النبي الأعظم محمد(ص): المثل الأعلى للإنسانية (الاسلام وتحديات العولمة)

النبي الأعظم محمد(ص): المثل الأعلى للإنسانية (الاسلام وتحديات العولمة)

 

 

النبي الأعظم محمد(ص): المثل الأعلى للإنسانية

(الاسلام وتحديات العولمة)
 
 
د. زينب محمد عيسى
مستشارة في علم النفس
مديرة جمعية السيدة زينب الخيرية
كاتبة وباحثة
 
 
     يعيش العالم الراهن تحديات وتداعيات العولمة، فالعولمة بدينامياتها وأبعادها استطاعت غزو المجتمعات التقليدية والعربية والاسلامية، واختراق ثقافتها وقيمها وأنماطها السلوكية سمعياً، بصرياً، واستهلاكياً وسياسياً مما أدى إلى حدوث تصادم أدخل تلك المجتمعات المستقبلة لها في أتون الصراع الثقافي والحضاري. إن العولمة تجهد في بناء ثقافتها التي تخدم أغراضها على صعيد تشكيل السلوكيات والقيم والتوجهات عن طريق تكريسها للفردية التي ليس لها انتماء اجتماعي أو قومي. فالعولمة تطورت وما زالت في سياق فراغ أخلاقي حيث أصبح النجاح والفشل في الأسواق هو المعيار في السلوك، وحيث فرض الذات والاستفراد هو الأهم.
     لقد جهدت العولمة وما زالت منذ العقود الأخيرة للقرن العشرين وبعد بروز القطب الأوحد، في محاولة طمس الهوية الثقافية العربية والاسلامية وفرض التغيير بالقوة بحجة انهاء الانظمة الشمولية واستبدالها بالأنظمة الديمقراطية. هذه المحاولة هي أحد أوجه محاربة الذاكرة التاريخية، والموروث الثقافي الديني والاجتماعي من خلال تجاوز المرجعيات التقليدية واستبدالها بمرجعية كونية يجد فيها الفرد نفسه في التيه والضياع، والعزلة، والانقطاع عن التاريخ والحيز الجغرافي اللذين يشكلان أطار الهوية الشخصية. إن الانتماء إلى مرجعية ثقافية يشكل أساس الهوية والنظرة إلى الوجود. والانتماء إلى الذات لا يستقيم إلاّ من خلال الانتماء إلى مرجعيات تتجاوزها اجتماعياً وقيمياً. لقد أخلَّت العولمة خللاً كبيراً بجدلية الذات والنحن، ودفعت بسبب تضخيم الذاتي (الفردية) على حساب الجماعي ثمناً باهظاً تمثل ولا يزال في العديد من الأمراض الاجتماعية.
     إن العولمة تجهد في مسارها في تحقيق أغراضها وثقافتها تحت لواء مفاهيم جديدة: الديمقراطية، فرض حرية التنقل وفتح الأسواق، تمكين المرأة، حماية البيئة، الصحة الانجابية، الرفاه الإجتماعي، المعرفة، الابتكار، حقوق الإنسان وغيرها... وقد تحققت العولمة بسرعة يصعب ادراكها بانصهار العدد الهائل من الاقتصاديات في اقتصاد شمولي واحد، حيث لم يعد للبعد الجغرافي أهمية تذكر؛ "يقوده أولئك الذين يقدرون على مواجهة عواصف المنافسة الهوجاء"([1]) كما في وصف الاقتصادي إدوار لتوك Edward Luttwak. وبات العالم يعيش في غمرة ثورة شملت المعمورة بأجمعها، وأصبح كوكبنا كما يقول بطرس غالي، الأمين العام السابق للأمم المتحدة "يخضع لضغط تفرزه قوتان عظيمتان: العولمة والتفكك"([2]).
     لقد جعلت العولمة المجتمعات وبمقادير متفاوتة أقرب ما تكون إلى النظم المفتوحة التي تتعرض بشكل متصاعد للمؤثرات الخارجية، مع انحسار مواز لتوازناتها الداخلية التقليدية. وهذا بدوره حمل مقادير متفاوتة من تهديد الأمن الإجتماعي، على شكل آفات واضطرابات متنوعة وغير مسبوقة. وبدوره يهدد الأمن الإجتماعي رأس المال الإجتماعي الذي يمثل رصيداً لا يقل أهمية عن رأس المال البشري ورأس المال الإجتماعي في نمو المجتمعات واستقرارها.
     إن العولمة تتطابق اليوم مع استراتيجية أحياء الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية، وتتخذ شكل التطبيق الحرفي لبرنامج العولمة الليبرالي القائم على تأكيد أسبقية المنطق الاقتصادي في اعادة تنظيم العلاقات الدولية، وفاعليته في تحقيق الانسجام بين مصالح الجماعات والشعوب. وعلى ضوء أسبقية المنطق الاقتصادي يقول جاك جوليار Jaque Jolière مؤلف كتاب (عبقرية الحياة): "إن أسوأ ما في النظام العالمي الجديد أنه أسلم إدارة الدفة للاقتصاد مما أحدث من اختلالات في الواقع الاجتماعي للمجتمع الانساني بأسره"([3]).
    من هنا تتضح أهمية بحث الأوجه المظلمة من العولمة وانعكاساتها المجتمعية وفي الوقت عينه تطرح تساؤلاً: ما هي البدائل التي يمكن لها استرداد الكيان الإنساني المُستَلب من قبل العولمة على المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي؟ وكيف يمكن تحقيق ديمقراطية أصيلة من قبل النظم السلطوية، وكيف يمكن للاعتبارات الانسانية والاخلاقية أن تتمثل بصورة آلية في الاستراتيجيات والقرارات الكونية وفي تنظيم العلاقات الانسانية المهددة، والتي تأخذ شكلاً فظيعاً في الانهيار والتفكك؟ وما هي الأساليب البنَّاءة في توجيه الاكتشافات العلمية والتكنولوجية لصالح تحسين الوضع الإنساني؟
     هذا التساؤل يشكل محوراً للدخول إلى عالم العولمة وآثارها على البناء الإنساني المختزل في جميع جوانبه إلى عالم مادي قائم على أسبقية القوة والسيطرة وتكريس الفردية. وهذا يتطلب الإحاطة بعدة محاور:
I-              العولمة، تعريفها.
II-           خصائص العولمة.
III-        آثار العولمة.
IV-       النبي الأعظم محمد(ص): المثل الأعلى للإنسانية.
V-          (لكم في رسول الله أسوة حسنة) إطلالة مستقبلية.
 
