌّ يقرأه آناء الليل وأطراف النهار غير القرآن ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه ويؤمن به جميع المسلمين ؟

ولكن: إذا قلَّ دين المرء قلَّ حياؤه، ولا يستحي من الكذب من اعتاده، ولا يخاف من تشويه سمعة الدين، وإيراد الطعن على الكتاب المبين من لا يعقل ما يقول أو باع دينه بدنياه، واعتنق خدمة أعداء المسلمين.

الإيرانيون أشدُّ احتراماً للقرآن المجيد ولآياته وكلماته وحروفه، أسواقهم ومجالسهم وإذاعاتهم وبيوتهم، ومدارسهم وكلياتهم عامرة بقراءته، لهم في كل قرية وبلد مجالس ومدارس لتعليم التجويد وقراءة القرآن والتفسير، يهتمون بتعلم القرآن كمال الاهتمام، ويشجِّعون أولادهم على قراءته، لم يسمع أحد منهم لا قديماً ولا حديثاً بهذا المصحف الذي تقول به ولم يطَّلع عليه أحد من علمائهم ولا آدّعي رؤيته من كان فيهم من أهل البحث والتنقيب.

نعم يوجد عندهم وفي مكتباتهم الكبيرة مثل مكتبة "آستان قدس" في المشهد الرضوي وغيرها أقدم النسخ المخطوطة من القرآن وأنفسها يرجع تاريخ كتابتها إلى إصدار الإسلام، وتنسب كتابة بعضها إلى سيدنا الإمام أمير المؤمنين، وبعضها إلى الإمام السبط الحسن المجتبي، وبعضها إلى الإمام على بن الحسين زين العابدين (ع) لا تجد في هذه النسخ اختلافاً مّا لا تجد فيه هذه النسخ اختلافاً ما حتى في حرف واحد من هذه المصاحف المطبعة إلاّ في رسم الخط.

 

حكاية مصحف فاطمة

معلومٌ لغةً أنَّ كلَّ ما يُصَحَّف من الكلام في صفحاتٍ مجموعة يُسَمَّي مصحفًا.

ولقد جَمَعَ الإمام على u كتابًا يتضمن شروحاتٍ وتفسيرات للقرآن الكريم. كما يشتمل على الحكم، والمواعظ، والعبر والأحكام فكان هذا عند زوجه فاطمة الزهراءu فكان يعرف عند أبنائها بمصحف فاطمة.

كما جمع بعده كتابا في الديات وعرف بالصحيفة ولكن هذين المصحفَيْن لَيْسَا بقرآن خلاف القرآن المجيد وقد أشار الإمامان البخاري ومسلم إلى هذه الصحيفة في أكثر من موضع.

ما روي عن أمير المؤمنين على t. قال: ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله تعالى غير هذه الصحيفة. قال: فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات (الديات).... "الحديث كتاب الفرائض 4: 49" ومسلم: باب فضل المدينة كتب الحج.جـ1:50.

كما أخرج ذلك الإمام أحمد بن حنبل أكثر من رواية عن هذه الصحيفة في مسنده (جـ1 100).

كما أطلق على ماّ جمعه الإمام السجاد من أدعية (الصحيفة السجادية) المشهورة فهل يليق بمسلم يعلم أنه موقوف ومسئول بين يدي الملك الجبار يوم تكشف الأستار أن يبلغ به اللدد والتعصب البغيض أن يرمي شريحة عظمي من المسلمين بهذه الأباطيل والمفتريات التي تسيء إلى كتاب المسلمين المهيمن وتنسف قداسته وتبدد عصمته وتشوه مكانته لدي أبناء الإسلام أولاً وأعدائه المتربصين به ثانياً.

 

الواجب على المسلم

إن الواجب يملي على كل مسلم غيور على الدين والقرآن أن يدفع عن الكتاب الكريم هذه الشبهة، وأن يحتاط في نسبة القول بالتحريف أو التشكيك في القرآن إلى أحد من المسلمين، ويعلم أنه مسئول عند الله تعالى عمّا يقول ويكتب.

وكان الأولى بالخطيب أن يتمسك بأقوال العلماء ذوي الاختصاص والمهارة من الشيعيِّين والسنِّيِّين في صيانة القرآن من النقصان والزيادة، لا أن يركض وراء القول بالتحريف، ويسجل ذلك على طائفة كبيرة من المسلمين.

وقد أراد الخطيب بذلك تشويه سمعة التشيُّع، ولم يعلم أنه شوَّه سمعة الدين، وضرب الكتاب المبين، وخدم أعداء الدين، وفتح السبل أمام شبهات المبشِّرين، وقد نسي هذا الكاتب أنه يهدم بهذه الفرية قداسة القرآن ويُقدم أعظم خدمة لأعداء الإسلام والمتطاولين الحاقدين على دين خير الأنام.

