Powered By Dijlah 2020
القرآن الكريم الدستور الأمثل للحضارة الإنسانية أزمة حضارة ومستقبل الوهم
۱۳۹۷/۰۹/۲۸ ۰۹:۴۲ 427
القرآن الكريم الدستور الأمثل للحضارة الإنسانية أزمة حضارة ومستقبل الوهم

 

 

القرآن الكريم الدستور الأمثل للحضارة الإنسانية أزمة حضارة ومستقبل الوهم

 

الدكتورة زينب محمد عيسى (حداثا قضاء بنت جبيل)

رئيسة جمعية السيدة زينب الخيرية لبنان

مستشارة في علم النفس - كاتبة وباحثة

 

يعيش العالم الراهن قلق المتغيرات عالمياً في مناخ من التطور التكنولوجي الهائل والمتسارع في ظل نظام عالمي؛ جهد بدينامياته وأبعاده اختراق المجتمعات التقليدية والإسلامية؛ في محاولة إلى طمس هويتها الثقافية، وقيمها وأنماطها السلوكية. وبتعبير آخر إحداث تحولات كبرى في مختلف الجوانب الإنسانية. إن الحالة التي وصلت إليها العلاقات الإنسانية في العصر الحديث المحكوم بالعولمة والتطور العلمي في كافة المجالات، تشير إلى ما وصلت إليه الدراسات النفسية حول "أزمة حضارة" "ومستقبل الوهم"، والتي تعني بأن الحضارة المادية التي تعيشها الإنسانية لا تبني مستقبلاً زاهراً، وإنما تعدُ بمستقبل سعيد واهم. وبأن التطور المادي لا يؤدي بالضرورة إلى السعادة والرفاه وإنما يؤسس لبناء نفسي ولسلوك عنيف محكوم بالضغوطات، والانحرافات، والأمراض النفسية والجسدية، والنفس جسدية على أنواعها.

 يشير عباس مكي "إن ظاهرة وهن الإنسان في البيئة الصناعية ظاهرة منطقية لا بد منها. أما إذا تفاقمت فإنها تجسد أبشع ما أنتجته البيئة الصناعية وأبأس ما خلفه التطور التكنولوجي والإنسان: سحق الإنسان تحت حديد الآلة"([1]). ويقول رشدي فكَّار: "لا أعتقد أن نهاية العقول المتمردة في الغرب ستطول كثيراً. ومما يؤكد هذا المصير، ذلك الشعار الذي طرح أمامنا، منذ سنوات في مؤتمر عقد في باريس والذي يشير إلى أن نصف المجتمعات المتقدمة سوف تعاني نفسياً بعد ربع قرن – وربما أقل – في أسِرَّة المرضى، بينما ينتظر النصف الآخر دوره في غرفة الانتظار"([2]). ويرى مارتين ستورا بأن القرن الحادي والعشرين هو "قرن الاختبارات الصعبة، وعلينا أن نتوقع ظهور أعراض مرضية من العصاب الجمعي والهلوسة الجماعية، في انتظار مخلص بعد أن اقتربت نهاية العالم"([3]). ويقول الوزير الفرنسي السابق ميشال روكار: "إن الحضارة الغربية ليست على ما يرام. فالواقع الاجتماعي يفلت بصفة متزايدة من رقابة البشر، كما أن المسرح السياسي اليوم لا يوحي بالثقة. فمن النادر أن نجد أمه – إن وجدت – توحي بأنها قادرة على أن تضمن لنفسها حداً أدنى من الرفاهية والأمن والإدماج الحقيقي للكل في الحياة الاجتماعية. فالأجهزة الكبرى للدولة (التربية، العدالة، الضمان الاجتماعي) تبدو عاجزة ضعيفة. كما أن القوى السياسية الكبرى أصبحت عاجزة عن تقديم مشاريع مستقبلية، بل غالبا ما شكلت عوائق أمام التغيير"([4]).

 إن الإنسانية تجتاز في الوقت الراهن مرحلة هامة في تاريخها، حيث برز على الساحة العالمية تياران: أحدهما ينادي بحرية الإنسان حتى ولو أدت هذه الحرية إلى عدم المساواة وهي دعوى الرأسمالية. والتيار الآخر ينادي بالعدالة حتى ولو أدت تلك العدالة إلى التضحية بحرية الفرد وكرامته الإنسانية وهي دعوى الاشتراكية. وقد أظهر الواقع فشل التياران بتحقيق العدالة أو الحرية والسبب يعود إلى أنهما يقومان على معيار مادي أفرغ من محتواه الإنساني بفعل اللهاث المجنون والمدمر وراء قيم حضارية مادية خالصة. إن الوهم الذي كان يعيش فيه الإنسان بأن الفكر الغربي والتطور الحضاري الملازم له سوف يحقق له السعادة الكاملة قد بدأ يتلاشى مخلفاً وراءه طريقاً مسدوداً وسؤالاً ملحاً: البشرية إلى أين؟؟ "إن البشرية أصبحت تواجه كما يرى السيد محمد باقر الصدر تياراً عظيماً كاسحاً. هذا التيار غزا العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، لكن على مراتب مختلفة وعلى درجات متفاوتة"([5]).

 لقد اختزلت الحضارة المادية الإنسانية إلى عالم مادي تتجاذبه معادلة الربح والخسارة. وأصبح المال هو الوسيلة والمثل الأعلى، وأصبح النجاح والفشل في الاسواق هو المعيار في السلوك حيث فرض الذات والاستفراد هو الأهم مما أدى بخلل كبير بجدلية "الذات" و"النحن". ودفعت بسبب تضخيم الذاتي (الفردية) على حساب الجماعي ثمناً باهظاً تمثل ولا يزال في العديد من الأمراض الإجتماعية. لقد جهدت الحضارة المادية وما زالت منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين وبعد بروز القطب الأوحد – الولايات المتحدة الأمريكية – والذي برزت معه ظاهرة العولمة التي جهدت بدورها في تحقيق أغراضها وثقافتها تحت لواء مفاهيم جديدة: الديمقراطية، فرض حرية التنقل، فتح الأسواق، تمكين المرأة، حماية البيئة، الرفاه الاجتماعي، المعرفة، الابتكار، حقوق الإنسان.. وقد تحققت هذه العولمة بسرعة يصعب أدراكها بانصهار العدد الهائل من الاقتصاديات في اقتصاد شمولي واحد، حيث لم يعد للبعد الجغرافي أهمية تذكر، "يقوده أولئك الذين يقدرون على مواجهة المنافسة الهوجاء"([6]) كما في وصف الاقتصادي أدوار لتوك Edword lutwak. وفي ذلك يقول جاك جوليار Jaque jolière مؤلف كتاب (عبقرية الحياة): "إن أسوأ ما في النظام العالمي أنه أسلم إدارة الدفة للاقتصاد مما أحدث من اختلالات في الواقع الاجتماعي للمجتمع بأسره"([7]). وأصبح نداء العصر الجديد "لينقذ نفسه من يستطيع ذلك" أو كما يقول سكوت مك نيلي Scott Mc Nealy "إما أن تأكل أو تؤكل"([8]).

 أن الحضارة المادية توجهت إلى طمس الهوية الثقافية الإسلامية وفرض التغيير بالقوة بحجة إنهاء الأنظمة الشمولية واستبدالها بالأنظمة الديمقراطية. هذه المحاولة هي أحد أوجه محاربة الذاكرة التاريخية والموروث الثقافي الديني والاجتماعي من خلال تجاوز المرجعيات التقليدية واستبدالها بمرجعية كونية يجد فيها الفرد نفسه في التيه، والضياع، والعزلة، والانقطاع عن التاريخ والحيَّز الجغرافي اللذين يشكلان إطار الهوية الشخصية. إن الانتماء إلى مرجعية ثقافية يشكل أساس الهوية والنظرة إلى الوجود. والانتماء إلى الذات لا يستقيم إلا من خلال الانتماء إلى مرجعيات تتجاوزها اجتماعياً وقيمياً. والثقافة كما يشير الإمام الخميني (9/1/1978) "أساس أي أمة، وأساس وطنية كل أمة وأساس استقلال كل أمة"([9]). وفي تعبير الإمام الخميني (22/9/1981) "تعبر الثقافة أساساً عن هوية ووجود هذا المجتمع ومهما كان هذا المجتمع قومياً من النواحي الاقتصادية والسياسية والصناعية والعسكرية فإن الانحراف الثقافي سيحوله إلى كيان خاوٍ وفارغ من أي اعتبار وقريب من السقوط، وإذا كان المجتمع مرتزقاً من الناحية الثقافية وتابعاً للثقافة العدوة، فسيكون مجبوراً على أن ينجَّر إلى جانب الأعداء من ناحية الأبعاد الأخرى للمجتمع، وسوف يستهلك أخيراً ويضيع شرفه في جميع الابعاد والنواحي"([10]).

 نحن أمام انهيار مجتمعي، سلوكي ومعياري كبير على مستوى القيم وعلى مستوى التجربة الحياتية اليومية. الأمة الإسلامية أمام انهيار منظم ومقنن بشعارات في ظل التطور التكنولوجي الغير منظم والمتفلت من حدود الضبط، وما رافق هذا التطور من تقدم المعلوماتية والإعلام الفضائي والإعلان، والثورة البيوكيميائية. لقد انتقل الإنسان كما يشير عباس مكي "من صدمة الطبيعة إلى صدمة تكنولوجيا الحضارة، أو من صدمة الانكفاء إلى صدمة الإنفلاش"([11]). لقد انتقل من صدمة إغراء الصناعة الثقافية إلى إغراءات صدمة الكارثة الطبيعية الاجتماعية: السلوك الجنائي الأخلاقي الفردي والمنظم([12])... انتقل من عولمة الاقتصاد إلى عولمة الاقتصاد الجنسي والاستغلال الجنسي تحت عناوين "السياحة الجنسية"([13]).

 هذه الوقائع تطرح تساؤلاً حول المصير الذي ينتظر الإنسانية. ما هي البدائل التي يمكن لها استرداد الكيان الإنساني المُستلب في ظل سعادة الوهم الذي ترسمه الحضارة الغربية؟ وما هي الاستراتيجيات البنَّاءة في إحاطة الهلع الذي تعيشه الإنسانية في ظل التطور التكنولوجي الغير منظم والمتفلت من حدود الضبط الأخلاقي والإنساني والديني؟؟..

 وما هي الآليات الدفاعية التي ممكن أن يتم توسلها لمجابهة المأزق الحضاري، وإقامة توازن بديل قادر على إخراج الإنسانية من القمقم الذي سجنتها فيه حضارة الهدر والقهر، ومن ثم إعادتها إلى فطرتها المثلى، إلى البعد القيمي والعملي، إلى حيث السعادة باعتبارها الغاية المنشودة لدى المجتمعات الإنسانية ولو تعددت مقوماتها وحالاتها؟..

"إن الليبرالية الغربية والشيوعية والاشتراكية وغيرها من المدارس التي جربتها الإنسانية أثبتت فشلها كما يشير السيد الخامنئي، والإسلام اليوم – كما في السابق – هو شاطئ النجاة السليم والبلسم الوحيد، وصوت الإسلام اليوم لا يزال كما كان قبل أربعة عشر قرناً يدعو البشرية، إذ يقول "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم"([14]) (المائدة: 16).

 هذه الوقائع وتلك التساؤلات تشَّكل محوراً إلى الدخول إلى عالم الإسلام بدستوره ومبادئه وأحكامه وشرائعه كنظام حضاري إنساني تبلور في كتاب كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتاب هو قرآن مبين وذكر للعالمين، فيه بيان وهدى للمتقين. كتاب كريم تفرَّد بقدرته على القيمومة دائماً، وقدرته على العطاء المستجد دائماً، وقدرته على الإبداع كونه يلتحم مع الواقع، يلتحم مع الحياة، يوجه البشرية، يحركها في المسار الصحيح كعملية تغيير عبَّر عنها القرآن الكريم بإخراج الناس من الظلمات إلى النور كما في قوله تعالى: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد" (إبراهيم: 1). فالقرآن الكريم كما يشير مرتضى مطهري يورد: كلمة الظلمات بصيغة الجمع ومقرونة بالألف واللام، لتدل على الاستغراق، فتشمل كل ضروب الظلمات، ولكنه يورد النور بصفة المفرد، وهذا يعني إن الطريق الصحيح واحد لا أكثر، بينما سبل الانحراف والضلال عديدة([15]). وعلى ضوء ذلك يتطلب الدخول إلى:

1-     الحضارة، تعريفها.

2-     الأوجه المظلمة للحضارة الغربية (العولمة).

3-     القرآن الكريم الدستور الأمثل للحضارة الإنسانية.

4-     الإسلام حضارة خالدة: (إطلالة مستقبلية).

 

1 - الحضارة، تعريفها:

 يثير مفهوم الحضارة تساؤلات متعددة حول منهجية وبنية هذا المفهوم، وبعده الدينامي في تحقيق مشروع بنيوي تاريخي، ديني، اقتصادي وثقافي تُحدَّد على أساسه طبيعة العلاقات التبادلات الإنسانية بما يحقق التوازن في إدارة الحياة النفسية الداخلية والحياة الواقعية العملية. وقد ظهرت تعريفات متعددة حول الحضارة منها: تعريف ول ديورانت على أنها "نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي وهي تتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية والثقافية والخلقية، ومتابعة العلوم والفنون. وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق"([16]). ويعرفها آرنولد توينبي في كتابه (دراسة التاريخ) على أنها "حصيلة عمل الإنسان في الحقل الاجتماعي والمناقبي، وهي حركة صاعدة وليست وقائع ثابتة وجامدة، أنها رحلة حياتية مستمرة لا تقف على ميناء ما"([17]).