I- العولمة، تعريفها:
     الحديث عن العولمة مفعم بالمجازات التي تتعلق بالتقارب العالمي وبعالم منكمش: من "القرية الكونية العالمية" الشهيرة لمارشال ماك لوهان Mc Luhan إلى صياغة الأمم المتحدة أخيراً تعبير "جوارنا العالمي" Our Clobal Neighbour hood لوصف ذلك السباق السياسي العالمي المتنامي([4]). ويتحدث ماغرو Mcrew  عن العولمة على اعتبار أنها "ببساطة تقوية أواصر الترابط العالمي([5]).
     لقد شاع الحديث عن العولمة عقب سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1990، ومع بروز مجموعة من الظواهر السياسية، والحياتية، والمستجدات الفكرية والتطورات التكنولوجية التي تدفع في اتجاه العالم، وتشابكه، وتقاربه، وزيادة انكماشه. وقد أتى مصطلح العولمة من الترجمة الانكليزية Globalization وتعني جعل الشيء على مستوى عالمي، ثم ترجم إلى الفرنسية تحت كلمة Mondalisation، ونقل إلى العربية تحت ثلاث مصطلحات (الكونية، الكوكبة، العولمة)، أما في المنظور اللغوي فهي تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله.
     وتجدر الاشارة إنه لا يوجد تعريف واحد جامع للعولمة. فهي تأخذ أكثر من شكل وتأتي بأكثر من صيغة، (عولمة إقتصادية، ثقافية، سياسية، علمية). ومن التعاريف التي تناولت العولمة تعريف رونالد روبرتسون الذي يرى أنها "ضغط العالم وتصغيره من ناحية، وتركيز الوعي به ككل من ناحية أخرى"([6]). ويعرف عبد الإله بلقزيز ثقافة العولمة بأنها "فعل اغتصابي ثقافي عدواني رمزي على سائر الثقافات في سائر المجتمعات التي تبلغها عملية العولمة"([7]). ويعرفها ولفنانع راينيكي بأنها "ظاهرة التكامل في الجوانب الهيكلية والاستراتيجية لشركات أصبحت أنشطتها التحويلية والتقنية والمعلوماتية تخترق الحدود الكونية بهدف تحقيق تنافسيتها الدولية"([8]). ويعرفها محمد شيا بأنها "التدفق أو السيلان الحر للسلع والأموال والخدمات والأفكار في الأسواق وعبر الحدود من دون حواجز أو قيود"([9]) ومن الباحثين من عرفها "هي تداخل الشأن الوطني بالشأن العالمي أو الدولي سياسياً واقتصادياً وعلمياً وثقافياً، وأسلوب حياة بحيث تتلاشى معه الهوية الثقافية والوطنية"([10]). والثقافة كما يشير الإمام الخميني (9/1/1978) "أساس أي أمة، وأساس وطنية كل أمة وأساس إستقلال كل أمة"([11]).
     كما أن ثقافة كل مجتمع كما في تعبير الإمام الخميني (22/9/1981) "تعبر أساساً عن هوية ووجود هذا المجتمع ومهما كان هذا المجتمع قوياً من النواحي الإقتصادية والسياسية والصناعية والعسكرية فإن الانحراف الثقافي سيحوله إلى كيان خاوٍ وفارغ من أي اعتبار وقريب من السقوط، وإذا كان المجتمع مرتزقاً من الناحية الثقافية وتابعاً للثقافة العدوة، فسيكون مجبوراً على أن ينجر إلى جانب الاعداء من ناحية الابعاد الأخرى للمجتمع، وسوف يستهلك أخيراً ويضيع شرفه من جميع الابعاد والنواحي"([12]).
     وعرف هورشمان ومارشال العولمة بأنها "اندماج أسواق العالم في حقول التجارة، والاستثمارات المباشرة، وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتقانة ضمن اطار من رأسمالية حرية الأسواق، وخضوع العالم لقوى السوق العالمية تبعا لذلك؛ مما يؤدي إلى اختراق الحدود القومية وإلى الانحسار الكبير في سيادة الدولة([13]).
     وقراءة في أبعاد هذه التعاريف تبين مدى الاختلاف ما بين العولمة والإسلام. فالعولمة هي نفي الآخر، واختراقه ثقافياً واقتصاديا، هي محاولة فرض ثقافة واحدة تملك القوة المادية وتجهد للسيطرة على العالم، في حين أن الإسلام هو رسالة عالمية "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سبأ: 28). والعالمية تعني الانفتاح على العالم، والثقافات الأخرى، مع الاحتفاظ بالخصوصية كما في قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم" (الحجرات: 13) والعالمية تقوم على أساس تكريم الإنسان لقوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم" (الإسراء؛ 70).
     لقد أختزلت العولمة الإنسانية بأهدافها وغاياتها إلى عالم مادي تتجاذبه معادلة الربح والخسارة، وأصبح المال هو الهدف والوسيلة والمثل الأعلى. والمثل الأعلى كما بيّن السيد محمد باقر الصدر "يستقطب عملية البناء الداخلي للإنسانية، وهو الذي تتمحور فيه كل الغايات وتعود إليه كل الأهداف. فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً تكون الغايات صالحة وممتدة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أو منخفضاً تكون الغايات المنبثقة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً... المثل الأعلى يتجسد من خلال رؤية فكرية، ومن خلال طاقة روحية تزحف بالانسان في طريقه. وكل جماعة اختارت مثلها الأعلى، فقد اختارت في الحقيقة سبيلها وطريقها ومنعطفات هذا السبيل وهذا الطريق"([14]).
     ويطلق القرآن الكريم والتعبير الديني على المثل الأعلى كما يبين السيد محمد باقر الصدر "في جملة من الحالات اسم الإله، باعتبار أن المثل الأعلى هو القائد الآمر المطاع الموجه، وهذه صفات يراها القرآن للإله، ولهذا يعبَّر عن كل من يكون مثلاً أعلى، كل ما يحتل هذا المركز، المثل الأعلى يعبَّر عنه بالإله، لأنه هو الذي يصنع مسار التاريخ، حتى ورد في قوله سبحانه وتعالى "أرأيت من اتخذ إلهه هواه" (الفرقان: 43)، عبَّر حتى عن الهوى بأنه إله حينما يتصاعد هذا الهوى تصاعداً مصطنعاً فيصبح هو المثل الأعلى وهو الغاية القصوى لهذا الفرد أو لذاك، فالمُثُل العليا بحسب التعبير القرآني والديني هي آلهة في الحقيقة، لأنها هي المعبودة حقاً، وهي الآمرة والناهية حقاً، وهي المحركة حقاً، فهي آلهه في المفهوم الديني والاجتماعي"([15]).
     لقد تبنت العولمة عالم المادة بحيث أصبح هو الموجه، الآمر والناهي، بحكم حب المال وبدافع أكثر خطورة هو التسلط والسيطرة، "إن مصلحة المتسلط أن يحول الواقع الذي يعيشه مع الناس إلى مطلق، إلى إله، إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه. يحاول أن يضع كل الأمة في إطار نظرته هو، في إطار وجوده هو لكي لا يمكن لهذه الأمة أن تفتش عن مثل أعلى ينقلها من الحاضر إلى المستقبل، من واقعه إلى طموح آخر أكبر من هذا الواقع. هنا السبب اجتماعي لا نفسي، السبب خارجي لا داخلي([16]).
     وهذا ما يميز حكومة الاستبداد في أشد مراتبها. فالتسلط أو المستبد كما يشير الكواكبي "يتحكم في شؤون الناس بإرادته، يحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المعتدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس، يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته([17]) وهذا ما عبَّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري" (القصص: 38)، وقوله عزَّ وجلّ: "قال فرعون ما أريكم إلاَّ ما أرى وما أهديكم إلاَّ سبيل الرشاد" (غافر: 29). ويسمى القرآن الكريم هذا النوع من القوى التي تحول هذا الواقع المحدود إلى مطلق، وتحصر الجماعة البشرية في إطار هذا المحدود، يسمى هذا بالطاغوت لقوله عزَّ وجَّل "والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البُشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب" (الزمر: 17 - 18).
     لقد نجحت العولمة في اختراق منظومة الثقافة الإسلامية، والهيمنة عليها وتذويب هويتها عن طريق حكام مسلمين في بلاد مسلمين امثال: رضا خان في ايران، وكمال أتاتورك في تركيا، اللذان جسدا المثل الأعلى للإنسان الأوروبي المنتصر، والذوبان والانصهار في هذا المثل الأعلى، واستطاعوا أن يطبقوا هذا المثل الأعلى ويكسبوا ولاء المسلمين أنفسهم لهذا المثل الأعلى. ففي عام 1923 قام اليهودي حفيد مرزحي بافتتاح البرلمان التركي بقوله: "نحن الآن في القرن العشرين لا نستطيع أن نسير وراء كتاب - يعني القرآن الكريم - يبحث عن التين والزيتون"، فصفق له الدونمة وقالوا: سلمنا البلاد لأيدي أتاتورك الأمين، وتركنا الكعبة للعرب"، وبالفعل قام أتاتورك بالغاء كل ما يربط تركيا بالاسلام من قريب أو بعيد"([18]).
     وقال شمعون بيريز عام 1978 "لا يمكن أن يقوم السلام في هذه المنطقة ما دام الاسلام شاطراً سيفه، ولن نطمئن إلا إذا عاد السيف إلى غمده إلى الأبد"([19]).
 
II- خصائص العولمة:
                 تتمثل الخصائص الرئيسية للعولمة في تحرير التجارة الدولية، والتوسع في الاستثمار الأجنبي، وظهور التدفقات المالية الضخمة العابرة للحدود، وقد نشأ عن ذلك زيادة التنافس في الأسواق العالمية. ومن المعترف به على نطاق واسع أن هذه الأمور حدثت من خلال الأثر المشترك لعاملين رئيسين هما: القرارات المتعلقة بالسياسة الدولية، وأثر التكنولوجيا الجديدة لا سيما في مجال المعلومات والاتصالات التي أضفت بطابعها المميز على العملية الراهنة للعولمة. فقد تقلصت الحواجز الطبيعية المتعلقة بالزمان والمكان، انخفضت انخفاضاً شديداً تكاليف انتقال المعلومات والناس، والسلع، ورؤوس الأموال على وجه البسيطة. في الوقت الذي أصبحت فيه الاتصالات العالمية رخيصة التكلفة وآنية الاستخدام، وأدى ذلك إلى توسيع هائل في امكانية إجراء المعاملات الاقتصادية في العالم.
     كما "أدت التكنولوجيا الجديدة إلى تغيير الميزة النسبية الدولية من خلال جعل المعرفة عاملاً هاماً من عوامل الانتاج، ومصدراً من مصادر القوة والثروة. وقد أصبحت الصناعات القائمة على المعرفة الكثيفة، والتكنولوجيا العالمية من أسرع القطاعات نمواً في الاقتصاد العالمي. وهذا كان له أصداؤه على بقية الاقتصاد العالمي بإحداث اختلالات شديدة في التوازن بين الشمال والجنوب من حيث فرص الحصول على المعرفة والتكنولوجيا الجديدة. فجميع أشكال التكنولوجيا الجديدة يعود أصلها إلى الشمال، حيث يجري الجانب الاعظم من البحث والتطوير. وهذا مصدر هام من مصادر سيطرة المنشآت المتعددة الجنسية في الأسواق العالمية وما تتمتع به من قوة في المفاوضة مقابل حكومات البلدان النامية"([20]). معتمدة على أدوات تساعدها على تعميم الرؤى والمعايير تحمل العالم على الانصياع لها أو سن عقوبات عليها. ومن هذه الأدوات:
-    المنظمات والاتفاقات الدولية مثل: صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية، الشركات العابرة للقارات والمتعددة الجنسيات، نادي باريس، نادي روما، مؤتمر الدول الصناعية الكبرى.
- العقوبات الاقتصادية: فبالرغم من تسهيل العولمة لتدفق الاستثمارات الأجنبية إلى ارجاء المعمورة، فهي تسن العقوبات بحجة منع تجارة المخدرات أو مكافحة الارهاب.
 
III- آثار العولمة:
     قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك في كلمة القاها بمناسبة اليوم الوطني الفرنسي (14 يوليو 2000) "إن العولمة بحاجة إلى ضبط، لأنها تنتج شروخاً اجتماعية كبيرة، وهي وإن كانت عامل تقدم، فهي تثير أيضاً مخاطر جدِّية، ينبغي التفكير فيها جيداً، ومن هذه المخاطر ثلاثة: أولها أنها تزيد ظاهرة الإقصاء الإجتماعي، وثانيها أنها تنمي الجريمة العالمية، وثالثها أنها تهدد أنظمتنا الإقتصادية"([21]). هذه المقولة من الشهادات التي تؤكد هيمنة العولمة، وهي شهادة من قلب أوروبا الحضاري العريق فكيف بالبلدان المستوردة للعولمة؟
 
واقع المجتمعات الإنسانية في ظل العولمة:
1- على المستوى الاقتصادي والاقتدار المهني:
     رغم ايجابيات العولمة الكبرى التي تحمل فرصاً غير مسبوقة في توسيع آفاق الوجود من خلال المعرفة وتنمية القدرات والمهارات، وفتح الأسواق والحدود، وفتح مسارات جديدة للتنمية على المستوى الانتاجي، والزراعي، والخدماتي على مستوى العالم. إلا أن هناك تداعيات وآثاراً سلبية تفرزها العولمة تتجلى:
1-1بروز تحديات غير مسبوقة على مستوى الإقتدار المهني، والمعرفي، والنفسي. فالتحولات والمتغيرات المتسارعة التي فرضتها العولمة على جميع صعد الحياة في مختلف جوانبها، وضعت الفرد أمام احتمالات تغيير مساراته، وأنماط حياته التقليدية، والدخول في مستقبل لا يعرف مدى طبيعته وحدوده. وأصبحت عملية التفاعل والتواصل والتبادل تحتم الخروج من النطاقات المحلية الضيقة، إلى الانفتاح على العالم الكوني القائم على قانون القوة والاقتدار، والذي يتطلب مرونة عالية على المستويات النفسية، والسلوكية، والقدراتية مع المستجدات المتلاحقة والمتسارعة في بيئة تتسم بدرجة عالية في التنافس حيث تكون الريادة لمن يمتلك الإقتدار، ويحسن صراعه مع الحياة وتحدياتها.
1-2            سيطرة الشركات الضخمة على أسواق العالم، واحتكار السلطة في أيدي مجموعة متحدة من رجال أعمال دوليين وحكومات ومدن همها الأول هو تعزيز القوة التنافسية. ويشير الجبالي "... وتتقاسم خمسة بلدان رئيسية هي: الولايات المتحدة، واليابان، وفرنسا، والمانيا وبريطانيا فيما بينها 172 شركة من أكبر مائتي شركة في العالم. وكما توضح بيانات التجارة العالمية أن حصة الولايات المتحدة وحدها تعادل خمس حجم التجارة العالمية، وأن البلدان الخمسة المشار إليها آنفاً تتقاسم نصف حجم التجارة العالمية"([22]). وتبعاً لبيانات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي هناك 358 فرداً تساوي ثروتهم النقدية حجم الصادر الذي يعيش عليه مليار وثلاثمائة مليون شخص فقير في العالم([23]).
1-3            ولدت العولمة حصائل غير متوازنة بين البلدان. فهناك ثروات يجري خلقها، ولكن بلداناً وشعوباً كثيرة لا تشارك في منافعها. إن توزيع المنافع بين البلدان يتسم بدرجة عالية من عدم التكافؤ. "فالبلدان الصناعية بما لها أصلاً من قاعدة إقتصادية قوية، وما تتمتع به كانت مهيأة من وفرة رؤوس الأموال والمهارات، وما لها من ريادة في مجال التكنولوجيا، كانت مهيأة بصورة أفضل للحصول على مزايا كبيرة من تزايد عولمة الاقتصاد العالمي. وعلى طرف النقيض من ذلك، فإن البلدان الأقل نمواً هي أسيرة دورة مفرغة تتشابك فيها المقومات ومنها الفقر، والأمية، والحرمان من المزايا الجغرافية، وسوء الإدارة، إضافة إلى أن هذه البلدان يثقل كاهلها عبء الدين الخارجي المرتفع"([24]).
     وتشير التوقعات الحالية لمؤتمر العمل الدولي، إلى استمرار الزيادة في التباين في           المداخيل على الصعيد العالمي، وهذا أمر قد يؤدي في أسوأ الحالات إلى انعدام     الاستقرار الإجتماعي، والعنف، وارتفاع معدلات الجرائم، وانخفاض العمر المتوقع،          ويتوقع تقرير اتجاهات العمالة العالمية لمنظمة العمل الدولية زيادات حادة في             البطالة"([25]).
1-4            أفضت العولمة إلى تحول الجزء الأعظم من العالم إلى عالم بؤس وفاقة. هناك عالم غني ببعض مدن كبرى فقط، وأحياء فقر وجوع هي الأخرى كبرى. يشير تقرير للأمم المتحدة "بأن هناك نسبة كبيرة يعيشون دون خط الفقر، ولا تزال (مناطق الإسكوا) بعيدة عن تحقيق الغاية المنشودة بتوفير العمالة الكمالة والمنتجة، والعمل اللائق. فمؤشرات الشباب والنوع الإجتماعي هي مدعاة "قلق حقيقي"، ولم تحرز المنطقة تقدماً كبيراً في الحد من فقر الدخل، وقد تفشت البطالة في معظم أسواق الدولة العربية. والحالة هي أسوأ مما تكون عليه بالنسبة إلى الشابات"([26]).
     وقد نشر البنك الدولي عام 2008 تقديرات جديدة بشأن الفقر تكشف أن ما يقارب 1.4 مليار شخص في أقل المناطق تنمية في العالم. أي حوالي 26% من سكان العالم عاشوا أقل من 1.25 دولاراً في اليوم عام 2005. وتكشفت الدراسة أن قرابة 829 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر من الإناث، و 522 مليون شخص من الرجال"([27]).
 
2- على المستوى الإجتماعي:
1-2            التطورات الهائلة في المعلومات وسرعة الحصول عليها، كان لها تأثيرات ثقافية، واجتماعية وسلوكية حيال العادات، والتقاليد، والثوابت المميزة للهوية والمعتقد والانتماء. لقد تبدلت القيم التقليدية والروحية لصالح القيم المادية والمصالح الفردية، وأصبح من يتمسك بتقاليده وثوابته مغترباً في مجتمعه. ويزداد الإحساس بالاغتراب كلما زادت وطأة التغيرات والتحولات. ولخوف الفرد من فقدان شعوره بالتماثل الاجتماعي، أصبح يتغاضى عن تقاليده وثقافته وموروثاته.
     يرى الدكتور أحمد درويش "أن العولمة تريد قولبة العالم العربي ومحو الخصائص المميزة له. فعندما نتحدث بلغتنا العربية فإننا نكون أمام أمريكا وغيرها، من أصحاب وضع العوائق أمام التواصل مع العالم، وعندما نرجع إلى التراث نُتَّهم بالتخلف، وعندما نرتدي الازياء التي تميزنا نُتَّهم بالتعصب والتطرف. فهل تريد العولمة غير محونا من الوجود وتمزيقنا إلى شظايا"([28]).
2-2           أفضت العولمة إلى تنامي الاتجار بالجرائم العابرة للحدود، وإلى تنامي الجريمة المنظمة، وتجارة المخدرات، والاتجار بالأطفال، وعمالة الأطفال، والرقيق الابيض، وهناك توجهات إلى تدجين البغاء والدعارة ومحاولة اضفاء الشرعية القانونية على هذا العمل عبر التشريعات المتعلقة بذلك والهادفة إلى تقنين هذه المهنة.
     تفيد تقديرات منظمة العمل الدولية بأن قرابة 218 مليون طفل يمارسون عمل الأطفال، ويزاول 127 مليون طفل منهم عملاً خطيراً، بينما أرغم أكثر من 8 ملايين على العمل في سياق الاتجار بالأطفال، أو كجنود أطفال، أو كعمال سداد لدين، أو في ظروف الاستغلال الجنسي، ويشكل الاستغلال الجنسي للأطفال لأغراض تجارية انتهاكاً فظيعاً لحقوقهم وتعمد فئات كبيرة من المجتمع ارسال بناتها للعمل كبغايا، وتشير التقارير بأن مليوني طفل في العالم يقعون ضحايا الاستغلال الجنسي لأغراض تجارية، الذي يرتبط جزء كبير منه بالترفيه والسياحة. وبُذلت جهود لا يستهان بها لابراز الممارسات الدنيئة للسياحة الجنسية، لا سيما فيما يتعلق بانتهاك حقوق الفتيات"([29]).
2-3           تنامي تجارة المخدرات تحت ستار الجريمة المنظمة التي تعتبرها الأمم المتحدة من أهم تحديات القرن الحادي والعشرين. إن الظروف التي وفرتها العولمة من سياسات ووسائل وتقنيات، دفعت عصابات تصنيع وتجارة المخدرات إلى توسيع نشاطها، بحيث لم يسبق عصر من العصور أن راجت تجارة المخدرات بين الشمال والجنوب، كما هو اليوم. وعندما راجت هذه التجارة راجت أيضاً التجارة المرتبطة بها، كغسل الأموال، وظهور الجريمة المنظمة، والمافيا التكنولوجية أو الذكية، لأنها تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، وتداخل هذه العصابات مع السلطة في بعض البلدان.
إن الليبرالية كما يبين عبد القادر عبد الله العرابي "فتحت شهية الفقراء والاغنياء على الكسب على حد سواء بغض النظر عن طريقة الكسب، وهذا ما يسميه عالم الاجتماع الأميركي "بالانحراف الابداعي" بمعنى أن الناس يتطلعون إلى الكسب، لكن ظروفهم الاجتماعية تعوق ذلك، فيبتدعون وسائل غير شرعية للحصول على المال. وهنا لا يوجد مال وسخ ونظيف، لكن توجد قيم وسخة ونظيفة"([30]). لقد مهدَّت العولمة بأيديولوجيتها الليبرالية بتهميشها للقيم والثقافة إلى بروز اللامعيارية المجتمعية. لقد اهتزّت كل القيم والمعايير الإجتماعية وتشهد نوعاً من الميوعة، لأنها تواجه قيم الكسب والمنفعة. إن تنامي الجريمة المنظمة يعبَّر عن حقيقة اساسية وهي تلاشي المنظمات الايديولوجية، لتحل محلها المنظمات والعصابات المافووية. نحن أمام تغير في فكر وأهداف وتنظيم هذه المنظمات، يتمثل في التراخي وتراجع القيم الإنسانية وهيمنة القيم الليبرالية. والجديد في الأمر أن هذه المنظمات صارت تمثل دولاً، تسمى "بجمهوريات المخدرات".
     وفي تحليل الدكتور العرابي "في الجنوب كانت العولمة أكثر من صدمة حضارية، إنها اللامعيارية التي بحثها كل من دوركهايم وميرتون، أي أن بعضاً من مجتمعات الجنوب فقد توازنه ويعاني من خلل وظيفي، وعندما تنهار المعايير الإجتماعية يكثر الانحراف. هناك خلل في الثقافة والقيم، وعندما تختل القيم، تختل بنية الشخصية... ما يجمع البشر هو الكسب، وليس التضامن الإجتماعي. ولذلك فالأزمة العالمية هي "أزمة القيم". إن هذه الأيديولوجية تبعث التوتر والقلق والكآبة والأمراض النفسية والإجتماعية والعزلة، لأن التحديات اليومية أقوى من الطاقات الشخصية([31]).
     إن صناعة المخدرات المحظورة كما يشير بيتر ليللي "تساوي 400 مليار دولار سنوياً، ما يجعلها أكبر من صناعة البترول، والغاز الطبيعي في العالم. هذه الصناعة المحظورة لها 400 مليون زبون منتظم ويتم في إطارها غسل 200 مليار دولار بنجاح عبر العالم كل سنة"([32]). وتشير الدراسات أن عدد الاشخاص الذين استهلكوا عقاقير غير مشروعة من عام 2004 بلغ 200 مليون شخص([33]).
     نحن أمام ظاهرة كبيرة تشغل الناس وتملأ العصر. إن تنامي ظاهرة المتاجرة بالأطفال والنساء والمخدرات تختصر فجور وجسارة مفاهيم هذا العصر وهي تشير إلى فوضى عارمة تذهب بالمجتمعات الانسانية (ذكور وإناث) إلى الدمار الذاتي، ومن ثم الدمار المجتمعي. ويشير البروفسور عباس مكي "إن الإمعان في الكحول والتدخين والمخدرات هي "الوسائل الفمية" أو ا"لعقاقيرية" المعتمدة للدخول في سلوك الاستهلاك الجنسي، أو الدعارة، أو البغاء، وما ينتج عنه من تهديم لمقدم هذه الخدمة السوداء ولطالبها أيضاً. اضافة إلى ضبابية وهوامية المتعة الحاصلة من هذا الاستهلاك. إلى جانب المردود على مستوى الربحية يعود بشكل أساسي وحاسم لصالح المافيات المتاجرة بهذه السلع "الخدماتية" المسماة "جنسية" في التعابير السياحية والفندقية المعاصرة"([34]).
2-4           الأسرة وتبعاً لثقافة العولمة مقبلة "لا بل أنها تعيش" حالة فوضى تبادلية علائقية عارمة لن تجد لها حلاً إلا في العزلة والانفجارات. الأسرة التي تمثل ذاك التلاقي الانساني - الوجداني. والحجر الأساس ونواة المجتمع، وهي مصدر الاستقرار والتواصل والنماء والانتماء. إنها أول عامل من عوامل التفاعل مع المجتمع والاندماج فيه، والحفاظ على القيم الإجتماعية والثقافية ونقلها من جيل إلى جيل. وعلى المستوى النفسي تشكل الأسرة أساس الصحة النفسية ومنطلقها، والتي تشكل لاحقاً مرتكز كل نشاط وظيفي تفاعلي. وفي داخل الأسرة يتحقق تبادل الرعاية العاطفية، والمحبة، والحميمية، والتفاهم، والتآزر، والتكامل والتضامن، وللأسرة دور أساسي وأولي في تحصين أفرادها من الانزلاق في متاهات الإثم والحرام والهامشية. ففيها يتصالح مبدأ اللذة مع مبدأ الواقع. من خلال الأسلوب التربوي الذي يعكس لائحة القيم الدينية والصور العلائقية النموذجية.
     إن الأسرة ومع تنامي ظاهرة النمو الحضاري وكنتيجة حتمية لحركة التغيير الاجتماعي تتجه نحو التفكك. لقد أصبحت تعيش تحت ارهاصات الحضارة الحديثة، وما تفرزه من مآزم نفسية وضغوطات بالغة التعقيد، تعيش الأسرة هزَّة اجتماعية، اقتصادية، ثقافية عميقة، تتنازعها الهبات التجاذبية للاصالة والتجديد، مما أفقدها وظيفتها ومكانتها كقوة مؤثرة في تنشئة ابناءها. لقد أخذت الاسرة في عالم العولمة معنى مغايراً عن معناها السامي.
     لقد أخذت الأسرة في بعض المجتمعات وتبعاً للمفاهيم الراهنة صورة "المافيا" بخصائصها الانحرافية والإجرامية. يشير محمد فتحي عيد "أن المافيا هي كلمة ايطالية تعني الأسرة أو العائلة وأصبح رئيس العصابة هو رئيس العائلة أو العراب أو الأب الروحي. ويرجع أصل المافيا إلى بعض الألبان الذين هربوا من منطقة البلقان بعد سقوطها تحت الحكم العثماني وذهبوا إلى صقلية حيث انشاؤا المافيا وتوارثها الألبان بعد أن تجنسوا بالايطالية. وعندما هاجر الإيطاليون إلى الأرض الجديدة في أمريكا نقلوا معهم فكرتهم عن المافيا وتكونت عائلات اجرامية منظمة وبخاصة في شيكاغو، ولاس فيغاس، ولوس انجلوس، وسان فرنسيسكو، وتمارس هذه المنظمات الإجرامية عدة أنشطة تهريب الاسلحة، إدارة ملاهي وكازينوهات للقمار وأوكار للدعارة، بالإضافة إلى عمليات الاغتيال والابتزاز وتجارة المخدرات وغسل الأموال المتحصلة من الجرائم. ويبلغ عدد أسر المافيا بالولايات المتحدة الأمريكية 12 أسرة وتضم 20 ألف محرك محترف من أصل ايطالي. ويتولى التنسيق بين هذه العصابات حتى لا يحدث الصدام بسبب التنافس على السيطرة على مناطق النفوذ لجنة تسمى اللجنة العليا للمافيا تضم رؤساء الأسر"([35]).
     لقد تحولت الأسرة الواسعة التي تخضع لسلطة الأب، إلى الأسرة النواة التي تخضع لسلطة الفرد، كما وأنه نتيجة لحركة التغيير التي تنادي بها الحرية برزت ظاهرة الجنسية المثلية (زواج الشاذين جنسياً). فقد بذلت جهوداً واسعة النطاق على المستوى الرسمي في الولايات المتحدة لدعم الدفاع عن حقوق مثليي الجنس وحمايتهم. وقد أقرت العديد من الدول الأوروبية، كذلك في بعض الولايات الأميركية قانون الزواج، والتوريث لمثليي الجنس.
     هذه الظاهرة (الجنسية المثلية) تعتبر في الشرع الإسلامي من أشد المنكرات، وقد جاءت العقوبة الإلهية على ممارسي هذه الظاهرة بمستوى قوة وخطورة الجرم المقترف، فكانت عقوبة مشدَّدة، ومتناسبة، ورادعة، كما في قوله تعالى "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل مسومة عند ربك وما هي للظالمين ببعيد" (هود: 82 - 83)، وفي قوله تعالى: "ولوطا إذ قال لقومه أتاتون الفاحشة وأنتم تبصرون أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون فما كان جواب قومه إلاَّ أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا أمرأته قدرناها من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين" (النمل: 54 ← 58). وجاء في الحديث عن النبي (ص): "إن أخوف ما أخاف على أمتي من عمل قوم لوط"([36]).
     نحن أمام دينامية كبرى بالغة التعقيد تتجه إلى تدمير ونسف الخصوصية الذاتية للبشرية (ذكور، وإناث) بإحلال ظاهرة التبنيِّ على حساب تحديد النسل تحت شعارات الصحة الإنجابية. هذه الظاهرة لن تقتصر نتائجها لاحقاً على ضياع الأطفال ما بين الهوية والترك العاطفي، وعلى الراشدين في اطار ظاهرة الهامشين والمنبوذين. أنها تحدِّ خطير على مستوى القيم والموروث الثقافي الديني.
     كما أن بيئة التكنولوجيا المعاصرة بمشاريعها الجريئة في مشاريع تصنيع الحياة البشرية المؤدية إلى أنماط أسرية جديدة، وقد حصل هذا فعلاً في العالم المتقدم أي الولايات المتحدة وأوروبا وبعض أنحاء آسيا وأميركا اللاتينية، وربما بدأت مشاريع "تصنيع الحياة البشرية" تغزو مجتعاتنا العربية الاسلامية بأشكال متفاوتة أو غير مقننة، وهي من الخطورة على المستوى النفسي والتبادلي والعلائقي في منظومة الأسر القائمة من جراء هذا التصنيع حيث تطرح كما يشير البروفسور عباس مكي "تعقيدات العلاقة بين الوالدين. والأبوين والأطفال الذين لا يشاركونهم في الأصل الجيني، لأنهم لم يتحدروا من أصلابهم. كما تطرح المسؤولية الأخلاقية حول اختلاط الأنساب، نتيجة هذا الخلط في الأصول البيولوجية من أشخاص مختلفين لا يمت الواحد منهم بصلة تبادلية مع الآخر. هذا إلى جانب البرودة العاطفية والتبادلية ما بين الأهل في الأسرة الجديدة وبين الأبناء على قاعدة أن العلاقة اجتماعية وليست بيولوجية"([37]).
     كما أن بيئة التكنولوجية المعاصرة أدخلت المرأة في دائرة المجتمع المأزوم الذي تنادي به العولمة من خلال المساواة بين الجنسين لدرجة مزايدة المرأة على ادوار الرجل التقليدية، وإنها قادرة على ايجاد البدائل في بناء وتكوين أسرة خارج العلاقات الشرعية (الزواج)، أو غير الشرعية (المعاشرة دون زواج).
2-4           إن المرأة تعيش في الوقت الراهن في ظل حركة الانعتاق الموهوم وفي ظل معايير التحرر الغير المشروط التي تنادي بها العولمة تحت شعارات السلم، التنمية، المساواة، القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بهدف الارتقاء بكيانها، وبناء نوعية حياة راقية، متجددة، تحدد على أساسها آلية النماء والانتماء ذاتياً ومجتمعياً. لقد بينت الوقائع بأن المعركة الممتدة في الزمان والمكان والمتنوعة المستويات والمداخل التي تخوضها المرأة في ظل التوجهات العالمية أدت ضمن سياقات متنوعة إلى اختزال قيمة المرأة ومكانتها، إلى حد الإستباحة لكيانها في خصائصه وطاقاته ودينامياته ووجداناته.
     لقد أثبتت الوقائع على المستويين المادي والمعنوي بأن هذه المعركة المستمرة لم تحقق نوعية الحياة الإنسانية المأمولة للمرأة. كما أنها بينت حقيقة التوجهات العالمية في طمس الذات الأصلية للمرأة بشكل عام. وللمرأة العربية المسلمة بشكل خاص، من خلال تشويه وتحريف الأطروحة الحقيقية التي شرعتها الأديان السماوية للمرأة. لقد تحولت المرأة في ظل العولمة إلى دفاعية استجابية تخدم السلطة السائدة، المتمثلة بالعولمة، على مستوى الرؤى، والقيم، والدوافع، والسلوكات. هناك محاولة جدية في تغييب صورة المرأة المسلمة، وتذويب الخصوصية الذاتية لشخصيتها ضمن مفاهيم المساواة بين الجنسين، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وقد عقدت المؤتمرات منذ عام 1975 (الجمعية العامة للأمم المتحدة) إلى تاريخه، وانشأت اللجان والشبكات، والهيئات والمنظمات، والحركات النسوية، على المستوى المحلي والاقليمي والدولي، وتم إنشاء منظمة المرأة العربية تحت مظلة جامعة الدولة العربية (2002).
     وقد أثبت الوقائع والظاهرات الإجتماعية أن المرأة بدلاً من الحصول على مكانة تحقق لها الارتقاء الإنساني الذي يمهد السبيل لبناء نوعية حياة راقية، ومتجددة، وخلاقة، لقد تحولت إلى "شيء ما" بدلاً من "كائن ما". لقد اختزلت في ظل المفاهيم السائدة إلى صورة جسد يشكل أحد مقومات إقتصاد السوق في عصر العولمة "لقد تحول الجسد كما يشير البروفسور عباس مكي، من خصوصية وحميمية تبحث عن المتعة الحلال، إلى جسد بارد، يعمل كطاقة تبادل اقتصادية بالترغيب والترهيب: وبهذا يتم الانتقال بصورة الجسد من مهارة إقتصاد الانتاج إلى مهارة اقتصاد الجنس"([38]).
     كما أثبتت الوقائع فظاعة استثمار المرأة اعلاميا في موضوع الجنس، والتحريض على الرذيلة والجريمة الاخلاقية في اطار خطوط الصداقة الدولية الجنسية المرتبطة بالاعلان والاعلام الراهنين. إن جسد المرأة في ظل جسارة ثقافة العولمة يتم استغلاله على كافة الصعد لتمرير السلع الاستهلاكية في اطار عملية تشريطية معقدة، يجري تداوله ضمن نظرية العرض والطلب.
     إن واقع المرأة في ظل العولمة يعكس الرؤية الحقيقية للعولمة الهادفة إلى اعادة بناء هيكلية المجتعات العربية والاسلامية تبعاً لثقافتها الخاصة حيث أن المرأة تمثل في جوهرها مستودع الموروث الثقافي الديني والحضاري.
 
IV- النبي الأعظم محمد (ص): المثل الأعلى للإنسانية:
     العولمة وإن أصبحت أمراً واقعاً، لكنها ليست حتمية. حيث أن التاريخ في حركة تطور مستمر والعولمة هي جزء من هذا التطور؛ وهذا يعني أن المجتمعات الإنسانية قادرة على التغيير، خاصة المجتمعات الاسلامية كونها تمتلك رصيداً ثقافياً حضارياً غنياً يعزِّز مناعتها في المحافظة على خصوصيتها وهويتها، وبالتالي تجاوز مخاطر وسلبيات العولمة. إن الحضارة الاسلامية استطاعت كما يبين كريستوفر دوسن في كتابه (تكوين أوروبا) "أن تحتفظ بمركز الصدارة منذ أوائل العصور الوسطى فصاعداً، لا في الشرق فحسب، بل كذلك في غرب أوروبا. إذ نمت الحضارة الغربية في ظلال الحضارة الإسلامية التي هي أكثر منها رقياً وقتذاك، وكانت الحضارة الإسلامية العربية - لا البيزنطية - هي التي ساعدت العالم المسيحي في العصور الوسطى على استرداد نصيبه من التراث اليوناني العلمي والفلسفي"([39]).
     أن الاستسلام والهزيمة النفسية أمام العولمة هما من العوامل المساعدة لامتداد ثقافة السيطرة والاستغلال والاحتواء. إن الأمة العربية والاسلامية أمام تحدٍ كبير في مواجهة الوجه الخفي والمظلم للعولمة، من خلال اعادة التعامل مع مبادئها الاسلامية وتقييم واقعها على ضوء الكتاب والسُّنة ومدرسة آل البيت(ع) وتحديد مواطن الخلل وأسبابه. إن التحدَّي هو في مدى القدرة على تفكيك عناصر الحياة في المشروع العولمي واعادة تركيبه على هدي الاسلام ومبادئه.
     إن الأمة الاسلامية مطالبة إلى الاقتداء بُمثُل عُليا شكلت قاعدة كبرى في مستوى الوعي الرسالي المحمدي الداعي إلى ترسيخ دولة الحق والعدل، وصون الكرامة الإنسانية، ومقاومة أوجه الظلم والطغيان والاستبداد. مُثُل عُليا استطاعت هي نفسها بشعلة الايمان أن توجه مسارها الوجودي بالاقتداء بِمَثَل أعلى استلهمت من شخصيته التطلع الحقيقي للإنسانية، وأعني بتلك الشخصية؛ النبي الأعظم محمد(ص)، الذي رسم مساره وحركته الإنسانية بالتوجه إلى المثل الأعلى الحقيقي وهو الله تعالى لقوله تعالى "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه" (الانشقاق: 6). هذه الآية الكريمة كما بين السيد محمد باقر الصدر "تضع الله سبحانه وتعالى هدفاً أعلى للإنسان، والإنسان هنا بمعنى الإنسانية ككل، فالإنسانية بمجموعها تكدح نحو الله سبحانه وتعالى: والكدح - كدح الإنسانية ككل - نحو الله وتعالى يعني السير المستمر بالمعاناة والجهد وبالمجاهدة، لأن هذا السير ليس اعتيادياً، بل هو سير ارتقائي، هو تصاعد وتكامل"([40]).
     هذا المثل الأعلى الذي دعى إليه النبي(ص) يوحد الجماعة البشرية، يلغي كل الفوارق والحدود باعتبار شمولية هذا المثل الأعلى، يهضم كل الاختلافات، يصهر البشرية كلها في وحدة متكافئة لا يوجد ما يميز بعضها عن بعض، لا من دم، ولا من جنس، ولا من قومية، ولا من حدود جغرافية أو طبقية كما في قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" (الأنبياء:92)، وقوله عزِّ وجَّل: "وإنَّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون" (المؤمنون:52).
     إن الاقتداء بالنبي الأعظم(ص) يشكل الصلة الموضوعية بين الإنسان والمثل الأعلى الحقيقي، وبهذا يتسامى الإنسان بإنسانيته إلى حيث صفات الله، إلى حيث أخلاق الله، إلى حيث العلم الذي لا حد له، والقدرة التي لا حد لها، إلى حيث العدل الذي لا حد له، إلى حيث الجود والرحمة، والإنسانية حينما توفق في سيرها وتوجهها نحو الله سوف تُحدث تغيير كمي وكيفي على مستوى حياتها وتجربتها الوجودية. وهذا ما تَّوفق إليه الإمام الخميني في مسيرته الجهادية. وحقق بفراديته نصراً اتسم في عصر طغى فيه الظلم والاستبداد والطغيان، رفع من جديد راية الإسلام ومجد الاسلام وهويته، لقد اعاد روح التجربة المحمدية، النبي محمد | الذي كان يكابد طريقه، يستقبل العاصفة بأهوائها وهو يمخر أعباب الصراع.
     وما أشبه اليوم بالأمس، وما أحوج الإنسانية اليوم إلى الاقتداء بالنبي محمد(ص)الذي جهد بأمره، نشط إلى غايته يُطَّهر نفوساً عقدها الجحود والكفر، يعبِّد بمنكبيه الطريق، يرفع بصدره الصخور المعترضة سير قافلته، قافلته التي كُتب لها أن تتابع المسير. لقد تابع النبي(ص) طريقه، وقريش لا ترعوي تشتَّد اشتدادها، تبالغ في عتَّوها، في حقدها، في ايذائها، تركب شنآنها الهادر بالبغي والباطل. وما ذكرته الروايات والسير هي وضع البيان والشاهد، وهي في هذا القصد وافية أكبر ايفاء ومعلنة أبلغ إعلان.
     ومن قرأ كتب السيرة، علم ما لاقى النبي محمد(ص)في ذات الله سبحانه من المشقة، واستهزاء قريش به في الدعوة، ورميهم إياه بالحجارة حتى أدموا عقبيه، وصياح الصبيان به، وفتل الثوب في عنقه، وحصره وحصر أهله في شعب بني هاشم سنين عدة. وبعدها خرج عليه وعلى آله السلام منهم إلى الحبشة، وخرج مستجيراً منهم بثقيف، ثم أجمعوا على قتله والفتك به ليلاً ففاداه الإمام علي بن أبي طالب   ×بنفسه.
     ويبالغ النبي(ص)في الدعوة إلى الله صادعاً بأمره، ناهضاً بأعباء التزامه، ناشطاً إلى الغاية التي رسمتها له العناية الإلهية. إنه مدعو لمجابهة مجتمع بكل ما فيه من جحود، وكبرياء، واستعلاء، ورياء، حتى بسط في مقدسات الباطل يده وأعمل فيها معاول من إرادة العزم والحق. فكان(ص) قوة لا تدحر، يندفع غير آبه بحواضن الشر ومكامن الخطر التي ما برحت تزداد تنكيلاً وإمعاناً، بعد أن عاب أصنامهم وسفه آلهتهم. وكان النصر لمحمد | وأُتلفت الصحيفة التي علقها عتاة قريش على الكعبة. فكان النصر في إمزاق صحيفة أكلتها أرضة سكبت من لعابها على باطل الناس ما سكبت منه على باطل الحرف.
     وفي المدينة وبعد الهجرة تابع النبي |مسيرته يتجرع الغصص والمرار، ينهض بالحروب والغزوات، ينهض بالحمل الثقيل والأمر الجليل، يعيش مشاق التكليف ومحن الابتلاء وما هادن وما استكان لقوله(ص)إلى عمه ابي طالب "يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك"([41]).
     لقد أثبت النبي محمد(ص)للبشرية كما يرى السيد محمد باقر الصدر "بأن هناك اعتباراً وهدفاً فوق كل المصالح والاعتبارات، فوق كل الانانيات، فوق كل الامجاد المزيفة والكرامات المحدودة، أن هناك إنساناً لا تنفذ طاقته إذا ربط طاقته بطاقة الله. أن هناك لا ينقطع نفسه إذا كان دائماً يسير على خط رسالة الله تعالى"([42]).
     لقد أعطى النبي محمد في مسيرته مثالاً للقدوة الصالحة، والقدوة الصالحة لا تموت؛ إنما تستحيل روحانية ندية في ذات المؤمن. وعلى هذا يكون القدوة عاش في وجودين: مرة في وجود نفسه حينما دل على الهداية والصلاح، ومرة في وجود المؤمن الذي هو نموذج من الهداية ومثال من الصلاح. لقد كان النبي محمد(ص)الشخصية الكاملة التي حق لها أن تكون في حياة البشرية دليلاً أميناً، وبعد موته(ص) أمثولة رائعة، فيها من كل عناصر الخلود والسمو. فتاريخ كل أمة إنما هو في الحقيقة تاريخ عظمائها، فأمة لا عظيم لها لا تاريخ لها، أو ليست جديرة بالتاريخ. النبي محمد(ص)مثال العظمة ينير بدستوره الخالد القرآن الكريم السبيل للإنسانية في حالكة الظلم وفي الليل الأليل الأدكن، ليخرجها من الظلمات إلى النور. وكان حظنّا منه أن شعَّ علينا من فيض نوره الذي عَقَدت فصوله خيوط الشعاع القدسي، فكان (ص) شخصية كبيرة كبيرة بمقدار ما تسنى له من أسرار ذلك النور، وراح يعمل فينا عمله، يرتسم على لوحي الليل والنهار في مسيرتنا الانسانية واضحى طاقة ما زالت سارية، وستظل إلى يوم هو في شأن مصدر اشراق وإمداد وإرواء.
     لقد جُمعت للنبي محمد (ص) العظمة من جميع جوانبها، عظمة المبدأ، عظمة التوحيد، عظمة اليقين، عظمة الصدق، عظمة المضاء، عظمة الإباء، عظمة البطولة، عظمة الاستهانة بالحياة والموت غير ناظر إلى شيء إلا برهان ربه الذي امتزجت به نفسه، يفتديه بكل شيء هان أو عزَّ. ومن ثم كان جديراً عليه وعلى آله الصلاة والسلام أن يُدعى بالباني الأول، باني الإسلام، وأول أساس البناء القرآن الكريم.
     لقد سمت بالنبي(ص)الغايات، وعلت به الأهداف؛ أهداف ليست من نوع الشهوات، وغايات تحقر كل ما من الحياة من مادة وأشياء. فلا ترى سوى الملكوت الأعلى هدفاً، ودون السماء مستقراً لأنه مهدها، فلا بدع، إن حنَّت إليه، فللناس أوطانهم، وللناس حنينهم، ولمثل شخصية محمد(ص)وطنها ولها حنينها. وهل وراء الله مطلب؟ وهل إلى غير الله مصير؟؟
     هذه مبادئ المصطفى(ص)المختار رحمة للعالمين "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء: 107) فحق لمن شملته تلك الصفات أن يكون مثالاً لعظمة الإنسان، وأن تكون ذكرى ولادته ذكرى الإنسانية الخالدة التي يجدر بنا أن تستوحيها على الدوام كمصدر الهامي انبثق وهاجاً قوياً، وامتد بانواره أجيالاً وأجيال. وقراءة في المبادئ التي شرعها الباري عزّ وجل للبشرية على لسان نبيه الأعظم(ص)بين دفتي كتاب كريم محفوظاً إلى يوم الدين "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (الحجر: 9)، كتاب يقدِّم الدين لا بوصفه مجرد قرار تشريعي، بل يقدمه بوصفه سنَّة من سنن الحياة، ومقوماً أساسياً لخلق الله، وما سوف نذكره هو غيض من فيض:
1-4 التوحيد هو جوهر العقيدة الإسلامية، بالتوحيد يحرر الإسلام الإنسان من عبودية غير الله "لا إله إلا الله" ويرفض كل أشكال الألوهية المزيفة. وهذا هو تحرير الإنسان من داخل (والذي يعرف بالجهاد الأكبر) ثم يقرر كنتيجة طبيعية لذلك التحرر من أي مالك سوى الله تعالى وهذا هو تحرير الإنسان من خارج (والذي يعرف بالجهاد الأصغر) لأن هذا الجهاد لن يحقق أهدافه العظيمة إلا في إطار الجهاد الأكبر. من هنا كان الاسلام الذي كافح من أجله الأنبياء ثورة اجتماعية على الظلم والطغيان، وعلى كل الوان الاستغلال والاستعباد.
2-4           النصوص الإسلامية في الكتاب والسُّنة تؤكد على تبني قيم اجتماعية معينة كالمساواة والأخوة والعدالة. هذه القيم في طبيعتها تشكل أساساً لاستيحاء صيغ تشريعية متطورة ومتحركة - وفقاً للمستجدات والمتغيرات.
     إن المساواة التي يتناولها القرآن الكريم تتمثل في القيمة الانسانية، والحقوق الإجتماعية، والمسؤولية والجزاء ووحدة المآل والحساب يوم القيامة؛ لقوله تعالى "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم" (الحجرات: 13)، بهذه المساواة ينعدم التفاضل والتمايز بين الناس باللون أو الجنس أو المال، بل يقوم على أساس التفاوت في التقوى والعمل الصالح للمجتمع على الوجه الذي يرتضيه رب العالمين.
     إن المساواة في القيمة الإنسانية تقتضي العدالة الإجتماعية، لقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمَّنكم شنآن قوم على ألاَّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون" (المائدة: 8). كما أن المساواة تقتضي الكرامة الإنسانية لقوله تعالى: "ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" (الاسراء: 70). وعلى موجب صون هذه الكرامة شرع الباري عزّ وجّل للإنسانية الحقوق والواجبات التي من شأنهما تحقيق سعادتها ورقيها، وحفظ مصالحها. وعليه يكون القرآن الكريم الاسبق في وضع دستور شامل ومتكامل للحقوق الإنسانية.
     وتجدر الإشارة أن المساواة التي تنادي بها الحركات النسوية في العصر الحالي، ما هي إلا أحد الأوجه الخفية للعولمة. إن المرأة في الاسلام تحظى بالمساواة مع الرجل بكل ما يترتب من حقوق في وحدة الأصل، وما ورد من استثناءات مردَّه إلى اختلاف المرأة والرجل في بعض الخصائص التي تخدم تكاملها في الاستخلاف. فالبشرية في عمومها أسرة واحدة ترجع في أصل خلقها ونشأتها إلى نفس واحدة كما في قوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيباً" (النساء: 1).
     إن هذا الاقرار الإلهي في خلق الذكورة والانوثة من نفس واحدة جعل المرأة صنو الرجل في انسانيته، لها ما له، وعليها ما عليه من الحقوق والواجبات. وتأكيداً لمبدأ المساواة وعدم التميز بين الجنسين يتوجه عزَّ وجَّل إلى ذكر المرأة بصريح اللفظ كلما تعرض لذكر الرجل بأمر أو نهي بوعد أو وعيد، بثواب أو عقاب وذلك ضمن تشريع إلهي ملزماً كما في قوله تعالى "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذكرات أعدَّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً" (الاحزاب: 35).
     إن المرأة مقارنة عما أفرزته العولمة من اختزالات سلبية لصورتها، نجدها في الإسلام نموذج مثالي على وضعية التوازن، والاعتراف المتكامل للكيان الإنساني بكل أوجهه ودينامياته. في شخصية المرأة المسلمة تتجمع كل مظاهر الارتقاء والاعتراف بالكيان المستقل، والارادة الشخصية، وحرية الاختيار، وحرية القرار المنطلق من مركز الضبط الداخلي الذي يستند في مرجعيته إلى قوانين الهية تحدَّد الحقوق والتشريعات. إن قيمة المرأة تتمثل بما أعطى لها الإسلام من دلالة ووعي لفكرها وخصوصيتها، وقدراتها، ودوافعها، ورغباتها، ومشاعرها الاصلية، والتي كل منها تحقق لها كياناً ذاتياً لا يشبهها فيه إلا هي. إن المرأة في الاسلام عاملاً أساسياً من عوامل الارتقاء النفسي والبنيوي، والوظيفي، والإجتماعي من حيث أنها تشكل نصف المجتمع، لا بل هي التي تصنعه وتبنيه.
     لقد جسد الإسلام القيمة الانسانية بأن جعل المسلمون أخوة، وهو قانون يترفع عن التعصب الذميم مهما كان لونه كما في قوله تعالى "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم" (الحجرات: 10) وقوله عز وجل "واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً" (آل عمران: 103)، هذه الآيات المباركة تصحح مفهوم الناس عن الدولة الاسلامية التي تمثل في جوهرها رعاية للاخوة الدينية خاصة، والاخوة الإنسانية عامة. إن اهتمام الاسلام بالعلاقات التبادلية الأخوية كونها تمثل حالة دينامية جماعية تندرج ضمن دوائر متفاعلة تتبادل الأثر والتأثير، والفعل وردود الفعل بين عناصرها. كما إنها تشكل البعد العملي للرباط العاطفي الذي يدل على ذلك النوع من التلاقي الإنساني الوجداني الذي يتجلى في مسار نمو الشخصية. إن الطابع الايجابي للأخوة بين المسلمين يؤدي إلى دعم قوى الترابط والتآلف والود والتراحم، والعفو، والنصرة، والتعاون، وما يندرج تحتها من قوى، وترسُّخ تلك القوى يجعل كل منهم يمثل مكانة عالية ايجابية في عالم الآخر. وهنا تكمن الجدارة الاخوية في بعدها الواقعي العملاني. وبمقدار ترسخ العلاقات التبادلية القائمة على الأخوة، بمقدار ما يتجسد مفهوم العدالة، والابتعاد عن ألوان الظلم، والاستغلال من الإنسان لأخيه الإنسان. وبمقدار ما تتجسّد ديمقراطية العلاقة نحو التعاطف والتعاضد بين الجماعة.
     إن القرآن الكريم يحثَّ في مواضيع متعددة على مفهوم العدل ويشدَّد على الالتزام به لخير الجماعات، كقوله عزَّ وجَّل "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى إن تعدلوا أو تُعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً" (النساء: 135).
     إن مفاهيم المساواة والاخوة والعدل هي من المفاهيم الراسخة في التشريعات الاسلامية، فهي من جهة تجسد السلوة الروحية لكل المستضعفين، ومن جهة ثانية تعمل على ايقاظ الضمير الوجداني الانساني وتوعيته وتحريكه للمساهمة في مسيرة العدل على الأرض استناداً إلى قاعدة الحقوق والواجبات التي تنظم أطر التبادلات العلائقية بين أفراد المجتمع.
3-4           أكد الاسلام على أهمية الاسرة ودورها في تربية الاجيال، وقد استفادت النظريات النفسانية كثيراً من النظريات الدينية التي تؤكد على أن العلاقات الاسرية القائمة على الرباط العاطفي والانساني والديني تؤدي في دينامياتها وتحولاتها وانعكاساتها إلى بزوغ شخصية متينة متماسكة بحيث تشكل عنصر إغناء للجماعة والمجتمع والثقافة. ويشير البرفسور عباس مكي" أن أوروبا شهدت موجات واسعة من الاضطراب النفسي والإجتماعي عندما ابتعدت عناصر الأسرة عن مرجعها وموجهها واسقطت محرماتها وممنوعاتها، فأسقطت بذلك مثلها العليا. والدراسات النفسانية في هذا المجال وجدت علاقة قوية بين أمراض الذهان وتفكك الأسرة المريضة... إن معظم الجانحين والمجرمين يعانون من اضطرابات عاطفية علائقية معقدة مثل الشعور بعدم الأمان في إطار الأسرة، ومن تفكك الاسرة ومن ضياع الانضباط العائلي... إن الأسرة إذا فقدت تماسكها وأهملت قانونها عاش عناصرها طفرة سلوكية تؤدي بهم إلى الهلاك والمرض النفسي"([43]).
     إنَّ في الآيات القرآنية دستوراً متكاملاً يحمي الأسرة بكل عناصرها، ينظم العلاقات التبادلية فيما بين أفرادها من خلال تحديد الواجبات والحقوق التي تُحصِّن الأسرة من الانزلاق في متاهات الإثم والانحراف والحرام:
     على المستوى الحياة الزوجية يحدِّد القرآن أساس الرباط العاطفي بين الزوجين بقوله تعالى: "ومن آيته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (الروم: 21). وفي تحصين المرأة من الانزلاق في متاهات الحرام يقول تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن" (الأحزاب: 59)، وقوله عزَّ وجَّل "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله" (النساء: 34) وعلى مستوى التبادل المادي بين الزوجين يقول تعالى: "وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً" (النساء: 20 - 21).
     وعلى المستوى العلاقات التبادلية ما بين الابناء والآباء يقول تعالى "قل تعالوا أتلُ ما حرَّم ربكم عليكم ألاَّ تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا" (الأنعام: 151)، وقوله تعالى: "وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلاَّ إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الُّذل من الرحمة وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيراً" (الاسراء: 23 - 24).
     وعلى مستوى علاقات الآباء بالابناء يؤكد القرآن الكريم على الادوار الوالدية؛ وحُسن الرعاية والتربية لابناءهم صوناً لهم، وتنظيماً لسلوكهم كي يكون متوافقاً مع المبادئ والقيم الرسالية التي تحدد المسموح والممنوع. ومن بين تلك القيم أهمية نسب الابناء لآبائهم وذلك منعاً لاختلاط الانساب، يقول تعالى: "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم" (الاحزاب: 5).
     ويؤكد القرآن الكريم على الناحية العبادية في توجيه الشخصية "وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها" (طه: 132). وعلى مستوى التبادل المادي "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كُنَّ نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثُلث فإن كان له أخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً فريضة من الله إن الله كان عليماً حكيماً" (النساء: 11).
4-4           يقرر القرآن الكريم مفهوم الحرية فالاسلام دين الحرية والتفتح والانطلاق. إنه يقرر حرية الاعتقاد ويعتبرها حقاً للإنسان لا نزاع فيه. ذلك أن الله خلق الإنسان وزوَّده بالعقل والقدرة على التمييز، وأبان له السبل، ثم ترك له حرية الاختيار لقوله تعالى "إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً إنَّا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً" (الانسان 2 - 3). ويقول عزَّ وجَّل "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغَّي" (البقرة: 256). لقد دعا القرآن الكريم الإنسان إلى النظر والتفكر والاستدلال والتعرف على الحقائق عن طريق العقل. وانطلاقاً من هذا المبدأ دعا الله تعالى المسلمين إلى الالتزام بالحكمة والحجة والدليل بالدليل في مناقشتهم مع أهل الاديان الأخرى، وهنا يظهر أهمية الحوار. يقول تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل: 125)، وقوله تعالى: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين". (آل عمران: 159).
     الحرية في المنظور الإسلامي تعبير عن يقين مركزي ثابت (الإيمان بالله) ومنه تستمد البشرية سيرها في تحرير الذات من النزوات والشهوات وهو الجهاد الأكبر وتنهي إلى التحرر من عبودية الأصنام بمختلف أشكالها وألوانها وهو الجهاد الأصغر.
 
V- (لكم في رسول الله أسوة حسنة): اطلالة مستقبلية:
     نحن أمام انهيار مجتمعي، سلوكي ومعياري كبير على مستوى التجربة الحياتية اليومية. الأمة العربية والاسلامية أمام انهيار منظم ومقنَّن بشعارات في ظل التطور التكنولوجي الغير منظم والمتفلت من حدود الضبط، وما رافق هذا التطور من تقدم المعلوماتية والاعلام والفضائي الاعلان، والثورة البيوكيميائية. لقد انتقل الإنسان كما يشير البروفسور عباس مكي "من صدمة الطبيعة إلى صدمة تكنولوجيا الحضارة أو من صدمة الانكفاء إلى صدمة الانفلاش"([44]).. لقد انتقل "من صدمة إغراء الصناعة الثقافية إلى اغراءات صدمة الكارثة الطبيعية الإجتماعية: السلوك الجنائي الاخلاقي الفردي والمنظم"([45])، انتقل "من عولمة الإقتصاد إلى عولمة الإقتصاد الجنسي والاستغلال الجنسي" تحت عناوين "السياحة الجنسية"([46]). هذه التداعيات السلبية تطرح عدة توجهات:
- أهمية مسألة الوعي في المجتمعات الإنسانية عامة والعربية والإسلامية خاصة؛ والعودة إلى الموروث الديني المحمدي باعتبار أن الاسلام يمثل الهوية الحقيقية للبشرية لقوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (آل عمران: 110). وضرورة التفهم الواعي لدور الفكر الغربي الليبرالي والذي كانت العولمة أحد ظلاله الخفية التي جهدت إلى استلاب المجتمعات الانسانية باختراق منظوتها الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية.
- المعرفة والفهم للنظام العولمي والدوائر التي يتحرك فيها، والوعي العميق بالأهداف الاستراتيجية التي يرمي إلى تحقيقها. إن العولمة لا يمكن مواجهتها إلا من خلال امتلاك مستوى أعلى أو على الأقل موازٍ من المعرفة والتخطيط.
- وضع استراتيجيات اسلامية تعزِّز التقارب والوحدة والتضامن بين الجماعات الاسلامية تشكل قوة ممانعة تجاه النظم المناهضة للإسلام، تشمل الأسرة، والمدرسة، والجامعات، والحياة اليومية في كافة مجالاتها. إن الوحدة الاسلامية تشكل قوة في مواجهة الاستبداد، والتطلعات الهادفة إلى تشويه صورة الإسلام والمسلمين. قال بن غوريون في عام 1952 "نحن لا نخشى الثوريات ولا الديمقراطيات ولا الاشتراكيات في هذه المنطقة نحن نخشى الاسلام فقط. هذا العملاق الذي طال نومه ثم بدأ يتململ من جديد"([47]).
- وضع استراتيجيات تعزز الثقافة والوعي بحقيقة الرسالة الاسلامية. إن المشكلة ليست في الدين الاسلامي، إنما في مدى وفهم وتطبيق المسلمين للدين الاسلامي. إن الإسلام بعالميته يمتلك الحصانة في ايجاد الحلول لإشكالية الأصالة والمعاصرة.
- أهمية امتلاك الأمة الإسلامية الوعي في المجال الفكري والروحي والنفسي، إلى جانب امتلاك الطاقة الحرارية. تلك الطاقة هي التي جعلت الأمة الاسلامية تعيش أيام رسول الله محنة العقيدة بكل صبر. وتحمل لواء الاسلام إلى مختلف ارجاء العالم. ويشير السيد محمد باقر الصدر إلى ماهية كل من الوعي والطاقة الحرارية: "الوعي هو عبارة عن الفهم الفعال الايجابي المحرك للإسلام في نفس الأمة، الذي يستأصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالاً كاملاً ويحول مرافق الإنسان من مرافق للفكر الجاهلي، للعاطفة الجاهلية للذوق الجاهلي، إلى مرافق للفكر الإسلامي والعاطفة الاسلامية والذوق الاسلامي والوعي الاسلامي.
     أما الحرارة، الطاقة الحرارية فهي عبارة عن توهج عاطفي حار مسعور. قد يبلغ في مظاهره نفس ما يبلغه الوعي في ظواهره([48]). والفرق بين الأمة الواعية والأمة التي تحمل الطاقة الحرارية أن الثانية تتناقص عند ابتعادها عن مركزها بخلاف الوعي. والوعي لا تهزه الانفعالات بخلاف الطاقة الحرارية([49]).
- أهمية التحول من أخلاقية الهزيمة إلى اخلاقية الارادة. "فالأمة حينما تنهزم وتنزع منها شخصيتها وتموت ارادتها تنسج بالتدريج أخلاقية معينة تنسجم مع الهزيمة النفسية التي تعيشها بوصفها أمة بدون إرادة، أمة لا تشعر بكرامتها"([50]). إن أخلاقية الارادة هي التي تمكن الانسان المسلم من أن يقف موقفه الايجابي والسلبي وفقا لما تقرره الشريعة الاسلامية إيجاباً وسلباً.
- أيها المسلمون، عودوا إلى محمد(ص)، النبي الاعظم. صحيح أن ليس كلنا يعيش | وإنما نعيشه بدرجات متفاوتة، وإلا كان الناس طلبته الحقيقيين أمثال (الامام الخميني والسيد محمد باقر الصدر وغيرهم). إن الإنسان يعيش محمد(ص)لحظات تتسع وتضيق بقدر تفاعل هذا الإنسان برسالة محمد(ص). فيا من تعيشون محمد(ص)اغتنموا اللحظات التي تعيشونها مع محمد فهي متأججة بنور رسالته(ص). ليختزن الإنسان هذه اللحظات، لأن هذا الاختزان سوف يُفتح بعد هذا في لحظات الضعف، حينما يعود الإنسان إلى حياته الاعتيادية. هذه اللحظة سوف تشفعه وتقول له في كل المواقف: إياك من الانحراف أياك من المعصية، إياك من الجبن، من التخاذل، من الهزيمة من... إياك أن تنحرف قيد أنملة عن خط محمد (ص). إن اللحظات التي تعيشها أيها الإنسان مع النبي محمد (ص) هي معاهدة وميثاق بينك وبينه (ص) أن لا تنحرف عن رسالته. أن تعيشه بأهدافه وأحكامه. هذه اللحظات هي تذكرة لما شاء ذكره "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً" (الأحزاب: 21).
 
 
المراجـع
 
 
- القرآن الكريم.
1-    باقر الصدر، محمد، أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الاسلامية، موسوعة الشهيد الصدر، مجلد 20، المعارف للمطبوعات، ط 1، لبنان، 2012.
2- باقر الصدر، محمد، المدرسة القرآنية، ط 1، المعارف للمطبوعات، لبنان، 2012 (موسوعة محمد باقر الصدر، مجلد 19).
3-البشر، بدرية، وقع العولمة في مجتمعات الخليج العربي، أطروحة أعدت لنيل دكتوراه في العلوم الإجتماعية، الجامعة اللبنانية، اشراف محمد شيا، بيروت، 2005.
4- بيتر مارتين، هانس / شومان، هارالد، فخ العولمة، ترجمة عدنان عباس علي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، الكويت، ع 238، ت1، 1998.
5- التسخيري، محمد علي، حول الصحوة الاسلامية، المجتمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، ط 1، طهران، 2005.
6- التقرير العربي الثالث حول الأهداف التنموية للألفية 2010 وآثار الأزمات الاقتصادية على تحقيقها، الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، ملخص تنفيذي.
7-   توملينسون، جون، العولمة الثقافية، ترجمة ايهاب عبد الرحيم محمد، مجلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 354، 2008.
8-   التويجري، عبد العزيز بن عثمان، العالم الاسلامي في عصر العولمة، دار الشروق.
9- حجازي، مصطفى، الصحة النفسية، ط 2، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2004.
10-الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، (حقوق الإنسان)، الأمم المتحدة، نيويورك، 2005.
11- حقوق الإنسان العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 1، ت 2، 1999.
12-حقوق الإنسان في الفكر العربي (دراسات في النصوص)، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، نيسان 2002.
13-              الحيدري كمال، التربية الروحية، ط 1، دار كميل، 2004.
14-روبنسون، رونالد، العولمة النظرية والاجتماعية والكونية، ترجمة أحمد حمود ونور أمين، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.
15-              شمس، محمود زكي، عمر الشامي، الارهاب الدولي وزيف أمريكا واسرائيل، مطبعة الداوودي، دمشق، ط 1، 2003.
16-الصدر، محمد باقر، الاسلام يقود الحياة، ط 3، مركز الابحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، قم، 1426هـ.
17-الصغار، حسن، الحوار والانفتاح على الآخر، دار الهادي، ط 1، 2004، بيروت.
18-الصفار، فاضل، الحرية بين الدين والدولة، ط 2، دار سحر، بيروت، 2003.
19-عبيد، حسن اسماعيل، التداعيات الاجتماعية لظاهرة العولمة وآثارها على الأسرة العربية، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (اسكوا)، الاجتماع العربي للتقييم العشري للسنة الدولية للأسرة، بيروت، ت1، 2003.
20-              العولمة وتداعياتها على الوطن، مقال لعبد الجليل كاظم الوالي: جدلية العولمة بين الاختيار والرفض، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، 2002.
21-عيسى، زينب، إني فاطمة، جمعية السيدة زينب الخيرية، ط 1، بيروت، 2004.
22-             الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تقديم أسعد السحمراني، ط 3، دار النفائس، بيروت 2006.
23-            اللجنة العالمية للبعد الإجتماعي للعولمة، عولمة عادلة توفير الفرص للجميع، منظمة العمل الدولية، ط 2، سويسرا، 2004.
24-             المبادئ الموصى بها والمبادئ التوجيهية فيما يتعلق بحقوق الإنسان والاتجار بالبشر، الأمم المتحدة، نيويورك، 2010.
25-             مجلة التربية، اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، العدد، 159 - 160 - 162، س 36، 2007.
26-             المخدرات والعولمة، مركز الدراسات والبحوث، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، ط 1، الرياض، 2007.
27-              مساعدة، وليد أحمد الشريفين، العولمة الثقافية، مجلة الجامعة الاسلامية، مجلد 18، يناير 2010.
28-              المساواة بين الجنسين في صميم العمل اللائق، مؤتمر العمل الدولي، دورة 2009، مكتب العمل الدولي، جنيف (التقرير السادس).
29-             مكي، عباس محمود، الخبير النفس - جنائي وتنامي الجرائم الاخلاقية المعاصرة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط 1، بيروت 2007.
30-             مكي، عباس محمود، دينامية الأسرة في عصر العولمة، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2007.
31-              ياسين، كاظم، الاستقامة والثبات في شخصية الامام الخميني، ط 1، مركز الأمام الخميني الثقافي، 1992.
 


([1]) بيتر مارتن، هانس / شومان، هارالد، فخ العولمة، ترجمة عدنان عباس علي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأداب، الكويت، ع 238، ت1 1998، ص 57.
([2]) م.ن، ص 68.
([3]) عبيد، حسن اسماعيل، التداعيات الإجتماعية لظاهرة العولمة وآثارها على الأسرة العربية، اللجنة الاقتصادية والإجتماعية لغرب آسيا (اسكوا)، الاجتماع العربي للتقييم العشري للسنة الدولية للأسرة، بيروت، ت1 2003، ص 1.
([4]) توملينسون، جون، العولمة الثقافية، ترجمة ايهاب عبد الرحيم محمد، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 354، 2008، ص12.
([5]) (م.ن)، ص 10.
([6]) روبنسون، رونالد، العولمة النظرية الاجتماعية والثقافية والكونية، ترجمة أحمد حمود ونور أمين، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ص 27.
([7]) العولمة وتداعياتها على الوطن: مقال لعبد الجليل كاظم الوالي، جدلية العولمة بين الاختيار والرفض، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، 2003، ص 18.
([8]) البشر، بدرية، وقع العولمة في مجتمعات الخليج العربي، أطروحة أعدت لنيل دكتوراه في العلوم الإجتماعية، الجامعة اللبنانية، اشراف محمد شيا، بيروت، 2005، ص 25.
([9]) م.ن، ص 4.
([10]) م.ن، ص 25.
([11]) الاستقامة والثبات في شخصية الإمام الخميني، ترجمة كاظم ياسين، مركز الإمام الخميني الثقافي، ط 1، 1992، ص 33.
([12]) م.ن، ص 34.
([13]) مساعدة، وليد أحمد الشريفين، عماد عبد الله، العولمة الثقافية، مجلة الجامعة الاسلامية، مجلد 18، ع 1 يناير 2010، ص 252.
([14]) الصدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية، المعارف للمطبوعات، ط 1، بيروت، 2012، ص 119 – 120 (موسوعة الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، مجلد 19).
([15]) (م.ن)، ص 120.
([16]) (م.ن)، ص 124، بتصرف.
([17]) الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تقديم أسعد السحمراني، ط 3، دار النفائس، بيروت، 2006، ص 41.
([18]) شمس، محمود زكي، الارهاب الدولي وزيف أمريكا واسرائيل، ط 1، مطبعة الداودي، دمشق، 2003، ص 335.
([19]) م.ن، ص 334.
([20]) اللجنة العالمية بالبعد الاجتماعي للعولمة، عولمة عادلة توفير الفرص للجميع، منظمة العمل الدولية، ط 2، سويسرا، 2004، ص 28.
([21]) التويجري، حسن اسماعيل، العالم الاسلامي في عصر العولمة، القاهرة، دار الشروق، ص 16.
([22]) المخدرات والعولمة، مركز الدراسات والبحوث، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، دراسة قدمها مصطفى عمر التير تحت عنوان: المخدرات والعولمة: الجوانب السلبية، الرياض، 2007م، ص 13.
([23]) إمام عثمان همشري، خديجة، العلاقة بين العولمة والتعليم، مجلة التربية، اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، قطر، ع 161، س 36، يونيو 2007، ص 137.
([24]) اللجنة العالمية البعد الاجتماعي للعولمة، عولمة عادلة توفير الفرص للجميع، منظمة العمل الدولية، ط 2، سويسرا، 2004، ص 28.
([25]) المساواة بين الجنسين في صميم العمل اللائق، مؤتمر العمل الدولي دورة 2009، مكتب العمل الدولي، جنيف، (التقرير السادس)، ص 4.
([26]) التقرير العربي الثالث حول الأهداف التنموية للألفية 2010 وآثار الازمات الاقتصادية العالمية على تحقيقها، الأمم المتحدة، جامعة الدولة العربية، (ص.ن)، ملخص تنفيذي.
([27]) المساواة بين الجنسين في صميم العمل اللائق، مؤتمر العمل الدولي، دورة 2009، (م.س)، ص 21.
([28]) لغة الطفل العربي بين العولمة والاعلام والانترنت، اعداد محمد صديق محمد حسن، مجلة التربية، قطر، ع 160، س 36، مارس 2007، ص 49.
([29]) المساواة بين الجنسين في صميم العمل اللائق، مؤتمر العمل الدولي، دورة 2009، (م.س)، راجع ص 59 – 61.
([30]) المخدرات والعولمة، مركز الدراسات البحوث، بحث عبد القادر عبد الله العرابي: تجارة المخدرات وعلاقات الشمال بالجنوب في ضوء العولمة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2007، ص 87.
([31]) (م.ن)، ص 98.
([32]) (م.ن)، ص 95.
([33]) الجريمة والعولمة، بحث يوسف صالح بريك، التغيير الإجتماعي الدولي والمخدرات، (م.س)، ص 56.
([34]) مكي، عباس محمود، الخبير النفس - جنائي تنامي الجرائم الاخلاقية المعاصرة، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2007، ص 10.
([35]) العولمة والمخدرات، مركز الدراسات والبحوث، بحث محمد فتحي عيد، المخدرات والجريمة المنظمة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، (م.س)، ص 251.
([36]) هويدي، محمد، التفسير المعين، ط 1، دار القارئ، بيروت، 1987، ص 399.
([37]) مكي، عباس محمود، دينامية الأسرة في عصر العولمة، ط 1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 2007، ص 9 – 10.
([38]) مكي، عباس محمود، الخبير النفس، جنائي وتنامي الجرائم، (م.س)، ص 12.
([39]) التويجري، عبد العزيز بن عثمان، العالم الاسلامي في عصر العولمة، (م.س)، ص 27.
([40]) الصدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية، (م.س)، مجلد رقم 19، ص 141.
([41]) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ط 1، 1959، مجلد 14، ص 54.
([42]) الصدر، محمد باقر، أئمة أهل البيت (ع)، المعارف للمطبوعات، ط 1، 2012، لبنان، ص 73 (مجلد 20 موسوعة الامام الشهيد محمد باقر الصدر).
([43]) مكي، عباس محمود، دينامية الأسرة في عصر العولمة، (م.س)، ص 131 – 132.
([44]) مكي، عباس محمود، الخبير النفس – جنائي وتنامي الجرائم الأخلاقية المعاصرة، (م.س)، ص 96.
([45]) (م.ن)، ص 98.
([46]) (م.ن)، ص 101.
([47]) شمس، محمود زكي، الارهاب الدولي وزيف امريكا واسرائيل، (م.س)، ص 334.
([48]) الصدر، محمد باقر الصدر، ائمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الاسلامية، (م.س)، ص 156.
([49]) (م.ن)، ص 157 – 158 (بتصرف).
([50]) (م.ن)، ص 522.