خاتمة المبحث

لقد تبيّن من ثنايا البحث أنّ جميع المزاعم التي تذرّع بها المتربصّون بالإسلام للقول بتحريف القرآن الكريم والكيد بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي تكفلت العناية الربانيّة بحفظه وصيانته، قد ذهبت أدراج الرياح، وما هي إلاّ كرمادٍ بقيعةٍ اشتدّت به الريح في يومٍ عاصفٍ، من خلال الأدّلة الحاسمة التي ذكرناها والتي تؤكّد عدم وقوع التحريف في الكتاب الكريم، وأنّه بقي وسوف يبقي بإذن الله مصوناً من كلِّ ما يوجب الشكّ والريب.

فقد وقف علماء الشيعة وعلماء أهل السُنّة عموماً من روايات التحريف موقفاً سلبياً، ورفضوا القول بمضمونها وفنّدوه بما لا مزيد عليه، ورأوا في هذه الأخبار أنّها أخبار آحاد لا يمكن الاعتماد عليها في أمر يمسّ العقيدة التي لا بدّ فيها من الأدلّة القاطعة والبراهين الساطعة، ولا تكفي فيها الظنون ولا أخبار الآحاد. هذا بالإضافة إلى وجوه ضعف أخري تعاني منها هذه الأخبار، سواء من حيث دلالتها أو من حيث ظروف صدورها، أو من حيث مرامي وأهداف وتوجّهات من صدرت عنهم.

 

الخلافات الفقهية نعمة ورحمة بالأمة الإسلامية

كما أن الله تعالى قد أنعم على أمة التوحيد بدوام الأصول وثبوتها واجتماع أهل القبلة على اعتقادها والإيمان بها "الألوهية – النبوة – المعاد" فإنه جل وعلا امتن عليها بشريعة حنيفية سمحة مرنة ممتدة السواحل متعددة المنابع كثيرة المشارب توسعة على الأمة ودفعاً للضيق والعسر والحرج ذلك أن الشريعة هى مجموعة الأحكام العملية التي شرعت لتحقيق مصالح العباد بما يرضى رب العباد.

وهى المساحة الرحبة التي يُسوَّغ فيها الخلاف والاجتهاد وتتعدد فيها الأقوال وتتباين فيها آراء الأئمة والعلماء.

ومن الأمثلة التي سُوَّغ  فيها هذا التعدد اختلافهم في معنى لفظ (القرء) في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) [البقرة 288].

ومعنى اللمس في قوله تعالى: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء) [النساء 43].

ومعنى الباء في قوله تعالى: (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [المائدة 6]. وهل الأرجل معطوفة على (الأيدي فتغسل) أم على الرأس (فتمسح)؟

ومعنى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) [الطلاق 2]، هل الإشهاد شرط في عقد الزواج؟ أم في حال الطلاق؟ أم فيهما معاً؟

والمراد بوقت الليل في قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ) [البقرة 187]، هل ينتهي وقت الصيام بمجرد غياب قرص الشمس أم لابد من امتداد الصوم حتى يذهب بياض قرص الشمس في الأفق ويتأكد دخول الليل؟

وهل تعتبر البنت (ولداً) يمنع ميراث الأخوة في قوله تعالى (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ) [النساء 176]، أم أن المقصود بالولد هنا (الولد الذكر فقط) فلا تحجب البنت الأخوة من الميراث؟؟

وغير ذلك من الألفاظ المشتركة التي تتعدد معانيها في اللغة العربية وهل الطلاق البدعي المخالف للكتاب والسنة يقع مع الحرمة كما عليه أصحاب المذاهب السنية الأربعة، أم أنه لا يقع كما يرى الإمامية ومن أيدهم في ذلك مثل ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم من علماء السنة.

وكما قال أهل العلم: إن أعلم الناس من كان مُلماً باختلافات الناس من أهل العلم والاستنباط، ومن اتسعت أفكاره قُل إنكاره.

نسوق بعضاً من هذه المسائل الفقهية التي وقع فيها خلاف بين علماء الشيعة الإمامية وعلماء مذاهب أهل السنة وهى خلافات طبيعية مشروعة كثيراً ما وقع نظيرها بين أصحاب المذاهب السُّنيَّة نفسها.