 ويشير صموئيل هنتنغتون إلى تعريف برودل بأن الحضارة هي "فضاء، مساحة ثقافية، أنها توليف من خصائص وظواهر ثقافية"([18]). كما يشير إلى تعريف والرشتاين بأنها "سلسلة متميزة من العادات والبناءات والثقافة ذات الذيوع الواسع (الثقافة بشقيها المادي والمعنوي) والتي تشكل نوعاً من الكيان التاريخي، والذي يتعايش في آن واحد مع مظاهر أخرى متنوعة من هذه الظاهرة"([19]). والحضارة لدى داوسون هي "نتاج لعملية أصيلة متميزة من الإبداع الثقافي والتي هي عمل شعب بعينه"([20]). وهي لدى دوركايم وموس "نوع من البيئة الأخلاقية أو المعنوية تضم في جنباتها عدداً معيناً من الأمم، تمثل فيها كل ثقافة قومية فقط شكلاً معيناً من الحضارة ككل"([21]).

 ويرى سيد قطب أن الإسلام هو الحضارة موضحاً الأسس التي تقوم عليها هذه الحضارة وهي "العبودية لله وحده، والتجمع على آصرة العقيدة، واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة، وسيادة القيم الإنسانية التي تنمي إنسانية الإنسان لا حيوانيته... وحرمة الأسرة، والخلافة في الأرض على عهد الله وشروطه، وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون هذه الخلافة"([22]). ويذهب أبو الأعلى المودودي إلى أن الحضارة "هي مجموعة المناهج والقوانين التي قررها الله سبحانه وتعالى لكل هذه الشؤون والشعب المختلفة لحياة الإنسان"([23]). ويرى السيد محمـد باقر الصدر "أن الحضارة عبارة عن النظرة الأساسية التي ترجع بالنهايـة إلى تجسيد كامل للعلاقة مع الله في تفاعل الإنسان مع كل مجالاته الحيوية والكونية"([24]).

 ويشير مالك بن نبي إلى "أن حضارة ما؛ هي نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ. ويبني هذا المجتمع نظامه الفكري طبقا للنموذج الأصلي لحضارته، إنه يتجذَّر في محيط ثقافي أصلي يحدد سائر خصائصه التي تميزه عن الثقافات والحضارات الأخرى... الحضارة هي القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة، أنها جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره... وتضفي إرادة المجتمع وقدرته صفة الموضوعية على وظيفة الحضارة – وهي جملة العوامل المعنوية والمادية اللازمة لتنمية الفرد – وهي نفسها تتموضع في شكل سياسة، في صورة تشريع يمثلان إسقاطاً مباشراً لعالم الأفكار على الصعيد الاجتماعي الأخلاقي"([25]).

 ويشير صموئيل هنتنغتون إلى أن الديانة خاصية أساسية في التعريف بالحضارات، ويبين قول كريستوفر داوسون "إن أعظم الديانات هي التي تستند عليها الحضارات العظيمة"([26]).

 ويستخدم بعض العلماء كلمة ثقافة Culture مقابل كلمة حضارة، وهي تعني اصلاح الشيء وتهذيبه وإعداده للاستعمال، من هنا كلمة Agriculture أي إصلاح الأراضي وزراعتها. وبهذا المعنى الثقافة هي من تهذيب العقل ومن ثم فإن لفظ Culture يفيد طريقة شعب ما في الحياة ومجموعة أنظمته وكذلك نظرته إلى الحياة والكون"([27]). يشير هنتنغتون "بأن الثقافة أو الهوية الثقافية هي في أوسع معانيها الهوية الحضارية هي التي تشكل نماذج التماسك والتفكك"([28]). في حين يشير علي الشامي إلى "أن الحضارة تختلف عن الثقافة. حيث أن الحضارة تشكل الوجه الأكثر تطوراً وتقدماً للثقافة. أي أنها تعبر عن الثقافة في الوقت الذي تكون فيه هذه الأخيرة تعبيراً عن بلوغ جماعة ما لذروة تطورها واكتمال مسيرتها التاريخية... وتؤكد التعريفات المتنوعة واقعية هذا الاختلاف. فالحضارة تعني تغيراً نوعياً في طريقة الحياة الخاصة بجماعة ما في مرحلة تاريخية معينة. وتظهر الحضارة محكومة بمجموعة من القوانين تجعلها مختلفة عن الثقافة"([29]).

 وفي ضوء ما سبق؛ إن الحضارة تختص بمكان وزمان ولغة وثقافة، وتأتي في سياق نمو روحي وفكري وديني أو أخلاقي جديد يدفع الإنسان نحو عالم مغاير لما هو معاش، يبدأ بالانفعال الداخلي وانعتاق الذات واغتناء الوعي؛ ويتطور إلى حالة إبداعية تبرعم في أعقابها أزهار حضارة جديدة.

 إن الحضارة كتطور نوعي تفعل فعلها في المجتمع الذي تنبثق منه، وخاصة من حيث تجديدها للانتظام المجتمعي الخاص: إعادة بناء الذات وفق نظام جديد من القيم، تطوير وسائل الحياة بطريقة تعيد صياغة هذه الحياة في نظام آخر من العلاقات السياسية الاقتصادية والاجتماعية، بلورة أو اقتراح غايات تتناسب ونوعية الرؤية الجديدة والنظام الجديد على مستوياته المتعددة في التفكير والتأمل. وبينما تساهم الحضارة في تأسيس نظام الذات، فإنها تساهم أيضاً في قيام نظام عالمي للعلاقات بين الجماعات والدول دون أن تختزل أي منها كما يحدث في النظام العالمي الأمريكي الهادف إلى اختزال الآخر.

 يشير ريتشارد نيكسون "يعيش في الولايات المتحدة 5% من سكان العالم، ولكن ما نفعله يستطيع أن ينقل العالم كله إلى حال أفضل مما هو عليه الآن. لسنا مجرد ركاب في قطار التاريخ، بل نحن قادته، وأمامنا الفرصة المؤاتية لنصنع قرناً أميركياً ثانياً"([30]). ويعبر فوكومايا عن النظام العالمي بأنه تتويج لليبرالية والديمقراطية "أنه بالنسبة لقسم كبير جداً من العالم، ليست هناك ايديولوجيا تدعي الشمولية حالياً تكون في موقع يمكنها من منافسة الديمقراطية الليبرالية"([31]).

 يقول جون كالفن القائد الأعلى السابق لقوات حلف الأطلسي "إننا قد ربحنا الحرب الباردة، وها نحن نعود اليوم بعد 70 عاماً من الصراعات الضالة إلى محور الصراع القائم منذ 1300 سنة: أنها المجابهة الكبيرة مع الإسلام"([32]). وبهذا المعنى يقول ريتشارد نيكسون في كتابه (اقتناص اللحظة) "أن الإسلام سوف يصبح قوة جيو-سياسية متعصبة. فمن خلال نمو سكانه ومن خلال تبوأه مركزاً مالياً مهماً، سيفرض تحدياً رئيسياً يحتم تحالفاً جديداً مع موسكو للتصدي لعالم إسلامي معاد وعدواني... فالعالم الإسلامي عبارة عن حضارة ضخمة تبحث عن شخصيتها التاريخية"([33]). ويقول دان كويل نائب الرئيس الأميركي جورج بوش في خطبة ألقاها سنة 1990 في أكاديمية انا بوليس البحرية "إن الإسلام يشكل تهديداً للغرب مثل التهديد الذي كانت تمثله الشيوعية والنازية"([34]). ويرى هنتنغتون في كتابه( صدام الحضارات) بحرب حضارية عالمية بين الإسلام والغرب. وقال شمعون بيريز عام 1978 "لا يمكن أن يقوم السلام في هذه المنطقة ما دام الإسلام شاهراً سيفه، ولن نطمئن إلا إذا عاد السيف إلى غمده إلى الأبد"([35]).

 هذه الآراء تبين مدى الاختلاف ما بين ثقافة العولمة وثقافة الإسلام. فالعولمة هي نفي للآخر واختراقه ثقافيا اقتصادياً وسياسياً، هي محاولة فرض ثقافة واحدة تملك القوة المادية وتجهد للسيطرة على العالم. إنها كما يشير عبد الإله بلقزيز "فعل اغتصابي ثقافي عدواني رمزي على سائر الثقافات في سائر المجتمعات التي تبلغها العولمة"([36]).

 في حين أن الإسلام هو رسالة إنسانية عالمية يترفع عن التعصب الذميم مهما كان لونه. وكما يقول السيد محمد باقر الصدر "الدولة الإسلامية ليست اداة استعباد لغير المسلمين وعداوة لهم. بل هي رعاية للأخوة الدينية الخاصة وللأخوة الإنسانية العامة. وقد بلغ حرص الإسلام على هذه النظرية الإنسانية مبلغاً رائعاً لا نظير له"([37]) إن الإسلام هو مبدأ كامل يتكون من عقيدة كاملة في الكون ينبثق عنها نظام اجتماعي شامل لأوجه الحياة ويفي بأمس وأهم حاجتين للبشرية وهما: القاعدة الفكرية والنظام الاجتماعي. وهذا ما أعطى لهوية الإسلام صفة العالمية كما في قوله تعالى: "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سبأ: 28) والعالمية تعني الانفتاح على العالم والثقافات الأخرى مع الاحتفاظ بالخصوصية كما في قوله تعالى "يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم" (الحجرات: 13). العالمية تقوم على أساس تكريم للإنسان لقوله تعالى "ولقد كرَّمنا بني آدم" (الإسراء: 70). الإسلام يدعو البشرية بلغة القرآن الكريم، وبلسان القرآن الكريم الذي يقدم الدين لا بوصفه مجرد قرار تشريعي فحسب، بل يقدمه بوصفه سُنَّة من سُنَنَ الحياة والتاريخ ومقدماً أساسياً لخلق الله ولن تجد لخلق الله تبديلاً لقوله تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيِّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون". (الروم: 30).

الأوجه المظلمة للحضارة الغربية (العولمة):

1- اختراق منظومة الثقافة الإسلامية والهيمنة عليها وتذويب هويتها:

 يقول روجيه غارودي "يجب على شعوب العالم قاطبة أن تساهم راضية أو مرغمة في تحسين طريقة الحياة في الغرب، وفي تأمين احتياجاته وإشباع رغباته وربط مصيرها بمصيره، وخضوعها لمشيئته، وكأنما الله لم يظهر في صورة إنسان، وإنما في صورة إنسان غربي"([38]). لقد نجحت الحضارة الغربية، وبتعبير آخر العولمة، في اختراق منظومة الثقافة الإسلامية والهيمنة عليها وتذويب هويتها عن طريق حكام مسلمين في بلاد مسلمين أمثال رضا خان، وابنه محمد رضا خان في إيران، وكمال اتاتورك في تركيا اللذين جسدوا المثل الأعلى للإنسان الأوروبي المنتصر.

 لقد شهدت فترة حكم رضا خان محاولة جريئة لإعادة تشكيل إيران على ضوء مفاهيم الغرب وتجاربه في محاولة لاستلهام الليبرالية الاقتصادية، والطابع العلماني لنظام الحكم، وجملة مظاهر المدنية في التربية والاجتماع. لقد كان من انقلاب رضا خان عام 1920 – كما يشير محمد صادق الحسيني – والمدبر من قبل الانكليز في محاولة لإلحاق إيران بالمسيرة الاتاتوركية العلمانية، كجارتها تركيا المنسلخة من عصر الخلافة العثمانية، بما حملته من مساع حثيثة لمسخ هوية الدولة والمجتمع الإيراني ومحاولة جعلها مجرد تابع للغرب"([39]). لقد كان رضا خان علمانيا متطرفاً، فقد اندفع في معارضة المظاهر الدينية إلى حدود القمع. فأصدر جملة قوانين تربوية وتعليمية أقصى من خلالها رجال الدين في مجال التعليم الرسمي، ثم سلب سلطة المحاكم الشرعية منهم وحصر عملهم في الأصول الشخصية. وفي عام 1934، سن جملة قوانين حديثة حول الأوقاف، وتشدد في موضوع إقامة المجالس الحسينية ثم منع الحجاب، وحول التقويم من الهجري إلى الشمسي"([40]).

وبعد قرار عزل رضا خان من قبل الثلاثي تشرشل – ستالين – روزفلت والإتيان بابنه محمد رضا، بدأ فصل جديد في التغريب تحت عنوان الحرية، وأخرى معاكسة لها في الاتجاه ظاهريا لكنها من جنسها وجوهرها تحت عنوان الثورة والعدالة. فكان فصل الاشتراك بينها والقاسم المشترك الأعظم هو معاداة الدين والتدين والمتدينين، ومحاولة فصل عرى الدين عن السياسة في الأوساط الشعبية كما في الحوزات العلمية([41]). وهكذا بدأت مع محمد رضا خان مرحلة جديدة أبرز مظاهرها التدخل الأجنبي في مجمل الشؤون الإيرانية، وكان من آثاره دعم الدكتاتورية، والنهب المنظم للثروات والطاقات، والسعي إلى تحويل إيران إلى بلد علماني على شاكلة تركيا، من خلال القضاء على المظاهر الدينية والطقوس والشعائر ونفي الثقافة الإيرانية من ميراثها الإسلامي. لقد ابتلع الشاه محمد رضا شعبه وخيرات وطنه التي غدت أطباقاً تقدم على موائد الاستعمار والعملاء. "لقد سيطر على شاه إيران – كما يصفه الكتُّاب – الغرور نتيجة امتلاكه للعوائد النفطية الضخمة، واحتلال الجيش الإيراني لمكانة ومرتبة عالية بين جيوش العالم.. وكذلك تمتعه بالدعم العالمي، كل ذلك جعله يعيش حالة من الغرور والخيلاء أدى به أن يصرخ أنا الحكومة، والحكومة أنا. وكان يظن أن الحفاظ على السلطة واستتباب الأمر له مرتبطان بالقوى الأجنبية"([42]). وقد وصل الأمر بالشاه محمد رضا أن يرى بالانجازات الإسرائيلية انطباعاً ايجابياً لديه، وكان يرى أنهم قد اثبتوا مستوى عال من الكفاءة، وقد ألمَّوا بآخر التطورات التكنولوجية، فكان على استعداد للتعلم منهم خاصة فيما يتعلق بالأمن. وعليه انتقى بعض الضباط الأساسيين، بما في ذلك بعض أفراد الحرس الملكي وأرسلهم للتدريب في إسرائيل"([43]).

 ناهيك عن الامتيازات التي قدمها للشركات الأميركية والأوروبية في استثمار البترول وخيرات البلاد لصالح إشباع نزواته وشهواته التي وصلت حداً أن يتوج نفسه في شهر أكتوبر سنة 1967 في قصر الجوليتان؛ وقد أقام احتفالات عظيمة بتكاليف باهظة استمرت شهراً كاملاً. وقام بصنع تاج الشاه والملكة "برآريل" الصائغ الفرنسي، من الذهب، والذهب الأبيض وطعمه بالجواهر النفسية"([44]). كما يطالعك احتفال "برسبوليس" الذي أقامه الشاه في خريف 1971 بمناسبة مرور 2500 عام على الإمبراطورية الفارسية، على مدى الانبهار بالملك والبذخ والترف. حيث قدرت قيمة الاحتفال أكثر من مئتي مليون دولار. إلا أنه أعلن في الصحف أن التكاليف بلغت 133 مليون تومان فقط. وقد استمر هذا الاحتفال الذي حضره ما يقارب من ستة وثمانون ملكاً وأميراً ورئيس دولة أوروبية وأفريقية وعربية، ومن الولايات المتحدة، ودول الخليج، إضافة إلى رؤساء وزارة ونواب ووزراء خارجية([45]).

 هذه الثقافة التي لم تعد تنطق إلا بالانقباض والسأم دفعت الإمام الخميني أن يناشد بصرخة عالية: "إن الإسلام كاد أن ينسى، وكادوا أن يُقضى عليه، وكادوا يسحقون القرآن، ألا أن ثورتكم يا شبان ونهضتكم يا أبناء الشعب هي نهضة الهيتة أحيت القرآن، وأحيت الإسلام وأعطت الإسلام حياة جديدة([46]). وكانت الحياة للإسلام على ضوء نهج قرآني، وخروج الشاه ذليلاً من إيران حتى أن الولايات المتحدة لم ترحب باستقباله ووصل به الأمر، اتصال الامبراطورة فرح بمكتب الأمير صدر الدين آغا خان رئيس هيئة الإغاثة الدولية للاجئين بالأمم المتحدة في جنيف تطلب منه أن تصدر لهم الأمم المتحدة جوازات سفر تابعة لها أو تُصَّدرها لهم باعتبارهم لاجئين([47]). إن في ذُّل نهاية الشاه يتبلور مفهوم الآية القرآنية "ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون" (القصص: 74) إلى قوله تعالى: "فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليث لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظِّ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلَّقاها إلاَّ الصابرون فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين" (القصص 79 – 80 – 81).

 وفي تركيا حاول مصطفى كمال أتاتورك عبر سلسلة محسوبة بدقة من الاصلاحات في العشرينات والثلاثينات أن يزحزح شعبه بعيداً عن الماضي العثماني والإسلامي، ثم أعلن نفسه سلطاناً، وأسسَّ نظاماً جمهورياً للسلطة السياسية على نمط غربي. ألغى الخلافة المصدر المركزي للسلطة الدينية، وأنهى التعليم التقليدي والمناصب الدينية، والغى المدارس والمعاهد الدينية المنفصلة، وأسس نظاماً علمانياً للتعليم العام، واستغنى عن المحاكم الدينية التي طبقت القوانين الإسلامية، واضعاً محلها نظاما قانونيا جديداً مبنياً على القانون المدني السويسري. والغى الإسلام كدين رسمي في الدولة، وقرر أن تكتب التركية باستخدام الحروف الرومانية بدلاً من العربية. وبعد الحرب العالمية سعى إلى تحقيق عضوية حلف الاطلنطي في عام 1952. وطالب في الدخول في عضوية الاتحاد الأوروبي"([48]). وليس غريباً أن يؤدي هذا الانصهار في قيام اليهودي حفيد مرزحي عام 1923 بافتتاح البرلمان التركي بقوله: "نحن الآن في القرن العشرين لا نستطيع أن نسير وراء كتاب – يعني القرآن الكريم – يبحث عن "التين والزيتون" "فصفق له الدونمة وقالوا: سلمَّنا البلاد لأيدي اتاتورك الأمين، وتركنا الكعبة للعرب. وبالفعل قام أتاتورك بإلغاء كل ما يربط تركيا بالإسلام من قريب أو بعيد"([49]).

2- التداعي الشامل لتطلعات الرفاه الاجتماعي والاقتصادي تحت تأثيرات الوعد بمستقبل سعيد واهم:

 إن سيطرة القطب الأوحد القائم على أسبقية المنطق الاقتصادي في إعادة تنظيم العلاقات الدولية، وفاعليته في تحقيق الانسجام بين مصالح الجماعات والشعوب تحت شعارات براقة، أدى إلى بروز تحديات غير مسبوقة أمام المجتمعات الإنسانية التي تفتقر القدرة على التنافس والصراع مع الحياة وتحدياتها. وهذا بدوره أدى إلى:

2-1- على المستوى الاقتصادي:

 سيطرة الشركات الضخمة على أسواق العالم. يشير الجبالي "... تتقاسم خمسة بلدان رئيسية هي: الولايات المتحدة، واليابان، وفرنسا، والمانيا، وبريطانيا فيما بينها 172 شركة من أكبر مائتي شركة في العالم. وكما توضح بيانات التجارة العالمية أن حصة الولايات المتحدة وحدها تعادل خمس حجم التجارة العالمية، وأن البلدان الخمسة المشار إليها تتقاسم نصف حجم التجارة العالمية"([50]). وتبعا لبيانات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هناك 358 فرداً تساوي ثروتهم النقدية حجم الصادر الذي يعيش عليه مليار وثلاثمائة مليون شخص فقير في العالم"([51]).

 وعلى مستوى توزيع المنافع بين البلدان ولدَّت العولمة حصائل غير متوازنة فيما بينها. فالبلدان الصناعية بما لها من ريادة في مجال التكنولوجيا كانت مهيأة بصورة أفضل للحصول على مزايا كبيرة من تزايد عولمة الاقتصاد العالمي. وعلى طرف النقيض من ذلك، فإن البلدان الأقل نمواً هي أسيرة دورة مفرغة تتشابك فيها المقومات ومنها الفقر، والأمية، والحرمان([52]). وتشير التوقعات الحالية لمؤتمر العمل الدولي، إلى استمرار الزيادة في التباين في المداخيل على الصعيد العالمي، وهذا يؤدي في أسوأ الحالات إلى انعدام الاستقرار الاجتماعي، والعنف، وارتفاع معدلات الجرائم، وانخفاض العمر المتوقع، ويتوقع تقرير اتجاهات العمالة العالمية لمنظمة العمل الدولية زيادات حادة في البطالة([53]). ويشير تقرير للأمم المتحدة بأن مؤشرات الشباب والنوع الاجتماعي هي مدعاة "قلق حقيقي"([54]). وقد نشر البنك الدولي عام 2008 دراسة كشفت بأن قرابة 829 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر من الإناث، و 522 مليون شخص من الرجال([55]).

2-2- على المستوى الاجتماعي:

 يبين عبد القادر عبد الله العرابي أن الليبرالية "فتحت شهية الفقراء والأغنياء على الكسب على حد سواء بغض النظر عن طريقة الكسب، وهذا ما يسميه عالم الاجتماع الأميركي "بالانحراف الإبداعي" بمعنى أن الناس يتطلعون إلى الكسب، لكن ظروفهم الاجتماعية تعوق ذلك، فيبتدعون وسائل غير شرعية للحصول على المال. وهنا لا يوجد مال وسخ ونظيف، ولكن توجد قيم وسخة ونظيفة"([56]).

 لقد مهدت الحضارة الغربية (العولمة) بإيديولوجيتها الليبرالية بتهميشها للقيم والثقافة إلى بروز اللامعيارية المجتمعية. لقد اهتزَّت كل القيم والمعايير الاجتماعية، وتشهد نوعاً من الميوعة لأنها تواجه قيم الكسب والمنفعة. إن تنامي الجريمة المنظمة يعبر عن حقيقة أساسية وهي تلاشي المنظمات الايديولوجية، لتحل محلها المنظمات والعصابات المافياوية. لقد تبدلت القيم التقليدية والروحية لصالح القيم المادية والمصالح الفردية وأصبح من يتمسك بتقاليده وثوابته مغترباً في مجتمعه. ولخوف الفرد من فقدان شعوره بالتماثل الاجتماعي، أصبح يتغاضى عن تقاليده وثقافته وموروثاته. إن الأزمة العالمية كما يشير العرابي هي "أزمة قيم"([57]).

 نحن أمام ظاهرة كبيرة تشغل الناس وتملأ العصر. إن تنامي ظاهرة المتاجرة بالأطفال، والنساء، والمخدرات، والجريمة المنظمة وما يرتبط بها من غسل الأموال، والمافيا التكنولوجية الذكية؛ تختصر فجور وجسارة مفاهيم هذا العصر. وتفيد تقديرات منظمة العمل الدولية بأن قرابة 218 مليون طفل يمارسون عمل الأطفال، ويزاول 127 مليون طفل منهم عملاً خطيراً، بينما أرغم أكثر من 8 ملايين على العمل في سياق الاتجار بالأطفال، أو كجنود أطفال، أو كعمال سداد دين، أو في ظروف الاستغلال الجنسي. وتشير التقارير بأن مليوني طفل في العالم يقعون ضحايا الاستغلال الجنسي لاغراض جنسية، الذي يرتبط جزء كبير منه بالترفيه والسياحة([58]).

 كما أن الأسرة وتبعاً لثقافة الحضارة الغربية مقبلة "لا بل أنها تعيش" فوضى تبادلية علائقية عارمة لن تجد لها حلاً إلاَّ في العزلة والانفجارات. إن الأسرة ومع تنامي ظاهرة النمو الحضاري وكنتيجة حتمية لحركة التغيير الاجتماعي تتجه نحو التفكك. لقد أصبحت تعيش تحت إرهاصات الحضارة الحديثة، وما تفرزه من مآزم نفسية وضغوطات بالغة التعقيد، تعيش هزَّة اجتماعية، اقتصادية، ثقافية عميقة، تتنازعها الهبات التجاذبية للأصالة والتجديد، مما أفقدها وظيفتها ومكانتها كقوة مؤثرة في تنشئة أبناءها. كما وأنه نتيجة لحركة التغيير التي تنادي بها الحرية برزت ظاهرة الجنسية المثلية (زواج الشاذين جنسياً). فقد بذلت جهوداً واسعة النطاق على المستوى الرسمي في الولايات المتحدة لدعم الدفاع عن حقوق مثليي الجنس وحمايتهم. وقد أقرت العديد من الدول الأوروبية، كذلك في بعض الولايات المتحدة قانون الزواج، والتوريث  لمثليي الجنس.

 نحن أمام دينامية بالغة التعقيد تتجه إلى تدمير ونسف الخصوصية الذاتية للبشرية (ذكور، وإناث) بإحلال ظاهرة التبنيِّ على حساب تحديد النسل تحت شعارات الصحة الإنجابية، إنها تحدِّ خطير على مستوى القيم والموروث الثقافي والديني. كما أن بيئة التكنولوجيا المعاصرة بمشاريعها الجريئة في مشاريع "تصنيع الحياة البشرية" المؤدية إلى أنماط أسرية جديدة، تطرح المسؤولية الأخلاقية حول اختلاط الانساب. كما أن بيئة التكنولوجيا المعاصرة أدخلت المرأة في دائرة المجتمع المأزوم الذي تنادي به الحضارة الغربية من خلال المساواة بين الجنسين.

 إن المرأة تعيش في الوقت الراهن في ظل حركة الانعتاق الموهوم وفي ظل معايير التحرر الغير مشروط التي تنادي بها العولمة والتي لم تحقق سوى استلاباًً لقيمة المرأة. لقد اثبتت الوقائع والظاهرات الاجتماعية أن المرأة بدلاً من الحصول على مكانة تحقق لها الارتقاء الإنساني الذي يمهد السبيل لبناء نوعية حياة راقية، ومتجددة، وخلاَّقه، لقد تحولت إلى "شيء ما" بدلاً من "كائن ما". لقد اختزلت المرأة في ظل المفاهيم السائدة إلى صورة جسد يشكل أحد مقومات اقتصاد السوق في عصر العولمة "لقد تحول الجسد كما يشير عباس مكي، "من خصوصية وحميمية تبحث عن المتعة الحلال، إلى جسد بارد، يعمل كطاقة تبادل اقتصادية بالترغيب والترهيب: وبهذا يتم الانتقال بصورة الجسد من مهارة اقتصاد الإنتاج إلى مهارة اقتصاد الجنس"([59]).

 إن واقع المرأة في ظل الحضارة الغربية يعكس الرؤية الحقيقية للعولمة الهادفة إلى إعادة بناء هيكلية المجتمعات العربية والإسلامية تبعاً لثقافتها الخاصة، حيث أن المرأة في جوهرها مستودع الموروث الثقافي الديني والحضاري. وكما يقول الإمام الخميني "إن المرأة إنسانة، بل إنسان عظيم، وهي مربية للمجتمع، ومن أحضان المرأة يولد الرجال، إن سعادة البلدان وشقائها منوطان بوجود المرأة"([60]).

- القرآن الكريم الدستور الأمثل للحضارة الإنسانية

 إن الأمة الإسلامية أمام دينامية كبرى بالغة التعقيد تتجه إلى نسف وتدمير رموز ومعاني الهوية الإسلامية في مختلف مستوياتها. الأمة الإسلامية أمام تحد خطير على مستوى القيم والموروث الثقافي والديني.

 لقد أثبتت الوقائع بأن الحضارة الغربية لم تحقق نوعية الحياة الإنسانية الكاملة والمتوازنة. وهي وإن أصبحت – برموزها المتمثلة بالعولمة، والانفتاح على العالم الكوني القائم على قانون القوة والاقتدار في سياق فراغ أخلاقي – أمراً واقعاً لكنها ليست حتمية، حيث أن التاريخ في حركة وتطور مستمر، والحضارة الغربية هي جزء من هذا التطور. وهذا يعني أن المجتمعات الإنسانية قادرة على التغيير، خاصة المجتمعات الإسلامية كونها تمتلك رصيدا ثقافيا حضاريا غنيا يُعزِّز مناعتها في المحافظة على خصوصيتها وهويتها، وبالتالي تجاوز مخاطر وسلبيات الحضارة الغربية. وهذا ما أشار إليه وليام ماكنيل "إن إعادة توكيد الإسلام مهما كان نوع شكله الطائفي، يعني رفض النفوذ الأوروبي والأمريكي على المجتمعات المحلية"([61]).

 إن الحضارة الإسلامية التي وجه دينامياتها القرآن الكريم في أبعادها المختلفة استطاعت كما يبين كريستوفر دوسن في كتابه (تكوين أوروبا) "أن تحتفظ بمركز الصدارة منذ أوائل العصور الوسطى فصاعداً، لا في الشرق فحسب، بل كذلك غرب أوروبا. إذ نمت الحضارة الغربية في ظلال الحضارة الإسلامية التي هي أكثر منها رقياً وقتذاك، وكانت الحضارة الإسلامية العربية – لا البيزنطية – هي التي ساعدت العالم المسيحي في العصور الوسطى على استرداد نصيبه من التراث اليوناني العلمي والفلسفي"([62]).

 "إن الأصالة وإحياء الدين كما يبين صموئيل هنتنغتون، ظواهر عالمية وقد صارت أكثر وضوحاً مع ذلك في التشدُّد الثقافي والتحديات في مواجهة الغرب التي بدأت تأتي من أسيا ومن الإسلام. وهذه أصبحت الحضارات الحيوية في الربع الأخير من القرن العشرين. التحدي الإسلامي يبدو ظاهراً في إعادة الإحياء الشاملة الثقافية، والاجتماعية، والسياسية للإسلام في العالم الإسلامي، والرفض المصاحب له للقيم والمؤسسات الغربية"([63]).

 إن الاستسلام والهزيمة أمام الحضارة الغربية هما من العوامل المساعدة لامتداد ثقافة السيطرة والاستغلال والاحتواء. فالمجتمع الإسلامي كما يشير مالك بن نبي "مدعو لأن يستعيد تقاليده العليا ومعها حسن الفعالية.. أن يدافع عن عالمه الثقافي ضد روح التلقين في هذا العصر، ولا يكفي أن نعلن عن قدسية القيم الإسلامية؛ بل علينا أن نزودها بما يجعلها قادرة على مواجهة روح العصر. وبكلمة واحدة ينبغي العودة ببساطة إلى روح الإسلام نفسها"([64]). العودة إلى مبدأ ثقافي تأسس بالقرآن الكريم: "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين" (الانعام: 162). والعودة إلى كتاب الله الذي عرفه الإمام جعفر الصادق (ع): "لقد تجلى الله لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون"([65]). ويعلق الشيخ الوحيد الخرساني على ذلك بقوله: "هذا هو القرآن، إنه تجلِّي لمثل هذه الذات [الإلهية] بجميع أسماء جماله وكماله، وجميع أسمائه الجلالية... هل عرفنا أي شيء ترك لنا (رسول الله e) حين قال: كأني دعيت فأجبت، وإني تارك فيكم الثقلين أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهم. هذا هو الحبل والحرف الرابط بين الخلق والخالق. إن هذا الذي بين الدفتين والجلدين، يشكل التجلِّي التام للألوهية"([66]).

 إن الأمة الإسلامية أمام تحد كبير في مواجهة الوجه الخفي والمظلم للحضارة الغربية، من خلال إعادة التعامل مع مبادئها الإسلامية، وتقييم واقعها على ضوء الكتاب، والسُّنة، ومدرسة آل البيت (عليهم السلام)، وتحديد مواطن الخلل وأسبابه. إن التحدي هو في مدى القدرة على تفكيك عناصر الحياة في المشروع الغربي وإعادة تركيبه على هدي القرآن الكريم ومبادئه، كون الإسلام كما يرى مراد فلفريد هوفمان "لا يطرح نفسه بديلاً للمجتمعات الغربية بعد الصناعية، أنه بالفعل هو البديل الوحيد"([67]). والإسلام كما يقول كنت Kant "إذا كان ولا بدَ للإنسانية أن تعود إلى دين وضعي – أي علمي – يتمشى ومتطلبات العصر، فلن تجد إلا الإسلام"([68]) كما أن روجيه غارودي يبين بأن "الإسلام المنقذ الوحيد للعقل الحائر"([69]). ويرى المؤرخ الألماني أوزالد شبنغلر في نظريته القائلة بأن للحضارات دورة حياة كاملة (نشوء – ازدهار – احتضار) "أن الحضارة الغربية قد جاوزت مرحلة الازدهار. ودخلت مرحلة الترف الحضاري والانهيار... وهو انهيار حتمي لا مفر منه"([70]).

 إنَّ أساس المشكلة التي تواجه العالم الراهن تتمثل في الاصطدام ما بين المادة والدين، في عدم التناسب في عملية التغيير التي أشارت إليها الآية الكريمة "إن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يُغيَّروا ما بأنفسهم" (الرعد: 11)، ويُبين السيد محمد باقر الصدر أن "المحتوى الداخلي النفسي الروحي للإنسان هو القاعدة، والوضع الاجتماعي هو البناء العلوي، لا يتغير هذا البناء العلوي إلا وفقاً لتغير القاعدة، إن هذه الآية تتحدث عن علاقة معينة بين القاعدة والبناء العلوي، بين الوضع النفسي والروحي والفكري للإنسان، وبين الوضع الاجتماعي، بين داخل الإنسان وبين خارج الإنسان، فخارج الإنسان، يصنعه داخل الإنسان، مرتبط بداخل الإنسان، فإذا تغير ما بنفس القوم، تغير ما هو وضعهم، وما هي علاقاتهم وما هي الروابط التي تربط بعضهم ببعض"([71]). ويرى السيد محمد باقر الصدر "أن عملية التغير فيها جانبان: الجانب الأول، جانب المحتوى والمضمون، هذا الجانب من عملية التغيير جانب رباني، جانب إلهي سماوي، يمثل شريعة الله سبحانه وتعالى التي نزلت على النبي محمد (ص) لكن هناك جانب آخر لعملية التغيير التي مارسها النبي(ص) وأصحابه الأطهار بوصفها عملية اجتماعية متجسدة في هذه الصفوة، وبوصفها عملية قد واجهت تيارات اجتماعية مختلفة من حولها واشتبكت معها في ألوان من الصراع والنزاع العقائدي والاجتماعي والسياسي والعسكري... ولهذا نرى أن القرآن الكريم حينما يتحدث عن الجانب الثاني في عملية التغيير يتحدث عن أناس، يتحدث عن بشر تتحكم فيهم القوانين.. يتحدث مع البشر في ضعفه وقوته، في استقامه وانحرافه، في توفر الشروط الموضوعية له وعدم توفرها([72]).

إنَّ أزمة المجتمع الغربي روحانية وليست مادية، وهذا ما عبر عنه قبل ثلاثة عقود الإمام الخميني في رسالة توجه بها إلى غورباتشوف رئيس المجلس الأعلى لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية "... حضرة السيد غورباتشوف! ينبغي الالتفات إلى حقيقة، أنَّ مشكلة بلدكم الأساسية لا تكمن في قضايا الملكية والاقتصاد والحرية، بل أن مشكلتكم تكمن في فقدان الايمان الحقيقي بالله، وهي نفس مشكلة العالم الغربي التي قادته أو ستقوده إلى الانحطاط والطريق المسدود. إن أزمتكم الحقيقية تكمن في محاربتكم الطويلة والعقيمة لله ولمبدأ الوجود والخلق.. حضرة السيد غورباتشوف! لقد اتضح للجميع أن البحث عن الشيوعية يجب أن يتوجه - من الآن فصاعداً – إلى متاحف التاريخ السياسي العالمي، لأن الماركسية لا تُلبِّي شيئاً من احتياجات الإنسان الحقيقية... حضرة السيد غورباتشوف: إن القرآن المجيد ينتقد أساس الفكر المادي، ويقول للذين يظنون عدم وجود الله لعدم إمكان رؤيته حيث يقول القرآن على لسان هؤلاء: "لن تؤمن لك حتى نرى الله جهرة" (البقرة: 55)، ويجيبهم القرآن: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" (الأنعام: 103)... حضرة السيد غورباتشوف! أطلب منكم أن تحققوا بدقة وجدية حول الإسلام، ليس لأن الإسلام والمسلمين بحاجة إليكم، بل لما يتضمنه الإسلام من قيم سامية، ولما يمتاز به من شمولية؛ بحيث يستطيع أن يكون طريقاً لراحة وإنقاذ الشعوب، وحل كافة الأزمات الاساسية التي تعاني منها البشرية...

 وعلى أي حال فإن بلدنا – وكما كان في السابق – سيظل يؤمن بمبادئ حسن الجوار والعلاقات المتكافئة، ويحترم هذه المبادئ"([73]).

 وفي ذلك يشير موريس بوكاي: "ليس القرآن كتاباً يهدف إلى عرض بعض القوانين التي تتحكم في الكون، إن له هدفاً دينياً جوهرياً، وأوصاف القدرة الإلهية هي المناسبة الرئيسية في توجيه الدعوات للبشر أن يتأملوا في أعمال الخلق"([74]).

 إن الإسلام تبعاً للنهج القرآني وكما يشير السيد محمد باقر الصدر "هو التنظيم الوحيد الذي يملك الاطار الديني اللازم لحل المشكلة (التناقض المستقطب بين حب الذات والدوافع الشخصية من ناحية، والمصالح العامة للجماعة من ناحية أخرى)، والقادر - حين يتسلم زمام القيادة والإمامة الاجتماعية في العالم – أن يضع حداً لألوان الصراع المسعور بين المصالح الخاصة على كل المستويات"([75]).

 إن عظمة رسالة النبي الأعظم محمد (ص) بدأت مع نزول القرآن "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عِوَجاً قيِّماً ليُنذر بأساً شديداً من لَّدنه ويُّبشِّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً" (الكهف 1 – 2)، وبدأت عظمة القرآن مع كلمة "إقرأ" (العلق: 1)، كلمة هي فيض إلهي من التوعية والاعداد الفكري والروحي لِتَّحمُل مسؤوليات القيادة لأنبل وأطهر رسالة في تاريخ الإنسانية. كلمة "إقرأ" بداية انفتاح في حياة النبي الأعظم محمد (ص)، إنها ميلاد أمة كقوة رائدة للبشرية، إنها يوم تجديد الإنسان وإنشائه إنشاءً آخر على هدى تعاليم رسالية إلهية في كتاب مسطور أنزل على قلب محمد (ص). كلمة "إقرأ" هي تاريخ تحرير الإنسانية من كل العبودية الزائفة، ورسم حضارتها على نحو تَمثُّل الإحساس بالقيم الموضوعية للعدل والحق والقسط والايمان بعبودية الإنسان لله تعالى التي تحرره من عبودية غير الله تحت شعار "لا إله إلا الله".

 إن كلمة "إقرأ" خطت للبشرية القاعدة التي تعمل على محاربة الاستغلال والظلم والطغيان؛ تعيد الشروط الضرورية لممارسة الخلافة العامة على الأرض وتحقيق أهدافها التي شرعتها الاديان السماوية، من خلال إعداد نفسي وروحي للجماعات الإنسانية، إنها تربية ثورية وخلقية لتعيد للإنسان فطرته التي فطر الله الناس عليها "فأقِم وجهك للدين فِطرَت اللهِ التي فَطَر الناسَ عليها لا تبديل لِخَلقِ الله ذلك الدين القيِّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (الروم: 30).

 إن كلمة "إقرأ" هي خاتمة واسطة النبي الأعظم محمد (ص) بين السماء والأرض، مزَّقت ظلمات الجاهلية، حررَّت الإنسانية من القيود والاغلال والاستعباد "ويضع عنهم إصرَهُم والأغلال التي كانت عليهم. (الأعراف: 157)، أعطت الإنسانية حياة سعيدة ترفعها في مراقي الحضارة والكمال. إنها فاتحة نبوة محمد (ص) التي سحقت صنمية الإنسان قبل أن تسحق صنمية الحجر؛ فكانت إيقاظاًَ لغفلة، وهداية لضال، ونوراً بين يدي مؤمن. فالنبوة كما يبين السيد محمد باقر الصدر "ظاهرة ربانية تمثل رسالة ثورية وعملاً تغييراً، واعداداً ربانياً للجماعة لكي تستأنف دورها الصالح. وتفرض ضرورة هذه الثورة أن يتسلم شخص النبي الرسول الخلافة العامة لكي يحقق للثورة أهدافها في القضاء على الجاهلية والاستغلال، ويبين القاعدة الثورية الصالحة، لكي يمُّن الله عليهم ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين ".. فالذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه أولئك هم المفلحون" (الأعراف: 157)([76]). ودعوة النبي الأعظم محمد (ص) لم تكن محددَّة بمكان ولا بزمان لقوله تعالى "يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً" (الأعراف: 158) وقوله عزَّ وجَّل "تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً" (الفرقان: 1).

 إن دعوة النبي (ص) المتوجه بالقرآن الكريم رسمت للإنسانية المكان الذي تستقر فيه وهو "العالم". وهذا ينطبق على الزمان حيث أن القرآن الكريم يوحد الزمن كله. وهو وإن بدأ مع البعثة النبوية إلا ليؤكد استمرارية الحركة التاريخية التي قرَّر الله بدايتها مع النبي آدم" (عليه السلام)، وتنتهي مع النبي الأعظم محمد (ص)، لكي يواصل دعوة البشرية إلى متابعة المسيرة كما فعل إسلافه من الأنبياء، باتجاه توحيدي: وحدة الإلوهية، وحدة المراحل التاريخية في مسارها نحو الغائية الإلهية، وحدة البشرية في مسيرتهم الوجودية والتاريخية نحو تحقيق الكمال الإلهي على الأرض.

 على هذا النحو جاء النبي الأعظم محمد (ص) إنساناً قبل البعثة وبعدها، ميزانه العدل، "كلمته الفصل لا الهزل، موقفه المبدأ، صنعه الله على عينه، فاختصر الإنسانية بأنبياءها خلال كل عصورها، إنه يغنيها عنهم ولا يغنوها عنه. فالشخصية المحمدية بالنسبة للرسل تغنينا عن الكُّل، لأنها صورة الكُّل في مرآة الكُّل"([77]).

3-1- الهداية القرآنية: حقيقة الكمال الإنساني:

 مما لا شك فيه أن القرآن نزل إلى السماء الدنيا لكي يُعرف ويُتَدبَّر في آياته الكريمة والتفكير بها والعمل بها لقوله تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبَّروا آياته وليتذَّكر أولوا الألباب" (ص: 29). إنه كتاب هداية، لا بل عين الهداية كما يشير عبد الله جواد الآملي: "القرآن عين الهداية، فإذا كانت حقيقة القرآن مع الإنسان فسوف يهتدي، وعندها لا يكون عرضة لأي نوع من الضياع، وفي النهاية لا يصيبه أي خوف أو قلق"([78]). والقرآن الكريم كما يشير محمد مهدي الأصفي، "هو صراط الله الذي رسمه لعباده. وهذا هو الصراط الوحيد الذي يوصل الإنسان إلى الله تعالى، وهو يتطابق بشكل دقيق مع فطرة الإنسان..، وهو لذلك قيِّم على الإنسان ومهيمن عليه بكل أبعاده لقوله تعالى: "إنَّ هذا القرآن يهدي للَّتي هيَّ أقوم ويُبِّشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنَّ لهم أجراً كبيراً" (الإسراء: 9) والأقوم هو الأكثر قيمومة وهيمنة على الإنسان... ويصف القرآن هذا الصراط الذي يهدي إليه القرآن بالنور تارة، وبالبرهان تارة أخرى"([79]).

 يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع): "كتاب الله بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعزُّ لا تُهزم أعوانه([80])... ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه: ألا أن فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دواءكم، ونظم ما بينكم([81])... ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تطفأ مصابيحه، وسراجاً لا يخبو توقده، وبحراً لا يدرك قعره، ومنهاجاً لا يضَّل منهجه، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه، وفرقانا لا يخمد برهانه، وتبياناً لا تهدم أركانه، وشفاء لا تخشى أسقامه، وعزَّا لا تُهزم أنصاره، وحقَّا لا تخذل أعوانه. فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، جعله الله ريَّا ونوراً ليس معه ظلمة وحبلاً وثيقاً عروته، وعزَّا لمن تولاه، وسلماً لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وعذراً لمن انتحله، وبرهاناً لمن تكلم به، وشاهداً لمن خاصم به... وعلماً لمن وعى، وحكما لمن قضى"([82]).

 فالإسلام وبناءً للمنهج القرآني هو مبدأ كامل لأنه يتكون من عقيدة كاملة في الكون ينبثق عنها نظام إجتماعي شامل لأوجه الحياة ويفي بأمس وأهم حاجتين للبشرية وهما: القاعدة الفكرية والنظام الإجتماعي"([83]).

3-2- منهج القرآن الكريم: المثل الأعلى لمنظومة الحضارة الإنسانية:

 إن فرادة وتميزُّ القرآن الكريم، لا بل إعجازه أنه جاء بدستور وتعاليم آلهية تتكامل وتتلاءم بين الجانب العقائدي والعاطفي والسلوكي، دستور قادر على إيجاد الحلول التي تعترض البشرية في كافة مستوياتها المادية والروحية وصولاً إلى تحقيق الحق والعدل والأخذ بالإنسانية في مراتب المثل العليا القادرة على تحقيق السلام والأمن والسعادة. وقراءة في مبادئ تلك الحقيقة العظمى التي أرست للحضارة الإنسانية المُثلى، والمعنى الأتم للحق والإيمان وعلى مقولة مارسيل بوازار M. Poizar "إن القرآن لم يُقدَّر قَّط لإصلاح أخلاق عرب الجاهلية، إنه على العكس يحمل الشريعة الخالدة والكاملة والمطابقة للحقائق البشرية والحاجات الاجتماعية في كل الأزمنة"([84]). ويتجلَّى النهج القرآني في:

أ- التوحيد:

 وهو جوهر العقيدة الإسلامية "لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموماً مخذولاً" (الإسراء: 22)، "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" (البقرة: 255). "صبغةَ الله ومن أحسنُ من الله صبغةً ونحن له عابدون" (البقرة: 138). بالتوحيد يحرر الإسلام الإنسان من عبودية غير الله، ويرفض كل أشكال الإلوهية الزائفة، وهذا هو تحرير الإنسان من داخل (والذي يعرف بالجهاد الأكبر)، ثم يُقرَّر كنتيجة طبيعية لذلك التحرر من أي مالك سوى الله تعالى؛ وهذا تحرير الإنسان من خارج (والذي يعرف بالجهاد الأصغر)، وهذا الجهاد لن يحقق أهدافه العظيمة إلا في إطار الجهاد الأكبر. من هنا كان الإسلام الذي كافح من أجله الأنبياء ثورة اجتماعية على الظلم والطغيان، وعلى كل ألوان الاستغلال والاستعباد. وكما يشير السيد الخامنئي "التوحيد يعني خلاص الإنسان من العبودية والطاعة والتسليم لأي شيء أو شخص سوى الله، ويعني تحطيم كل قيود النظام السلطوي الانساني، ويعني كسر سر الخوف من القوى الشيطانية والمادية. ويعني الاعتماد على الطاقات المطلقة التي أودعها الله في وجود الإنسان وطلب منه الاستفادة منها كفريضة لا يمكن التخلف عنها. أنه يعني الاعتماد على الوعود الإلهية بانتصار المستضعفين على الظالمين والمستكبرين في شريطة القيام والكفاح والثبات، ويعني التعلق القلبي بالرحمة الإلهية وعدم الخوف من احتمال الهزيمة"([85]).

 إن الرؤية الكونية المرتبطة بمبدأ متعال، مبدأ الفاعلية المعرفية للتوحيد المرتكزة إلى افتراض وجوده؛ على أساسها تنظم الميول والدوافع المادية والمعنوية التي تقود الإنسان إلى جميع آماله وطموحاته وأهدافه، وتحقق له غايات وجوده، وتنظم علاقاته بما يُلبِّي متطلبات نظرته ومقتضيات طبيعته. إن التوحيد "ضابط وموجه، يرسم الهدف الواضح للإنسان في تجربة وجوده، ويقنن له استخدام إمكاناته وطاقاته، ويرسم له حدود القوانين الكلية التي تكفل بلوغ كمالاته من أوثق سبلها، ويضبط إيقاع سيره وتكامله في حدود علاقة منتظمة في ما بينها، وفي ما بينها وبين العالم وأشيائه وعناصره، في انسجام تام مع قوانينه. ولقد يتأتى ذلك على الدوام في التدخل المباشر للمبدأ الأول في صياغة ضوابط عملية وتشريعات، عبر إرسال الأنبياء للممارسة والهداية والإرشاد والتوجيه، وضبط إيقاع الحراك البشري، وتنظيم الطاقات والقدرات والإمكانات... مستنفذة كل ذلك في سبيل كمالها الإنساني، وغاياتها السامية، وسعادتها الكلية"([86]).

 والرؤية التوحيدية كما يرى مطهري لا تنعكس في مستوى العمل إلا بالإيمان، ذلك أن الفكرة المحضة وحدها لا تولد اندفاعاً، ولا إحساساً بالالتزام والمسؤولية. فالإيمان الراسخ العميق بالفكرة.. هو الذي يجعل الفكرة تعاش وتكابد وتستلهم وتحيا وتمتلك وتلتقط، وتترجم فيما بعد تأثيراً عميقاً في جوهر الإنسان وتكوينه الداخلي، وتجربة سلوك وعيش في مدى الممارسة والفعل أو بعبارة مسؤولية والتزاماً... ولقد يتجلى الايمان في مستوى التوحيد في الإطار النفسي للإنسان.. (وتتجسد هذه العلاقة في سموها) في العبادة باعتبارها نزوعاً نحو علاقة مباشرة مع الله، وحوار فريد مع قداسته، وتمثل فائق لجماع صفاته... فإن أول تأثير لله في حياة الإنسان هو تأثير نفسي وسلامة نفسية، تتجسد في وحدة النفس وتناسقها وانسجامها. إن الله في حياة الإنسان يساوي وحده نفس الإنسان، ويساوي التناسق النفسي، ونجاة الإنسان من تجزئة روحه"([87]).

 ويتجلى حدود التأثير النفسي للتوحيد في "التفاؤل الذي يترسخ من خلال ما يكونه الإنسان من انطباع عن الكون، تُرَّسخ على هدفية الخلقة، ومن خلال إبعاده عن التشاؤم والإحساس بالعدمية والخواء. "ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشة ضنكاً" (طه: 124). ويمنح الإيمان الديني بالهدف شعوراً بالطمأنينة، وإحساساًَ بالمعنى والدلالة، وبالقيمة والجدوى، فلا يتبدى شيء في الوجود على شكل عبث متفلت لا دلالة له ولا جدوى منه ولا مضمون يحتويه. وهو يمنح الإنسان كذلك الشعور بالأمل بالمستقبل"([88]).

 وتشير الدراسات النفسية بأن "الفلسفة الموجهة لحياة الأشخاص (الأسوياء) كثيراً ما تتأثر بالعقيدة الدينية، إن لم تكن مستندة إليها بالفعل، ويعتبر الدين شخصية تغني حياتهم وتشبع حاجاتهم"([89]). وقد بين حامد زهران فعل الإيمان وأثره على النمو النفسي والصحة النفسية "فالعقيدة حين تتغلغل في النفس تدفعها إلى سلوك ايجابي، والدين يساعد الفرد على الاستقرار، والايمان يؤدي إلى الأمان وينير الطريق أمام الفرد، من طفولته عبر مراهقته إلى رشده ثم شيخوخته"([90]).

 وقد أعطى النبي الأعظم محمد (ص) من نفسه أرقى مثالاً في التوحيد، في خشوعه وخضوعه بين يدي الله عزَّ وجَّل، يتلقى الأوامر الإلهية ينفذها حرفيا طوعاً مجسداً في خضوعه أقصى ما يمكن أن يصل إليه التنزيه والتعميق في فكرة التوحيد، مع الحفاظ على فاعلية فكرة التوحيد. يُحدِّث أرباب التفسير والسير؛ أن محمداً (ص) قام عشر سنين يعبد ربه على قدميه حتى تورمتا واصفر وجهه. وكان يقوم الليل اجمع، حتى نزل قوله تعالى: "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى"([91]). (طه: 1 – 2). وعن أمير المؤمنين أن رسول الله (ص) كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه أنين كأزيز المرجل على الأثاضي (الجمر الذي توضع عليه القدر) من شدة البكاء. وقد آمنه عزَّ وجَّل من عقابه، فأراد أن يتخشع لربه ببكائه. ولقد كان يبكي حتى يُغشى عليه، فقيل له: يا رسول الله، أليس الله عزَّ وجَّل غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً"([92]). إن ابتهال النبي الأعظم (ص) وخشوعه لأنه عرف الله حقيقة معرفته، فكانت عبادته عبادة الأحرار التي أشار إليها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "إن قوماً عبدوا الله خوفاً من ناره فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله طمعاً فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله لأنهم وجدوه أهلاً للعبادة فتلك عبادة الأحرار". على هذا النحو كان رسول الله (ص) أسوة حسنة كما في قوله تعالى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حَسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً" (الأحزاب: 21).

ب- القيم الخلقية والاجتماعية:

 أكدَّ القرآن الكريم على تبنيِّ قيم اجتماعية تشكل أساساً لاستيحاء صيغ تشريعية متطورة ومتحركة وفقاً للمستجدات والمتغيرات. وبالتالي تكفل ترسيخ مجتمع إنساني قائم على الحق والعدل وصون الكرامة الإنسانية. وقد بيَّن "بأن هناك اعتباراً وهدفاً فوق كل المصالح والاعتبارات، فوق كل الانانيات، فوق كل الأمجاد المزيفة والكرامات المحدودة. أن هناك إنساناً لا تنفد طاقته إذا ربط طاقته بطاقة الله. أن هناك لا ينقطع نفسه إذا كان دائماً يسير على خط رسالة الله تعالى"([93]). وقد جسد النبي (ص) في سلوكياته ونهجه الحياتي معاني القيم التي تسمو بالإنسان في مدارج السمو والتوازن والكمال: كالمساواة والأخوة والعدالة.

 إن المساواة التي يتناولها القرآن الكريم تتمثل في القيمة الإنسانية، والحقوق الاجتماعية، والمسؤولية والجزاء ووحدة المآل والحساب يوم القيامة. وقد شدَّد على الدعوة إلى توحيد الجماعات البشرية، وإلغاء كل الفوارق والحدود فيما بينها باعتبار شمولية الإسلام، حيث يهضم كل الاختلافات، يصهر البشرية كلها في وحدة متكافئة لا يوجد ما يميز بعضها عن بعض، لا من دم، ولا من جنس، ولا من قومية، ولا من حدود جغرافية أو طبقية كما في قوله تعالى: "إنَّ هذه أمتُّكم أمَّة واحدة وأنا ربُّكم فاعبدون" (الأنبياء: 92)، وقوله عزَّ وجَّل: "وإنَّ هذه أمتُّكم أمةً واحدة وأنا ربُّكم فاتقون" (المؤمنون: 52).

 إن التفاضل بين البشرية يقوم على معيار التقوى والعمل الصالح على الوجه الذي يرتضيه رب العالمين "يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم" (الحجرات: 13). وقد جسَّد النبي الأعظم محمد(ص) مفهوم المساواة طيلة مسيرته الوجودية. وفي موقفه (ص) مع سلمان الفارسي (المحمدي) وخطابه أمام الملأ: "سلمان منَّا أهل البيت جسَّد (ص) إلى جانب إظهاره(ص) مكانة سلمان الفارسي وموقفه من النبي (ص)، أظهر(ص) موقف إيمان عقائدي كمنهج إسلامي ثابت، كون النبي الأعظم  (ص) عندما يطلق رأيا وقولاً خالداً لا يأتي عن الهوى، إنما هو وحيُّ يوحى. ففي رواية نقلها محمد تقي النوري الطبرسي عن الشيخ المفيد "أن سلمان الفارسي دخل مسجد رسول الله(ص) ذات يوم فعظموه، وقدموه، وصدروه إجلالا لحقه، واعظاماً لشأنه، واختصاصه بالمصطفى وآله. فدخل عمر فنظر إليه فقال: من هذا العجمي المتصدر فيما بين العرب".

 فصعد رسول الله (ص) المنبر فخطب وقال: إن الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط، لا فضل للعربي على العجمي، ولا الأحمر على الأسود إلا بالتقوى"([94]).

 إن المساواة في القيمة الإنسانية تقتضي العدالة الاجتماعية لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنَّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" (المائدة: 8). كما أن المساواة تقتضي الكرامة الإنسانية لقوله تعالى "ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" (الإسراء: 70). وعلى موجب صون هذه الكرامة شرَّع الباري عزَّ وجَّل للإنسانية الحقوق والواجبات التي من شأنهما تحقيق سعادتها ورقيها، وحفظ مصالحها. وعليه يكون القرآن الكريم الأسبق في وضع دستور شامل ومتكامل للحقوق الإنسانية.

 وتجدر الإشارة أن المساواة التي تنادي بها الحركات النسوية في العصر الحالي، ما هي إلا أحد الأوجه الخفية للعولمة. إن المرأة في الإسلام تحظى بالمساواة مع الرجل بكل ما يترتب من حقوق في وحدة الأصل، وما ورد من استثناءات مردَّه إلى اختلاف المرأة والرجل في بعض الخصائص التي تخدم تكاملهما في الاستخلاف. فالبشرية في عمومها أسرة واحدة ترجع في أصل خلقها ونشأتها إلى نفس واحدة كما في قوله تعالى "يا أيها الناس اتقَّوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنَّ الله كان عليكم رقيباً" (النساء: 1).

لقد حدَّد القرآن الكريم قانون القيمة الإنسانية بأن جعل المسلمون أخوة، وهو قانون يترفع عن التعصب الذميم مهما كان لونه كما في قوله تعالى "إنَّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم" (الحجرات: 10)، وقوله عزَّ وجَّل "واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألفَّ بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا" (آل عمران: 103)، هذه الآيات المباركة ترجمها النبي الأعظم محمد (ص) بالتآخي بين المسلمين (المهاجرين والأنصار) وفي مواقف كثيرة، صحح من خلالها مفهوم الناس عن الدولة الإسلامية التي تُمثِّل في جوهرها رعاية للأخوة الدينية خاصة، والأخوة الإنسانية عامة.

 إن اهتمام الرسالة السماوية بالعلاقات التبادلية الأخوية كونها تُمثِّل حالة دينامية جماعية تندرج ضمن دوائر متفاعلة تتبادل الأثر والتأثير، والفعل وردود الفعل بين عناصرها. كما إنها تشكل البعد العملي للرباط العاطفي الذي يدل على ذلك النوع من التلاقي الإنساني الوجداني الذي يتجلى في مسار نمو الشخصية. إن الطابع الايجابي للأخوة بين المسلمين يؤدي إلى دعم الترابط والتآلف والود والتراحم، والعفو، والنُصرة والتعاون، وما يندرج تحتها من قوى، وتَرسُّخ تلك القوى يجعل كل منهم يمثل مكانة عالية إيجابية في عالم الآخر. وهنا تكمُن الجدارة الأخوية في بعدها الواقعي العملاني. وبمقدار ترسُّخ العلاقات التبادلية القائمة على الاخوة، بمقدار ما يتجسَّد مفهوم العدالة، والابتعاد عن ألوان الظلم، والاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان. وبمقدار ما تتجسد ديمقراطية العلاقة نحو التعاطف والتعاضد بين الجماعة.

 إن مفاهيم المساواة والاخوة والعدل هي من المفاهيم الراسخة في التشريعات الإسلامية. فهي من جهة تُجسِّد السلوة الروحية لكل المستضعفين، ومن جهة ثانية تعمل على إيقاظ الضمير الوجداني الإنساني وتوعيته وتحريكه للمساهمة في مسيرة العدل على الأرض استناداً إلى قاعدة الحقوق والواجبات؛ التي تُنَّظم أطر التبادلات العلائقية بين أفراد المجتمع. روىَّ في أحاديث عديدة عن النبي (ص) منع في فترة معينة من إجارة الأرض، ففي رواية أن النبي (ص) قال: "من كانت له أرض فليزرعها، أو يزرعها أخاه، ولا يُكرها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى". وفي رواية عن جابر بن عبد الله أن النبي قال: "من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يستطع... فليمنحها أخاه، ولا يؤاجرها إياه"([95]).

 وعلى مستوى العلاقات الأسرية أكَّد القرآن الكريم على الأدوار الوالدية، وحُسن الرعاية والتربية لابناءهم صوناً لهم، وتنظيماً لسلوكهم كي يكون متوافقاً مع المبادئ والقيم الرسالية التي تُحدِّد المسموح والممنوع في كافة المجالات النفسية والحياتية. والنبي الأعظم محمد (ص) كان المثل الأعلى في سلوكه الأبوي. ورد في الحديث أن رسول الله(ص) قبَّل الحسن أو الحسين بن عليَّ، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحد قط. فنظر إليه رسول الله  (ص)، ثم قال: "من لا يرحَم لا يُرحم"([96]). وعن النعمان بن بشير قال: إن أباه أتى به رسول الله(ص) فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً (المراد به عبد مملوك شاب) كان لي، فقال رسول الله  (ص)  "أكُّلَ ولدك نحلته مثل هذا؟" فقال: لا. فقال رسول الله  (ص): "فأرجعه". وفي رواية أخرى أن رسول الله قال "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم"([97]). ورُوي عن عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام): أنه دخل علينا رسول الله  (ص) وفاطمة جالسة عند القدور وأنا أنقي العدس. فقال يا أبا الحسن. قلت: لبيك يا رسول الله (ص) فقال: اسمع منّي وما أقول إلا من أمر ربي، ما من رجل يُعين امرأته في بيتها إلا كان له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها، وأعطاه الله من الثواب مثل ما أعطاه الصابرين داود ويعقوب وعيسى (عليهم السلام)، يا عليَّ من لم يأنف من خدمة العيال فهو كفارة للكبائر، ويطفئ غضب الرب... يا علي لا يخدم العيال إلا صديَّق أو شهيد أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخر"([98]).

 ومن المفاهيم التي توجه إليها القرآن الكريم مفهوم الحرية وهي تعبير عن يقين مركزي ثابت (الإيمان بالله)، ومنه تستمد البشرية سيرها في تحرير الذات من النزوات والشهوات وتنتهي إلى التحرر من عبودية الاصنام بمختلف أشكالها وألوانها. ويقرِّر القرآن الكريم مفهوم الحرية. فالاسلام دين الحرية والتفتح والانطلاق. أنه يقرِّر حرية الاعتقاد ويعتبرها حقاً للإنسان لا نزاع فيه. ذلك أن الله خلق الإنسان وزوده بالعقل والقدرة على التمييز، وأبان له السبل، ثم ترك له حرية الاختيار لقوله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبيَّن الرُشد من الغَّي" (البقرة: 256).

 لقد دعا القرآن الكريم الإنسان إلى النظر والتفكر والاستدلال والتعرف على الحقائق عن طريق العقل. وانطلاقاً من هذا المبدأ دعا الله تعالى المسلمين إلى الالتزام بالحكمة والحجة، والدليل بالدليل في مناقشتهم مع أهل الأديان الأخرى. وهنا يظهر أهمية الحوار. يقول تعالى: "أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل: 125)، وقوله تعالى "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" (آل عمرانِ: 159).

ج- الوحدة الإسلامية استراتيجية دينامية في المنهج القرآني:

 إن سياسة بناء العلاقات الوحدوية بين جماعة المسلمين تمثل استراتيجية اجتماعية سياسية دينية اقتصادية هادفة في تعزيز مناعة الأمة الإسلامية تجاه النظم المناوئة للإسلام، وتجاه التحديات الغير مسبوقة في التاريخ البشري في ظل الثورة اللامحدودة في المعلوماتية والاعلام الفضائي المتفلت من حدود الضبط، والتي باتت تهدد المنظومة الرسالة المحمدية من خلال الهيمنة الثقافية وطمس الهوية الإسلامية وقمقمتها لحساب المشروع العالمي تحت ما بات يعرف "بإدارة الادراك" الذي يتلاعب بعملية الإدراك والوعي ويحوله لخدمة غايات أصحاب النفوذ.

 والتدبر في آيات القرآن يتبين مدى ثبات استراتيجية الوحدة بين المسلمين، وتجاوزها الحدود الزمانية والمكانية. إن الوحدة الإسلامية تشكل قوة في مواجهة الاستبداد، والتطلعات الهادفة إلى تشويه صورة الإسلام والمسلمين، قال بن غوريون عام 1952 "نحن لا نخشى الثوريات ولا الديمقراطيات ولا الاشتراكيات في هذه المنطقة نحن نخشى الإسلام فقط الذي طال نومه ثم بدأ يتململ من جديد"([99]). فالقرآن الكريم دعا كما يشير السيد محمد الصدر "إلى وحدة الصف والتآلف ورص صفوف المسلمين بنص كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقال عزَّ من قال "إنَّ الله يُحِّب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بُنيان مرصوص" (الصف: 4)([100]).

 وقد بين القرآن في محكم آياته الأبعاد الدينامية للوحدة الإسلامية على المستويين المعنوي والمادي وصولاً إلى الأهداف الكبرى التي تجمع الأمة الإسلامية على كلمة التوحيد، يقول تعالى: "إنَّ هذه أمتكم أمَّة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" (الأنبياء: 92)، ويقول عزَّ من قال: "إن هذه أمتكم أمَّة واحدة وأنا ربكم فاتقون" (المؤمنون: 52). وقيام الأمة الواحدة هو التخطيط الرباني للرسالة الخاتمة، والذي يقضي بلوغ الدرجة التكاملية بحيث تكون مصداقاً عملياً وواقعياً لقوله تعالى: "ليظهرَه على الدين كُلِّه ولو كره المشركون" (التوبة: 33).

 ويشدد القرآن الكريم على الوحدة بقوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمَّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات أولئك لهم عذاب عظيم" (آل عمران: 103 – 104 – 105). إن وحدة القرآن دعوة إلى الانفتاح على العالم، على الثقافات الأخرى مع الاحتفاظ بالخصوصية، إنها دعوة إلى ثقافة الحوار بحكمة وشفافية والتلاقي عبر القواسم المشتركة. فالوحدة لا تعني الغاء الآخر أو إقصائه، إنما هي ضرورة شرعية قوامها معرفة الآخر معرفة حقيقية ومن ثم بيان الحق الذي أوصله الدليل إليه. وهذا ما نستقرؤه في الآيات المباركة "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" (النحل: 125)، وفي قوله عزَّ وجَّل "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم واصبروا إن الله مع الصابرين" (الانفال: 47).

 إن الوحدة الإسلامية تُعزِّز الروابط والعلاقات التبادلية بين المسلمين بحيث يكون المسلم ولِيّ أخاه المسلم لقوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم" (التوبة: 72).

 إن وحدة الأمة الإسلامية هي المسار النافذ إلى تفكيك عناصر الحياة في المشروع العالمي وإعادة تركيبه وصياغته على هدي المنهج القرآني. والعالم الإسلامي وبحمده تعالى وبتوفيق وعناية منه جَّل وعلا، تغمره صحوة عارمة، نتلمسها في الاتجاه العام لمختلف الشرائح نحو تفهم الإسلام بدستوره الحنيف، ومعرفة أسسه ومبادئه في كل شؤون الحياة الفردية والمجتمعية باعتبار أن الإسلام كما بيَّن القرآن الكريم يُمثل الهوية الحقيقية للبشرية عموماً لقوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (آل عمران: 110). "لقد استفاقت الأمة الإسلامية على صحوة، صحوة إن لم تتفتق عن كل إمكانياتها، إلاَّ أنها مهدَّت السبيل لمسار جديد. مسار استحال من خلال تفاعله مع فئات المجتمع وطبقاته وأوضاعه إلى قوة منشئة خلاقة. فإن من شأن هذه الصحوة أنها تنفس عن وعي الجماعات وماهية وجودهم، وتكشف في الوقت عينه مواطن المرض وسمومه.

 الأمة الإسلامية لم تُعد تائهة بعد اليوم بعدما فتحت عينيها على الحقائق وقلبها للمبادئ، وحرَّرت عقلها من ثقل القيود وأنارت شعلة الحرية لنفسها.

 لم تُعد الأمة الإسلامية تعيش ذاك اليوم الذي يُقال فيه "إذا لم يُكن ما تريد فأرد ما يكون". إن عصر الاتكال والاستسلام حيث يقوم هيكل الماضي المنهزم قد وَلَّى، وحلَّ محله عصر الكائن المُبدع الذي خلقه الله على صورته، الكائن المطمئن المتوكل. فالتوكل هو في جوهره اطمئنان وتأمل يزيد المرء قوة على قوته وبصيرة على بصيرته.

 فلنعرف كيف تحوَّل صحوتنا من معنى الاستسلام إلى طاقات وقوى ندفع بها في هيكل تخلُقنا الجديد حتى تطُّل علينا بوجه آخر لجهاد أكبر"([101]).

 

القرآن الكريم رسالة خالدة: إطلالة مستقبلية:

 من خصائص القرآن الكريم الثبات، أنه نظام ثابت أنزله الباري عزَّ وجَّل إلى البشرية بوصفه قاعدة صالحة للبناء الإنساني في كل مكان وزمان، قادر على إسعاد البشرية وتنظيم حاجاتها مهما اختلفت ظروفها المادية وتطورت في اشكال إنتاجها، واتسعت علاقاتها مع الطبيعة وازدادت السيطرة عليها.

 لقد اثبتت الوقائع على قدرة المنهج القرآني على حل مشاكل المجتمع الإنساني المعاصر والاضطلاع بمهمة إدارة الحياة الجديدة بما يضمن للبشر السعادة والعدل والخير والرفاه. ونجاح الثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني أثبتت للعالم من أقصاه إلى أقصاه، مبدأ القرآن الكريم والإسلام في تحقيق أماني الشعب وتطلعاته إلى الحرية والاستقلال، وقدرته على استيعاب المستجدات في إطار التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي. إن نجاح الثورة الايرانية انطلقت من عقيدة خالدة ونظاماً إصلاحياً خالداً، من تجربة النبي الاعظم محمد (ص). فنجحت في حدودها، ونجحت خارج حدودها، وفيها القدرة على النجاح دوماً. إن المقومات التي شكلت ورسمت خطوط ثورة الإمام الخميني تتحدد:

1-  اقتداء الإمام الخميني بدعوة القرآن الكريم إلى عبودية الله، واجتناب الطاغوت. لقد أوجد في كيان الأمة مادة حيَّة، صححَّها تصحيحاً معنوياً، ولَّد فيها قوى لا حدَّ لها. غذاها بتعاليم تفاعلت مع المبادئ الحقّة التي غمرت نفوسها وقلوبها والتي تتمثل بالاسلام والنهج المحمدي الذي بدوره ساعد الأمة والشعب على مواجهة العواصف مهما بلغت ذروتها.

2-  الطاقة الروحية الربانية التي جبلت شخصية الإمام الخميني. فقد كان قُدِّس سِّره ينظر بنور الله عزَّ وجَّل، فهو كما قال رسول الله  (ص): "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"، فكان قدس سره كما قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به" (الحديد: 28).

3-  تحديد الأطروحة الإسلامية الهادفة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتي جسَّدتها أبعاد الثورة في دينامياتها وتوجهاتها كما يتجلى في مناشدة الامام الخميني "إن الإسلام كاد أن يُنسى، وكادوا أن يُقضوا عليه، وكادوا يسحقون القرآن"([102])..

4-  خروج الإمام الخميني من "دائرة الأنا"، فكان قُدسِّ سِّرهُ من القلّة الذين قاموا على اسم الله، ومضوا على اسم الله، وماتوا على اسم الله. يقول قُدّس سرِّه "انتم شباب الحوزات والمراكز الدينية، كونوا أحياء، واعملوا على إحياء أمر ربكم، والمحافظة على أنظمته، يا جيل الشباب اجمعوا أمركم واعملوا وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"([103]).

5-  عظمة الإيمان الذي امتازت به شخصية الإمام الخميني، هيمن على جميع نواحي تفكيره فكانت مواقفه الحياتية والجهادية مصداقا لوعيه الايماني، ولمستوى اليقين والثبات على منهج العقيدة المقدَّسة بإخلاص وبصيرة، وبمستوى الحب الرسالي الذي ارتقى به إلى حد نكران الذات والذوبان في القضية العادلة. فالبعد الايماني والعمق العرفاني اللذان اتسمت بهما شخصيته، ساهمت في قدرته على رسم مشروعه التغييري النهضوي على صعيد ايران والعالم الإسلامي معاً. ومن أقواله "إن هذه الثورة ليست (ثورة وطنية)، هذه الثورة (ثورة قرآنية)، هذه الثورة (ثورة إسلامية)، هذه ليست قوة وطنية، إنها قوة الإيمان، إنها قوة الإسلام، فلا ينبغي خلط هذه الأمور، ولا ينبغي الاشتباه في تفسير ذلك. إنَّه الإسلام الذي تمكن من التغلب على القوى العظمى، أنَّه الإسلام الذي جعل ابناءكم يتطلعون إلى الشهادة، إنها قوة الإيمان التي جنَّدت الناس من أقصى ايران إلى ادناها"([104]).

6-  إن الثورة الإيرانية حركها نظام الجور والظلم والاستبداد والطغيان، استثارها أنين المستضعفين، فهبَّت في إعادة إحياء المفاهيم الإسلامية وتجسيد الحكومة الإسلامية القائمة على الحق والعدل. لقد كانت مهاجمة الإمام الخميني للشاه بمستوى الاستبداد والظلم الذي كان يمارسهما الشاه. يقول الإمام الخميني من مسجد فاطمة في قم وهو يهاجم الشاه: "لم أعدد قلبي لتقبل إنذارك. وأنما أعددته لتلقي رماحك"([105]). ويقول قُدِّس سرِّه "إن الإستشهاد بالنسبة لنا فيض عظيم، الشهادة هدية من الله تبارك وتعالى لمن هم أهلُّ لها"([106]).

7- حمل الإمام الخميني مشروعاً عالمياً مستمداً من عالمية القرآن، من مشروع النبي الاعظم محمد (ص)، الذي يتطلع العالم بأجمعه إلى الاستلهام من مبادئه القائمة على العدالة والحرية والمساواة ومحاربة الاستبداد والظلم والظالمين.

 إن المشكلة ليست في الدين الإسلامي، إنما في مدى وفهم وتطبيق المسلمين للمنهج القرآني الذي يمتلك بعالميته الحصانة في ايجاد الحلول لإشكالية الأصالة والمعاصرة. وهذا يطرح أهمية التحول من أخلاقية الهزيمة إلى أخلاقية الإرادة. "فالأمة حينما تنهزم وتنزع منها شخصيتها وتموت ارادتها تنسج بالتدريج أخلاقية معينة تنسجم مع الهزيمة النفسية التي تعيشها بوصفها أمة بدون إرادة، أمة لا تشعر بكرامتها"([107]). إن أخلاقية الإرادة هي التي تمكن الإنسان المسلم من أن يقف موقفه الايجابي والسلبي وفقاً لما تقرره الشريعة الإسلامية إيجاباً وسلباً.

 أيها المسلمون، عودوا إلى كتابكم المقدس، عودوا إلى النور والفيض الإلهي، انتم كما في قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (آل عمران: 110).

 إن الحضارة الإسلامية التي خطّ أُسُسها القرآن الكريم استطاعت أن تتكيف أكثر من أربعة عشر قرناً مع الحضارات الوافدة؛ وباستطاعتها أن تواكب التطورات الثقافية والعلمية، والسياسية المعاصرة، بما تحقق في ما ترسُّخ المساواة، والعدالة، والحرية وغيرها من الأسس التي ترفع الإنسان (ذكراً وأنثى) إلى مراتب الكرامة والارتقاء.

 "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُل السلام ويُخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم" (المائدة 15 – 16).

 

المراجع:

-          القرآن الكريم.

1-     الأحمد، محمود عبد الحميد، دراسات في الثقافة الإسلامية والفكر المعاصر، ط 1، دار الفكر، دمشق، 2004.

2-     الاستقامة والثبات في شخصية الإمام الخميني، ترجمة كاظم ياسين، مركز الإمام الخميني الثقافي، ط 1، 1992.

3-     الأصفي، محمد مهدي، وعي القرآن، ط 2، دار القرآن الكريم، قم، 1411هـ.

4-     الإمام الخامنئي، الإسلام المحمدي، ط 1، دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2005.

5-     الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، مؤسسة نشر تراث الإمام الخميني، الشؤون الدولية، ط 8، طهران، 2005.

6-     امام عثمان همشري، خديجة، العلاقة بين العولمة والتعليم، مجلة التربية، اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، قطر، ع 161، س 36، 2007.

7-     آملي، عبد الله جوادي، الهداية في القرآن، ط 1، دار الهادي، بيروت، 1993.

8-     الانسجام الإسلامي في الفكر الشمولي للإمام الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، الشؤون الدولية، ط 1، طهران، 2007.

9-     إيران على أعتاب عام 2000، دائرة الشؤون الثقافية للإيرانيين في الخارج.

10-                       أيوب، حسن، السلوك الإجتماعي في الإسلام، ط 4، دار البحوث العلمية، الكويت، 1985.

11-                       البدري، عادل، أثر الرسول المصطفى (ص) في التكوين الحضاري والمدني، ط 1، مشهد.

12-                       بن نبي، مالك، مشكلات الحضارة، ترجمة بسام بركة وأحمد شعبو، ط 1، دار الفكر، دمشق، 1992.

13-                       بوكاي، موريس، القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، دار المعارف، القاهرة، لا.ط، لا.س.

14-                       بيتر مارتين، هانس / شومان، هارالد، فخ العولمة، ترجمة عدنان عباس علي، مجلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت، ع 238، ت 1، 1998.

15-                       التقرير العربي الثالث حول الأهداف التنموية للألفية 2010 وآثار الأزمات الاقتصادية العالمية على تحقيقها، الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، ملخص تنفيذي.

16-                       التويجري، عبد العزيز عثمان، العالم الإسلامي في عصر العولمة، دار الشروق.

17-                       الحسيني، محمد صادق، الخميني في رسائل الإصلاح والتغيير، ط 1، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2009.

18-                       حمية، خنجر، الشيخ مرتضى مطهري، ط 1، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2009.

19-                       الخراساني، الوحيد، مقتطفات ولائية، ترجمة عباس بن نجي، ط 1، دار المحجة البيضاء، بيروت، 2002.

20-                       الخميني، الشهادة في فكر الإمام الخميني، مركز الخميني الثقافي، ط 3، بيروت، 2006.

21-                       زادة، حميد حلمي، ثورة الفقيه ودولته، بحث الإمام الخميني في مواجهات الانحرافات الفكرية والشيطنة الأميركية، فتحي يكن، ط 2، دمشق، 2003.

22-                       زهران، حامد عبد السلام، علم نفس النمو، عالم الكتب، ط 8، القاهرة، 1986.

23-                       السعيد، حسن، حضارة الأزمة ماذا قبل الانهيار، ط 1، دار الهادي، بيروت، 2003.

24-                       السيد يسين، الحوار الحضاري في عصر العولمة، ط 2، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2002.

25-                       الشامي، علي، الحضارة والنظام العالمي، دار الإنسانية، بيروت 1995.

26-                       شريعتي، علي، محمد خاتم النبيين، ترجمة أبو علي الموسوي، ط 1، دار الأمير، بيروت، 2002.

27-                       شمس، محمود زكي، الإرهاب الدولي وزيف أمريكا وإسرائيل، ط 1، مطبعة الداودي، دمشق، 2003.

28-                       شهادات منصفة حول القرآن والرسول والمرأة، معرض الكتاب الإسلامي الثاني والعشرون، 2008.

29-                       الصدر، رضا، محمد في القرآن، ط 2، مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، قم، 1420.

30-                       الصدر، محمد باقر، أئمة أهل البيت (ع) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية، ط 1، المعارف للمطبوعات، لبنان، 2012 (تراث الشهيد الصدر).

31-                       الصدر، محمد باقر، الإسلام يقود الحياة، ط 1، المعارف للمطبوعات، لبنان، 2012 (تراث الشهيد الصدر).

32-                       الصدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية، دار التعارف للمطبوعات، لا.ط، بيروت، لا.س.

33-                       الصدر، محمد باقر، ومضات، ط 1، المعارف للمطبوعات، لبنان، 2012 (تراث الشهيد الصدر).

34-                       الصدر، محمد، الطائفية في نظر الإسلام، تعليق مقتدى الصدر، ط 2، مكتب السيد الشهيد الصدر، 2013.

35-                       عبيد، حسن اسماعيل، التداعيات الإجتماعية لظاهرة العولمة وآثارها على الأسرة العربية، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (اسكوا)، الاجتماع العربي للتقييم العشري للسنة الدولية للأسرة، بيروت، ت 1، 2003.

36-                       العلواني، طه جابر، الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر، ط 1، دار الهادي، بيروت، 2003.

37-                       العولمة وتداعياتها على الوطن العربي، مقال لعبد الجليل كاظم الولي، جدلية العولمة بين الاختيار والرفض، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، 2003.

38-                       عيسى، زينب محمد، تأملات فكرية، مخطوط.

39-                       اللجنة العالمية بالبعد الاجتماعي للعولمة، عولمة عادلة توفير الفرص للجميع، منظمة العمل الدولية، ط 2، سويسرا، 2004.

40-                       المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، ط 2، 1983.

41-                       محمدي، سيد كاظم، ودشتي، محمد، المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، نشر أمام علي (ع)، قم، 1369 ش.

42-                       المخدرات والعولمة، مركز الدراسات والبحوث، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2007.

43-                       المساواة بين الجنسين في صميم العمل اللائق، مؤتمر العمل الدولي دورة 2009، مكتب العمل الدولي، جنيف، (التقرير السادس).

44-                       مطهري، مرتضى، ختم النبوة، ط 1، دار المحجة البيضاء، بيروت، 1993.

45-                       مطهري، مرتضى، معرفة القرآن، ترجمة جعفر صادق خليلي، دار التعارف للمطبوعات، لا.ط، لا.س.

46-                       مكانة المرأة في فكر الإمام الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، قسم الشؤون الدولية، ط 3، طهران، 2008.

47-                       مكي، عباس محمود، الخبير النفس جنائي وتنامي الجرائم الأخلاقية المعاصرة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط 1، بيروت، 2007.

48-                       مكي، عباس محمود، دينامية الأسرة في عصر العولمة، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت 2007.

49-                       منصور، طلعت، الشخصية السوية، مجلة عالم الفكر، الكويت، 1982، ع 2.

50-                       نصر، حسين، قلب الإسلام، ترجمة داخل الحمداني، ط 1، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2009.

51-                       النوري الطبرسي، حسين بن محمد تقي، نفس الرحمن في فضائل سلمان، (لا.ط)،(لا.س).

52-                       هنتنغتون، صموئيل، صدام الحضارات، ترجمة مالك عبيد أبو شهيوه، محمود محمد خلف، ط 1، الدار الجماهيرية الليبية للنشر والتوزيع والاعلان، ليبيا، 1999.

53-                       هوفمان، مراد، الإسلام كبديل، ترجمة غريب محمد غريب، ط 1، مؤسسة بافاريا، 1993.

54-                       هيكل، محمد حسنين، مدافع آية الله، ط 7، دار الشروق، القاهرة، 2006.

55-                       هيكل، محمد حسنين، مدافع آية الله، ط 7، دار الشروق، القاهرة، 2006.

([1])  مكي، عباس محمود، دينامية الأسرة في عصر العولمة، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2007، ص 60.

([2])  السعيد، حسن، حضارة الأزمة، ط 1، دار الهادي، بيروت، 2003، ص 25.

([3])  (م.ن)، ص 28.

([4])  (م.ن)، ص 8.

([5])  الصدر، محمد باقر، ومضات، ط 1، المعارف للمطبوعات، لبنان، (تراث الشهيد الصدر)، مجلد 17، 2012، ص 29.

([6])  بيتر مارتن، هانس / شومان، هارالد، فخ العولمة، ترجمة عدنان عباس علي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 238، ت 1، 1998، ص 57.

([7])  عبيد، حسن اسماعيل، التداعيات الإجتماعية لظاهرة العولمة وآثارها على الأسرة العربية، اللجنة الإقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا (اسكوا)، الإجتماع العربي للتقييم العشري للسنة الدولية للأسرة، بيروت، ت 1، 2003، ص 1.

([8])  (م.ن)، ص 26.

([9])  الاستقامة والثبات في شخصية الإمام الخميني، ترجمة كاظم ياسين، مركز الإمام الخميني الثقافي، ط 1، 1992، ص 33.

([10])  (م.ن)، ص 34.

([11])  مكي، عباس محمود، الخبير النفس جنائي وتنامي الجرائم الأخلاقية المعاصرة، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2007، ص 96.

([12])  (م.ن)، ص 98.

([13])  (م.ن)، ص 101.

([14])  الإمام الخامنئي، الإسلام المحمدي، ط 1، دار الولاء، بيروت، 2005، ص 56.

([15])  مطهري، مرتضى، معرفة القرآن، ترجمة جعفر صادق خليلي، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لا.ط، لا.س، ص 52.

([16])  العلواني، طه جابر، الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي، ط 1، دار الهادي، بيروت، 2003، ص 115.

([17])  (م.ن)، ص 115.

([18])  هنتنغتون، صموئيل، صدام الحضارات، ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة ومحمود محمد خلف، ط 1، الدار الجماهيرية، ليبيا، ص 103.

([19])  (م.ن)، ص 103.

([20])  (م.ن)، ص 104.

([21])  (م.ن)، ص 104.

([22])  العلواني، طه جابر، الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي، (م.س)، ص 116.

([23])  (م.ن)، ص 117.

([24])  الصدر، محمد باقر، أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية، ط 1، المعارف للمطبوعات، لبنان 2012، ص 133 (تراث الشهيد الصدر، مجلد 20).

([25])  بن نبي مالك، مشكلات الحضارة، ط 1، دار الفكر، دمشق، 1992، ص 41 43.

([26])  هنتنغتون، صموئيل، صدام الحضارات، (م.س)، ص 114.

([27])  العلواني، طه جابر، الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر، (م.س)، ص 114.

([28])  هنتنغتون، صموئيل، صدام الحضارات، (م.س)، ص 71.

([29])  الشامي، علي، الحضارة والنظام العالمي، دار الإنسانية، بيروت، 1995، ص 50.

([30])  (م.ن)، ص 91.

([31])  (م.ن)، ص 95.

([32])  (م.ن)، ص 109.

([33])  (م.ن)، ص 109.

([34])  (م.ن)، ص 111.

([35])  شمس، محمود زكي، الإرهاب الدولي وزيف أمريكا وإسرائيل، ط 1، مطبعة الداودي، دمشق، 2003، ص 334.

([36])  العولمة وتداعياتها على الوطن العربي: مقال لعبد الجليل كاظم الوالي، جدلية العولمة بين الاختيار والرفض، ط 1، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، بيروت، 2003، ص 18.

([37])  الصدر، محمد باقر، ومضات، (م.س)، ص 227.

([38])  الشامي، علي، الحضارة والنظام العالمي، (م.س)، ص 88.

([39])  الحسيني، محمد صادق، الخميني في رسائل الإصلاح والتغيير، ط 1، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2009، ص 17.

([40])  حمية، خنجر، الشيخ مرتضى مطهري: الإشكالية الإصلاحية وتجديد الفكر الإسلامي، ط 1، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، ط 1، 2009، ص 25.

([41])  الحسيني، محمد صادق، الخميني في رسائل الإصلاح والتغيير، (م.س)، ص 17.

([42])  إيران على أعتاب عام 2000، دائرة الشؤون الثقافية للإيرانيين في الخارج، ص 6.

([43])  هيكل، محمد حسنين، مدافع آية الله، ط 7، دار الشروق، القاهرة، 2006، ص 99 بتصرف.

([44])  الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، مؤسسة نشر تراث الإمام الخميني، الشؤون الدولية، ط 8، طهران، 2005، ص108.

([45])  (م.ن)، ص 107 بتصرف.

([46])  زادة، حميد حلمي، ثورة الفقيه ودولته، بحث الإمام الخميني في مواجهات الانحرافات الفكرية والشيطنة الأميركية، فتحي يكن، ط 2، دمشق، 2003، ص 39.

([47])  هيكل، محمد حسنين، مدافع آية الله، ط 7، دار الشروق، القاهرة، 2006، ص 227 231 بتصرف.

([48])  هنتنغتون، صموئيل، صدام الحضارات، (م.س)، ص 270.

([49])  شمس، محمود زكي، الإرهاب الدولي وزيف أمريكا وإسرائيل، (م.س)، ص 335.

([50])  المخدرات والعولمة، مركز الدراسات والبحوث، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، دراسة قدمها مصطفى عمر التير تحت عنوان: المخدرات والعولمة: الجوانب السلبية، الرياض، 2007، ص 13.

([51])  همشري، خديجة إمام عثمان، العلاقة بين العولمة والتعليم، مجلة التربية، اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، قطر، ع 161، س 36، يونيو 2007، ص 137.

([52])  اللجنة العالمية للبعد الاجتماعي للعولمة، عولمة عادلة توفير فرص للجميع، منظمة العمل الدولية، ط 2، سويسرا، 2004، ص 28.

([53])  المساواة بين الجنسين في صميم العمل اللائق، مؤتمر العمل الدولي دورة 2009، مكتب العمل الدولي جنيف، (التقرير السادس)، ص 4.

([54])  التقرير العربي الثالث حول الأهداف التنموية للألفية 2010 وآثار الازمات الاقتصادية على تحقيقها، الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، (ص.ن)، ملخص تنفيذي.

([55])  المساواة بين الجنسين في صميم العمل اللائق، (م.س)، ص 21.

([56])  المخدرات والعولمة، بحث عبد القادر عبد الله العرابي؛ تجارة المخدرات وعلاقات الشمال بالجنوب في ضوء العولمة، (م.س)، ص 87.

([57])  (م.ن)، ص 98.

([58])  المساواة بين الجنسين في صميم العمل اللائق، (م.س)، راجع ص 59 61.

([59])  مكي، عباس محمود، الخبير النفسي جنائي وتنامي الجرائم الأخلاقية المعاصرة، (م.س)، ص 12.

([60])  مكانة المرأة في فكر الإمام الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، قسم الشؤون الدولية، ط 3، طهران، 2008، ص 31.

([61])  هنتنغتون، صموئيل: صدام الحضارات، (م.س)، ص 201.

([62])  التويجري، عبد العزيز بن عثمان، العالم الإسلامي في عصر العولمة، دار الشروق، القاهرة، ص 27.

([63])  هنتنغتون، صموئيل، صدام الحضارات، (م.س)، ص 203.

([64])  بن نبي، مالك، مشكلات الحضارة، (م.س), ص 112 - 113.

([65])  الخرساني، الوحيد، مقتطفات ولائية، ترجمة عباس بن نجي، ط 1، دار المحجة البيضاء، بيروت، 2002، ص 148.

([66])  (م.ن)، ص 149.

([67])  هوفمان، مراد، الإسلام كبديل، ط 1، مؤسسة بافاريا، 1993، ص 20.

([68])  السعيد، حسن، حضارة الأزمة، (م.س)، ص 25.

([69])  (م.ن)، ص 26.

([70])  (م.ن)، ص 216.

([71])  الصدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية، دار التعارف للمطبوعات، لا.ط، بيروت، لا.س، ص 64.

([72])  (م.ن)، ص 47 51 بتصرف.

([73])  الحسيني، محمد صادق، الخميني في رسائل الإصلاح والتغيير، (م.س)، راجع ص 96 - 103.

([74])  بوكاي، موريس، القرآن الكريم والثورة والإنجيل والعلم، دار المعارف، القاهرة، لا.ط، لا.س، ص 146.

([75])  الصدر، محمد باقر، ومضات، (م.س)، ص 100.

([76])  الصدر، محمد باقر، الإسلام يقود الحياة، (م.س)، ص 152.

([77])  الصدر، رضا، محمد في القرآن، ط 2، مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، قم، 1420ق، ص 16 - 17.

([78])  آملي، عبد الله جوادي، الهداية في القرآن، ط 1، دار الهادي، بيروت، 1993، ص 11.

([79])  الآصفي، محمد مهدي، وعي القرآن، ط 1، دار القرآن الكريم، قم، 1411هـ، ص 7.

([80])  محمدي، سيد كاظم، ودشتى، محمد، المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة، نشر أمام علي (ع)، قم، 1369 ش، ص 69 خ 133.

([81])  (م.ن)، ص 83، خ 158.

([82])  (م.ن)، ص 125، خ 198.

([83])  الصدر، محمد باقر، ومضات، (م.س)، ص 243.

([84])  شهادات مصنفة حول القرآن والرسول والمرأة، معرض الكتاب الإسلامي الثاني والعشرون، 2008، ص 42.

([85])  الإمام الخامنئي، الإسلام المحمدي، (م.س)، ص 21.

([86])  حمية، خنجر، الشيخ مرتضى مطهري، (م.س)، ص 196.

([87])  (م.ن)، راجع ص 199 - 200.

([88])  (م.ن)، ص 202.

([89])  منصور، طلعت، الشخصية السوية، مجلة عالم الفكر، الكويت، 1982، ع 2، ص 90.

([90])  زهران، حامد، علم نفس النمو، عالم الكتب، ط 8، القاهرة، 1986، ص 394.

([91])  الصدر، رضا، محمد في القرآن، (م.س)، ص 109.

([92])  (م.ن)، ص 111.

([93])  الصدر، محمد باقر، أئمة أهل البيت (ع)، (م.س)، ص 73.

([94])  النوري الطبرسي، حسين بن محمد تقي، نفس الرحمن في فضائل سلمان، (لا.ط)، (لا.س)، ص 29.

([95])  الصدر، محمد باقر، الإسلام يقود الحياة، (م.س)، ص 51.

([96])  أيوب، حسن، السلوك الإجتماعي في الإسلام، ط 4، دار البحوث العلمية، الكويت، 1985، ص 242.

([97])  م.ن، ص 243.

([98])  البدري، عادل، أثر الرسول المصطفى في التكوين الحضاري والمدني، ط 1، مشهد، ص 341.

([99])  شمس، محمود زكي، الارهاب الدولي وزيف امريكا، ط 1، مطبعة الداودي، دمشق، 2003، ص 334.

([100])  الصدر، محمد، الطائفية في نظر الإسلام، تعليق مقتدى الصدر، مكتب السيد الشهيد الصدر، ط 2، 2013، ص 19.

([101])  عيسى، زينب محمد، تأملات فكرية، مخطوط.

([102])  زادة، حميد حلمي، ثورة الفقيه ودولته، (م.س)، بحث الإمام الخميني في مواجهة الانحرافات الفكرية والشيطنة الاميركية، فتحي يكن، ص 39.

([103])  الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، (م.س)، ص 153.

([104])  الانسجام الإسلامي في الفكر الشمولي للإمام الخميني، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، الشؤون الدولية، ط1، طهران، 2007، ص 12.

([105])  هيكل، محمد حسنين، مدافع آية الله، (م.س)، ص 118.

([106])  الخميني، الشهادة في فكر الإمام الخميني، مركز الخميني الثقافي، ط 3، بيروت، 2006، ص 27.

([107])  الصدر، محمد باقر، ائمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية، (م.س)، ص 522.