إن مذهب الخوارج يخالف جميع المذاهب الإسلامية السنية والشيعة، ومع ذلك فقد عذروهم فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا، إذن، بالأحرى أن تعذر طائفة إسلامية إذا خالفت المذاهب الأربعة في مسألة من مسائل الرضاع أو الإرث، مستندة إلى آية أو رواية.

إن الشيعة الإمامية لم يتقيدوا بمذهب من المذاهب الأربعة، وإنّما اتبعوا طريقة الأصحاب والتابعين في استخراج الأحكام من الكتاب والسنة، فكل ما أدى إليه الكتاب والسنة فهو حجة عندهم، ولو خالف جميع المذاهب، لأن قول الله ورسوله فوق الأقوال كافة، أي أن الفقيه الإمامى يعمل بما أدى إليه نظره وفهمه لأصول الشريعة، لا بما فهمه فقهاء السنة أو الشيعة، وكان من نتيجة هذا الاجتهاد المطلق غير المقيد بمذهب أو قول، أن خالف الشيعة الإمامية المذاهب الأربعة في بعض المسائل منها:

إن المذاهب الأربعة يشركون أخا الميت مع ابنته في الميراث، ويشركون عمهم مع أخته، ويقول الشيعة الإمامية: إن التركة بكاملها للبنت وحدها، وللأخت دون سواها، ولا شيء للعصبة، لأن من كان بينه وبين الميت درجة واحدة فهو أولى بالميراث ممن كان بينه وبين الميت درجتان أو أكثر، وهذه الحقيقة يعترف بها أئمة المذاهب في مسألة العصبة، لأنهم قالوا: إن عصبة الأقرب كالأخ يمنع الابعد كالعم، وآية: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) كما دلت على أن القريب أولى من الغريب في الميراث، فقد دلت أيضاً على أن الأقرب أولى ممن هو دونه في القرابة، وليس من شك أن البنت أقرب إلى الميت من أخيه، وأخته أقرب إليه من عمه.

وآية: ((للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً، دلت على التساوى بين الذكور والإناث، فكما أن بين الأب والابن درجة واحدة، فإن بين الأب والبنت درجة واحدة أيضاً، وكل منهما يصدق عليه لفظ الولد أيضاً من دون تفاوت، قال الله تعالى: ((فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ البَنَاتُ وَلَهُمُ البَنُونَ)) ((مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ)) فإذا كان الابن يحجب عمه لأنه ولد الميت، فالبنت يجب أن تحجبه أيضاً لأنها ولده، ومن هنا يتبين أن قوله تعالى: ((إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ)) يتبين من هذه الآية أن الأخ والأخت لا يتوارثان الا مع عدم وجود الولد، والبنت ولد بلا ريب فتحجب الأخ. أما قوله تعالى: ((فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)) فلا دلالة في هذه الآية الكريمة، ولا في غيرها من الآيات على أن ما زاد عن الثلث لا يرد على البنتين، وما زاد عن النصف لا يرد عن البنت، ولو كان هناك دليل على منع الرد لما وقع الخلاف والنزاع، على أن أهل السنة يردون على أهل الفرائض ما زاد عن فرضهم في بعض الحالات قال في المغنى ج 6 ص 201 ((يرد على كل أهل الفرائض على قدر ميراثهم إلا الزوج والزوجة)) والبنت من ذوى الفرائض فيرد عليها ما زاد عن فرضها، وكذا الأخت، وقال الله تعالى: ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ))، نصت الآية على أن الدين يثبت بشاهدين، وشهادة رجل وامرأتين، مع أن من مذاهب السنة من أثبت الدين بشاهد ويمين، بل أثبته مالك بشهادة امرأتين ويمين فكما أن هذه الآية لا تدل على أن الدين لا يثبت بشاهد ويمين، ولا بشهادة امرأتين ويمين، كذلك آية الميراث لا تدل على أن البنت لا يرد عليها أبداً ما زاد عن النصف.

فالشيعة يوجبون رد ما زاد عن فرض البنت والأخت، ويخصون كل واحدة بتمام الميراث دون غيرها، لأن البنت أقرب إلى الميت من أخيه، والأخت أقرب إليه من عمه، والأقربون أولى، والشيعة لا يثقون بحديث: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقى فلأولى عصبة ذكر)) والحديث حجة على من ثبت عنده ولو وثقوا به لقالوا بمقالة أهل السنة، كما أن أهل السنة لو لا ثقتهم بهذا الحديث لقالوا بمقالة الشيعة. وقد أطال الإمامية الكلام في هذا الباب، ووضعوا له رسائل خاصة ألزموا فيها أهل التعصيب القائلين بحرمان البنت مما زاد عن فرضها، ألزموهم بالزامات كثيرة لا يتسع لها المجال.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين