الوطن، الهوية، الانتماء

الوطن، الهوية، الانتماء
 
 
الوطن، الهوية، الانتماء
 
 
 
أستاذ مساعد دكتور فردوس العوادي الموسوي
جامعة كربلاء/ كلية العلوم الإسلامية
 
مقدمة:
االمقدمة : أن من دواعي التفكير بهذا الموضوع , رؤية الانسان المعاصر بالتحديد يتشتت بين المفاهيم الانفة الذكر ويخطئ في فهمها وتحديدها, مما يجعل الاجيال الجديدة من الشباب تنحرف وتضيع في خضم الثقافات الوافدة , وتنحرف في تحديد انتمائاتها واهدافها في الحياة, ولاشك ان ذللك يؤثر سلبا على قوة الأمة الاسلامية ووحدتها , ومواقفها , ونظرة بعضها للبعض الاخر.
ولئن كان التأثير السلبي للفهم الخاطئ للموضوع مدار البحث ينعكس على الاغلبية من الاجيال المعاصرة من المسلمين , فإن انعكاسه على الاجيال الجديدة من المسلمين المغتربين أكثر وأشد, بل قد لاينجو الجيل الاول من المغتربين من ذلك.
على ان الخطر القادم من العولمة بما تحمله من ثقافات وافدة واباحية, تساعد على نشرها التكنولوجيا المتطورة كالفضائيات ووسائل الاتصال الأخرى , تجعل وجيل الشباب عرضة للضياع وهم في عقر دارهم , وتهددهم بذوبان الشخصية , ان لم يتسلحوا بالعلم ويبنوا شخصياتهم بناءً ايمانيا صحيحا, بعيدا عن التطرف والتهاون في العقيدة والالتزام.
ولما كانت المصطلحات محل البحث , تختلف دلالاتها بين الاسلام والنظم الوضعية , ولكلٍ مستلزمات تترتب على فهمه , وبتعبير آخر, لكل من الرؤيتين آثار توجه شخصية الانسان وتفكيره وهدفه في الحياه , فأن من الضروري تحديدها,
علما ان رؤية المسلين لهذه المصطلحات متباينة أيضا, وهذا التباين في الرؤيتين يؤدي الى مواقف متباينة أيضا, ويمكن ان نصنف هذه المواقف كالاتي:
١- اتخاذ الجنسية منطلقا للولاء , ونسيان الاهداف الاسلامية الكبيرة والنكوص عنها على كل المستويات.
٢- الرفض الشديد لحملة الجنسية الاخرى من ابناء البلد الواحد , والنظر اليهم كغرباء
٣- التغرب الفكري والسلوكي والانحراف الولائي رغم العيش في البلد الاسلامي   الأم وحمل جنسيته
٤- الموقف الصحيح المنطلق من الرؤية الاسلامية في الولاء وعدمه ’ والرفض وعدمه, بغض النظر عن البلد الذي يعيش فيه , والجنسية التي يحملها.
ان الحيرة في المواقف لابناء الأمة الاسلامية, بل لابناء البلد الواحد , يؤدي الى تمزيق المجتمع , وتناحره, وبذلك تفقد الامة وحدتها وقوتها وهيبتها بين الامم, ولما كانت تلك المواقف جاءت نتيجة لفهم خاطئ , كما ذكرنا , فان العلاج الصحيح هو الدراسات الهادفة النابعة من تراث الامة الحضاري, الذي تحصنه حدود الشريعة الاسلامية الغراء, وهذا البحث الذي بين ايديكم معالجة للاشكاليات المذكورة , 
وقد تضمن البحث المحاور الاتية:
المقدمة
التعريف
المبحث الاول ويشمل:
الوطن في القرآن
الوطن في السنة المطهرة
الوطن في الاصطلاح الاسلامي(الفقه)
الوطن في النظم الوضعية
المبحث الثاني:
الآثار المترتبة على الفهم الاسلامي والفهم الوضعي
الهوية والانتماء في الفهم الاسلامي والفهم الوضعي
الأسئلة الاخيرة
 
 
الوطن في المعاجم اللغوية
 
ذكرت المعاجم اللغوية إن(الوَطنُ: المنزلُ تقيخ به , وهو موِطنُ الإنسان ومحله, ....وطنَ بالمكان وأوطنَ أقام....والموطِنُ : مَفْعِلٌ منه, ويسمى به المشهدُ من مشاهد الحرب وفي التنزيل العزيز: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة...........أما المواطِنُِ فكل مقام قام به الإنسان لأمر فهو موطن له........)
و(الوطن: مكان إقامة الانسان ومقرّه وًلِدَ به أو لم يُولدَْ) .
واذا اضيف الوطن الى كلمة الأم (الوطن الاْم): تعني الوطن الأصّلي, أي مسقط رأس الانسان. والمواطِن من ينشأ في وطن واحد مع آخر أو يقيم معه, والموطن المكان الذي ينخذه الانسان مقراً لإقامته بغض النظر عن كونه مسقط الرأس أم لا والمواطن من أبناء دَولةأو مدينة عليه واجبات أبناء وطنه ويتمتع بحقوقهم.
و(الموطن ج مواطن : الوطن مشهد من مشاهد الحرب).
عند التأمل بالمعنى اللّغوي للكلمة , نجدها تؤكد على اطلاق لفظة الوطن يتخذه مقرا لاقامته , بمعنى ان المعنى اللّغوي لكلمة وطن لم يتقيد بقيد الجنسية, لذانجد ان لفظة مواطن تُطلق على حامل الجنسية , وعلى المقيم على حد سواء.
وإضافة كلمة الاْم الى الوطن , تعني مسقط رأس الانسان حصراً , سواء عاش به أم لا , وحمل جنسيته أم لا.ويستعمل اسم المكان (مَوْطِن) وجمعها (مَواطِن) بنفس المعنى , وبمعنىً آخر وهو المشهد من مشاهد الحرب.
يظهر مما تقدم أن المقصود بالوطن لغويا والذي تُشترط به الاقامة بغض النظر عن مسقط الرأس , هو المساحة من الارض التي تحدها حدود جغرافية , وهذا لايتفق مع معنى الوطن والمواطن في النظم الوضعية .
 
 
 
       المبحث الاول: الوطن في المفهوم الاسلامي والمفهوم الوضعي ويشمل:
• الوطن في القران
• الوطن في السنّة
• الوطن في المصطلح الفقهي
• الوطن في النضم الوضعية
 
الوطن في القرآن
​لم اجد في الكتاب العزيز , استعمالا للفظة وطن بالمعنى المذكور في معاجم اللّغة , أي بمعنى مكان إقامة الانسان, بل استعمل القرآن الكريم لفظة مواطن التي هي اسم المكان المشتق من اللفظ , بمعنى مشهد من مشاهد الحرب , حيث يقول سبحانه وتعالى في سورة التوبة :
(لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الارض بما رَحُبَت ثم وليتم مدبرين )
غير اننا نجد ان الكتاب الكريم استعمل لفظة (دار) بما يُرادف لفظة (وطن) لغويا, غير ان الذكر الحكيم قد اطلق معناها اطلاقا لا تقيده الاقامة والحدود الجغرافية, فهو يشمل الوطن بالمعنى اللغوي اي مكان إقامة الانسان الذي تحده الحدود الجغرافية, ويتخطاه ليشمل الوطن بمعنى حدود العقيدة ,بل ليشمل كل الارض, فقد جاء في مفردات ألفاظ القرآن للراغب: (الدارُ :والمنزل اعتبارا بِدورانها الذي لها بالحائط وقيل: دارةٌ ,وجمعها ديارٌ, ثم تُسمى البلدة داراً , والصقع داراً ,والدنيا كما هي داراً........وقيل دار الدنيا ودار الاخرة.. )
وهذه نماذج مما جاء من الايات في الذكر الحكيم:
(لهم دار السلام عند ربهم ).
 
(قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين ) .
(وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم).
(لا ينهاكم الله عن الّذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم....)
الوطن في السنّة المطهرة:
عند التأمل في السّنه المطهرة نجدها تجمع بين الاستعمال اللغوي والاستعمال القرآني ,فهناك روايات تستعمل كلمة الوطن وتريد به مكان إقامة الانسان , وتستعمل كلمة (دار) بما يرادف كلمة (وطن) , وفي كلا الاستعمالين تطلقهما على معنً واسع يشمل الحدود الجغرافية ويتخطاها الى حدود العقيدة , والى الى كل الارض , أي بما يتفق مع المعنى القرآني وبكلمة اخرى ان بين المعنى الاسلامي الذي نستفيده من الروايات , والمعنى اللغوي لكلمة وطن, عموم وخصوص مطلق.
واليك نماذج مختارة من هذه الروايات:
عن الامام علي ع:
(عمّرت البلدان بحبّ الأوطان)
و{(من خطبة لأمير المؤمنين عليه السّلام وقد قالها يستنهض بها النّاس حين ورد خبر غزو الانبار بجيش معاوية فلم ينهضوا): ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هولاء القوم ليلاً ونهاراً , وسراً وعلانيةً , وقلت لكم: أُغزوهم قبل أن يغزوكم, فوالله ما غُزي قومٌ في عُقر دارهم إلا ذلّوا.
فتواكلتم وتخاذلتم حتّى شُنّت عليكم الغارات, ومُلكت عليكم الأوطان}
وجاء عنه ع في وصف حال الموتى:
(لا يستأنسون بالأوطان, ولا يتواصلوا بالجيران)
وعنه ع:
(شرُّ الاوطان مالم يأمن به القطان)
وهذه نماذج من الروايات التي تطلق كلمة دار على محل اقامة الانسان:
قال سيد البلغاء الامام علي ع{ (في صفة الموتى): كـأنهم لم يكونوا للدنيا عُمّاراًً وكأن الآخرة لم تزل لهم داراً,...}
وقال ع{ (في صفة الدنِّيا): ولَنِعْمَ دار من لم يرض بها داراً , ومحلُّ من لم يُوطِّنْها محلاً! وإنّ السعداءَ بالدنياغداً هم الهاربون منها اليوم}ن .م.من كلام له ع تحت رقم 223 ص453.
 
 
 
{(ومن خطبة له عليه السلام بعد غارة الضحاك بن قيس صاحب معاوية على الحاج بعد قصة الحكمين وفيها)
(أيَّ دار بعد داركم تمنعون, ومع أيِّ إمام بعدي تقاتلون؟)}
الارض والوطن بالمنظور الاسلامي :
استنادا الى ما تقدم من آيات وروايات نستنتج ان نظرة الاسلام للأرض نظرة واحدة , يقول سبحانه:
{إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}
وجاء عن رسول الانسانية (صلهم):
(الأرض أرض الله , والعباد عباد الله من أحيّا مواتاً فهي له)
وقد ألغى الاسلام أصل الانشعاب على أساس الارض , أوالجنس , أو اللغة , أو الوطن, بالمعنى الضيق المحدود بالحدود الجغرافية, والسياسية, ولم يخاطب الناس بقومياتهم, أو ألسنتهم ولم يرتب على ذلك أثراً , فقد جاء الخطاب القرآني :
{يا ايها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم}
يقول السيد الطباطبائي: ( بُني الاجتماع على العقيدة دون الجنسية والقومية والوطن ونحو ذلك , حتى في مثل الزوجية والقرابة في الاستمتاع والميراث, فإن المدار فيها على الاشتراك في التوحيد لا المنزل والوطن)
وبذلك تكون حدود الوطن هي حدود العقيدة , و(ثغر المملكة الاسلامية هو الاعتقاد دون الطبيعية أو الاصطلاحية),اي دون الحدود الطبيعية والصطلاحية.
وانطلاقا من هذا المبدأ طرح الاسلام مفهوم الأمة الواحدة في الكتاب والسنّة, فقد وردت لفظة(أُُُمة) في (44) موضعا من القرآن الكريم , وتعنى جماعة من الناس تربطهم عقيدة واحدة , وهذه شواهد من الايات , والروايات:
قال سبحانه:(كنتم خير امّة أُخرجت للناس)
وقال جلَّ من قائل: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)
وعن الصادق عليه السلام : {(في قوله تعالى: كنتم خير اُْمة ..) يعني الامّة التي بعث الله فيها, ومنها , وإليها,وهم الامّّة الوسطى, وهم خير أمّة أُخرجت للنّاس}
الامّة الواحدة القوية التي تجمعها عقيدة التوحيد , والتي وصفها الرسول الكريم بالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا, ودعا سبحانه هذه الامة الى الاعتصام بحبل الله, وهو الولاية للقيادة الشرعية , المتمثلة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام من بعده ابتداء من الامام علي عليه السلام الى الامام الحجة المنتظر عجل الله فرجه, مرورا بالفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة , فالقيادة الواحدة هي ضمان وحدة الامّة وقوّتها.
وحذر الله ورسوله من التفرق , والتششت , شيّعا,لانه مدعاة الى التناحر والضعف , فقد جاء في الحديث الشريف :
(يوشك ان تتداعى الامم عليكم تداعي الأكلة على قصعتها, <قال قائل منهم>: من قلّة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السّيل ولينزعنَ من عدوكم المهابة منكم, وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن!! .
قال قائل : يارسول الله! وما الوهن؟ قال : حبّ الدنيا وكراهية الموت )
هذه الرواية التي لا تحتاج الى توضيح ومثلها الكثير تؤكد على لزوم الوحدة لانها أساس القوة والمنعة , وسياج هذه الوحدة , القيادة الشرعية, فماذا فعلنا؟ وماذا لقينا؟ فها نحن امّة ممزقة , أجزائها أقرب الى أعدائها من بعضها الى البعض الآخر , وقد تداعت علينا الامم بعد ان ادركت مصدر قوتنا فسلبته مناّ , وراحت تجمع طاقاتها , ودولها المتناحرة بالامس لتصنع منها الاتحاد الاوربي.
الوطن في كتب الفقهاء (المعنى الاصطلاحي)
   جاء في كتاب مصطلحات الفقه (عدم ثبوت إصطلاح خاص للشرع ولا للمتشرعة في الوطن, بل المراد به في النصوص المعنى اللغوي, وإختلاف الأصحاب في بيان معناه راجع إلى الفحص عما يمكن أن يكون قيداً تعبدياً للموضوع أو شرطاً للحكم, وأقرب ما يمكن أن يقال في تعريفه حينئذ انه المكان الذي اتخذه الشخص مقراً لنفسه ومسكناً دائماً أو من غير توقيت بوقت, والظاهر ان هذا هو الموضوع لما رتب على الوطن من الأحكام )
​وقد تعددت الاحكام الشرعية المتعلقة بموضوع الوطن بتعدد الأقسام الناتجة عن الاضافة لكلمة (الوطن) , كالوطن الاصلي , والوطن المستجد, والوطن الشرعي, هذا مايتعلق بالموضوع, واما الاحكام فهي كثيرة , كإتمام الصوم , والقصر في الصلاة, والإقامة.......الخ
ومن الملاحظ ان المعنى الاصطلاحي الفقهي للكلمة يتفق مع المعنى اللغوي لها, غير ان الكتب الفقهية قد استعملت مصطلح (دار الإسلام ) بالمعنى الواسع الذي استعمل القرآن الكريم به كلمة(دار), واستعملت به السنّة المطهرة كلمة (دار, ووطن), والمقصود بها حدود العقيدة ’ ولعل ذلك كان للتمييز بين الاحكام الشرعية المترتبة عل كلا المعنيين.
الوطن في القوانين الوضعية
تختلف النظم الوضعية في تحديد مفهوم الوطن , والمواطن , عن المعنى اللغوي من جهة , وعن المعنى الاسلامي من جهة أخرى , فالوطن بالنسبة للاشخاص , هو مسقط الرأس , والمواطن و(الوطني كل من يتمتع بجنسية الدولة , والأجنبي هو من لا يتمتع بجنسية الدولة) فالمواطن هو الشخص الذي يتمتع بالحقوق السياسية كاملة كالترشيح والانتخاب , ويحمل جنسية الدولة , ولا تكفي الاقامة في بلد لجعل المقيم مواطنا ما لم يحمل , جنسية ذلك البلد, ويسمى حامل الجنسية , تابعا سياسيا لذا نرى أن قسما من الدول جعلت من التبعية السياسية ضابطا لفرض الضريبة أطلقت عليه (ضابط الجنسية).
​في الواقع ان مفهوم الوطن والمواطن في أكثر بقاع الارض له المعنى نفسه وهو البقعة من الارض التي لها حدود سياسية , والمواطن هو من يحمل جنسية تلك الدول بغض النظر عن مكان إقامته , وهنا يظهر التباين بالمعنى بين المعنى الاصطلاحي الوضعي السياسي , والمعنى اللغوي الذي يعتبر الوطن هو محل إقامة الانسان سواء ولد فيه أم لا , وسواء حمل جنسيته أم لا, في حين يتفق المعنى الاصطلاحي الاسلامي للوطن مع المعنى اللغوي, وعليه يظهر التباين بين المعنى في المصطلح الاسلامي الفقهي , وبين المصطلح الوضعي السياسي لمفهوم الوطن.​
 
 
المبحث الثاني:ما يترتب على كلا الفهمين , الاسلامي والوضعي
​لما كانت كلا الرؤيتين الوضعية والاسلامية مختلفتين في تحديد مفهوم الوطن والمواطن, فقد ترتب على كل منهما آثارا تنعكس على شخصية الانسان وتحدد مواقفه, وتفرض عليه واجبات سنشير اليها بشكل سريع .
مايترتب على مفهوم الوطن في الاسلام:
من المبحث الاول لاحظنا اختلاف مفهوم الوطن بين القران الكريم والسنّة المطهرة , والاصطلاح الفقهي , فالقرآن الكريم , استعمل لفظ (مواطن ) بمعنى مشاهد الحرب, واستعمل لفظ دار بمعنى واسع يشمل ,البلاد الاسلامية مهما اتسعت , وحدودها حدود العقيدة , لا الحدود الجغرافية والسياسية, واتفقت الروايات مع القرآن الكريم في هذا الفهم , تارة مستعملة لفظة (دار) , وتارة مستعملة لفظة وطن بنفس المعنى,واتفق معهما المصطلح الفقهي بنفس الفهم مستعملا مصطلح (دار الاسلام), مقابل (دار الكفر), و(ودار الشرك), واختلف المصطلح الفقهي عنهما في استعمال لفظة (وطن), وقد ترتب على كلا المصطلحين, الفقهيين (دار الاسلام) , و(الوطن), احكام شرعية كثيرة, فعلى مفهوم(دار الاسلام), ترتبت احكام لعل أهمها مايلي:
• أحكام الجهاد الدفاعي , والابتدائي , ويكون ذلك عن حدود العقيدة , ويكون ذلك على حملة العقيدة دون غيرهم من الكفار الكتابين , الذين يسقط عنهم القتال , وتفرض عليهم الجزية.
ويمنع الاسلام عن الجهاد مع الانظمة الظالمة , سواء كانوا مسلمين , أو كفارا.
• أحكام المرابطة, والمرابطة(عند الفقهاء هي الارصاد للعدو , والاقامة في الثُغر أو مايقرب منها لحفظها من هجمة المشركين, أو أعداء المسلمين وحكومتهم, ولو كانوا مسلمين, والمراد بالثُغر الحد المشترك بين دار الاسلام ودار الشرك, أو كل موضع يخاف منه على أرض الإسلام أو أهلها من هجوم الاعداء.)
• أحكام الولاية, والحكومة , حيث الن الاسلام الذي ينادي بالامة الواحدة التي تقوم على اساس التوحيد, ونادى بالقيادة الواحدة لهذه الامة صونا لها من التشتت والفرقة, فقد حدد سبحانه هذه الولاية بالله ورسوله واللأئمة المعصومين , والمنصوبين من قبل الامام بنصب عام أو خاص (والاحكام المترتبة على هذا القسم من الولاية الثابتة للمعصوم والمنصوب من قبله كثيرة جدا, بل تحوي جميع شؤون إدارة الأمة الإسلامية أو أعم منها...),وما تستلزمه هذه الولاية من الطاعة السلم والحرب وتبني المواقف السياسية التي يتخذها , والرفض لكل ولاية أخرى في المواقف المذكورة .
• أحكام الأرض على تفصيلات كثيرة في الكتب الفقهية.
 
مايترتب على المعنى الاصطلاحي الفقهي للوطن:
لم يرتب الاسلام على المعنى الفقهي للوطن- والذي يُقصد به مكان إقامة الانسان , سواء ولد به ام لآ وسواء حمل جنسيته أم لا – أي آثار عقيدية أو سياسية مثل تبني مواقف حكامه سياسا ,أو الولاء لهم ,أو الدفاع عنهم في حالة الحرب إلا تحت عنوان دفع الخطر عن نفسه وعائلته ودينه , لا دفاعا عن الكيان السياسي لذلك البلد في تفصيلات كثيرة تجدها في كتب الفقه, نعم رتب عليه اثارا عاطفية كالحنين له إن كان مسقط الرأس , وقد أمر الله بتركه إن خاف المسلم على دينه, وذم البقاء في الوطن مسقط الرأس بدعوى الوطنية , عندما تُهدد عقيدة الانسان, أو يمنع من إتيان تكاليفه الشرعية التي أمره الله بها , قال الله عز وجل في محكم كتابه:{إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن الله واسعة فتهاجروا فيها فأُولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} .
إما الاحكام الشرعية التي المترتبة على المعنى الفقهي للوطن , فأكثرها تختص بالعبادات , كأحام الاقامة, وما يتبعها من الصلاة قصرا أو تماما, وأحكام الصوم , مع تحقق مفهوم الوطن , والافطار في السفر, وغيرها.
ما يترتب على الفهم الوضعي :
لقد رتبت ال الوقوانين الوضعية آثاراً سياسية , وإقتصادية على مفهوم الوطن والمواطن , والوطن هنا بمعنى البقعة من الارض التي تحدها حدود سياسية, ولها لغة رسمية , وعلم , وجنسية يحملها مواطنوها الذين يتمتعون بالحقوق السياسية الكاملة من حق الانتخاب والترشيح دون المقيمين, وقد اختلفت هذه الانظمة الوضعية فيما بينها في موضوع الخدمة العسكرية فمنهم من جعلها إلزامية على المواطن , ومنهم لم يُلزمه بها, واختلفت ايضا في موضوع فرض الضرائب , فمنهم من جعل ضابط الجنسية شرطا لفرض الضريبة , ومنهم من جعل ضابط المواطنة شرطا لذلك, واختلفوا في موضوع خدمات التعليم المجاني, فمنهم من جعلها للمواطن والمقيم على حد سواء , ومنهم من اختص بها المواطن دون المقيم, وكذلك التأمين الصحي..الخ .
​ولكن من الملاحظ ان الانظمة الوضعية جميعا لم ترتب أثرا عقائديا على المواطن والمقيم أي بمعنى انها لم تلزم المقيم والمواطن على حد سواء بالتزام دين محدد, غير انها ألزمت مواطنيها بالولاء للدولة.
الهوية والانتماء في الفهم الاسلامي والوضعي
الهوية لغويا: (حقيقة الشيئ أو الشخص المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية)
والهوية في الاصطلاح السياسي هي الجنسية التي يحملها المواطنون , وتختلف باختلاف البلد الذي ينتسب اليه المواطن, وتختلف الدول في شروط منح الجنسية فمنهم من يمنحها لمن ولد في البلد بغض النظر عما يحمله الوالدان من جنسية, ومنهم يمنحها لمن يكون والداه أو احدهما مواطنا, ومنهم من يمنحها وفق شروط معينة ومدة معينة يقضيها المقيم في بلد ما, لقد اختلفوا كثيرا في التفصيلات , ولكنهم اتفقوا على الشرط الاساس لاكتساب الحقوق السياسية, ووجهت الانظمة الوضعية ولاء الاشخاص للجنسية التي يحملها , وللبلد الذي يمنحها, والاسلام لا يرفض الجنسية كوثيقة سياسية عصرية تقوم بدور جيد لتعريف الاشخاص , وما يترتب على ذلك من امور تخدم الامن والتستقرار, وتسهل مهمة الدولة في أداء مهامها, ولكنه لايرتب عليها اثرا شرعيا , ويرفض , ان تكون هوية الانسان جنسيته, وان يوجه الولاء لها وللبلد الذي يمنحها, فالاسلام يوجه الولاء للدين والعقيدة التي يحملها المسلم , وهوية المسلم , انتسابه لدينه وامته الاسلامية, وولائه لعقيدته ولقادته الشرعيين بغض النظر عن الجنسية التي يحملها, والبلد الذي يسكنه وبذلك يتحقق مفهوم الأمة الواحدة الذي طرحه الاسلام.
أما الانتماء , فهو حاجة انسانية تفرضها الفطرة من جهة وحاجات الانسان المتعددة والتي لاتتوفر إلا بالتعاون بين افراد جنسه كما ان العيش في مجتمعات يذلل للانسان الطبيعة ويمكنه من السيطرة عليها والاستفادة منها لذا وصف الانسان بانه حيوان اجتماعي,فلا يستطيع العيش بشكل منفرد, وتلبية لمتطلبات هذه الحاجة واشباعها كغيرها من الحاجات الاساسية , فقد جعل الخالق سبحانه(الدولة ظاهرة اجتماعية اصيلة في حياة الانسان وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الانبياء ورسالات السماء واتخذت صيغتها السوية ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الانساني وتوجيهه من خلال ما حققه الانبياء في هذا المجال من تنظيم اجتماعي قائم على اساس الحق والعدل يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية وتوطوير نموها في مسارها الصحيح.) غير ان غياب هذه الثقافة الايمانية عن اذهان الكثير وخلو المناهج المدرسية من الثقافة الاسلامية ,والانفتاح على ثقافات غريبة بعيدة عن حضارة الامّة وتراثها, وبعد الزمن عن الفترة التي عاشتها الامة الاسلامية كأمة واحدة كبيرة تلاها تقطيع اوصالها بعد الحرب العالمية الثانية ,عاشته الاجيال الحاضرة واقعا أبعد عنها فكرة الأمة الواحدة المتماسكة, أضف الى ذلك حركة الهجرة والاغتراب ,وثقافة بلد المهجر, ولما كان الانتماء حاجة انسانية كما اسلفنا, فلمن ينتمي الانسان؟
هل ينتمي للبلد الذي يعيش فيه, أي هل يحدده (ضابط المواطنة)؟
هل ينتمي للبلد الذي يحمل جنسيته, أي هل يحددها (ضابط الجنسية)؟
هل ينتمي لقوميته؟
هل ينتمي لعشيرته؟
الانظمة الوضعية في محاولة منها لملئ هذا الفراغ ولتلبية هذه الحاجة الانسانية , حاجة الانتماء , فقد وجهت انتماء الانسان وولائه للوطن السياسي تارة , وللقومية أخرى بما يخدم مصالحها.
في حين ان الاسلام قد رفض, كل تلك الانتماءات , واعتبرها زائفة , فقد جاءت تعليمات الاسلام على لسان رسول الانسانية محمد صلى الله عليه وسلم (ليس منّا من دعا الى عصبية , وليس منّا من قاتل على عصبيّة,وليس منّا من مات على عصبيّة).
وجاء على لسان حفيده أبي عبد الله عليه السلام : (من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الايمان من عنقه.)
جاءت تلك التعليمات الربانية لتضع اسس الأمة الواحدة القوية , بالابتعاد عن اسباب الفرقة والشتات , وهي الولاءات والانتماءات الزائفة فجعلت , انتماء المسلم لعقيدته , وأمته بغض النظر عن الجنس واللون واللغة والحدود الجغرافية, كما جعلت هويته الحقيقية عقيدته,بغض النظر عن الجنسية التي يحملها, فما الذي نراه الان ؟ وأين هذه الأمة الواحدة ؟فقد حل محلها جسدا هزيلا ممزقا, تحت عناوين القومية , والوطنية ,يتهم بعضه بعضا دون وعي,مـتأثرا بالافكار الوافدة التي صُنعت خصيصا له, لتمزيقه والسيطرة على ثرواته.
ولعل اهم الاسباب التي تحول دون الشعور بالانتماء الى العقيدة , والهوية الاسلامية هي:
• الافكار الوافدة , التي غزت العقل الاسلامي,وأهمها , الافكار القومية , والعلمانية التي تنادي بفصل الدين عن السياسة كأن رسول الله صلهم لم يكن حاكما!
• التقصير في طرح هذه المفاهيم من جهة , وتحويلها الى واقع عملي من جهة أخرى.
• الأخطاء التي ترتكب من   بعض الرموز الاسلامية مما ينعكس سلبا على ثقة الشباب بدينهم.
أسألة تطرح نفسها 
ونحن على وشك الانتهاء من هذا البحث , بقيت لدينا أسألة’ تنتظر الاجابة ولعل أهمها ما يلي:
١- كيف يوفق المسلم الملتزم بين التزاماته الاسلامية , وفهمه الاسلامي للنقاط مدار البحث وبين عيشه كمهاجر , او مقيم , أو حامل لجنسية بلد الاغتراب , مع هذا الاختلاف في الفهم؟ ألا يعيش المعاناة للتوفيق بين إلتزامه كمسلم , وبين التزاماته كمقيم أو مواطن في دولة أخرى ؟
٢- ألا يؤدي الاغتراب الى ذوبان الشخصية الاسلامية , والانسلاخ عن الهوية العقائدية؟
٣- هل أن ذوبان الشخصية , والانسلاخ عن الهوية الاسلامية, مختص بالذي يعيش في بلد المهجر , أم إنه يشمل من يعيش في بلده؟
 
ونجد الاجابة على الاسئلة الانفة الذكر في ما تقدم من محاور البحث بما يلي:
١- لقد ذكرنا ان مفهوم الوطن , والجنسية على الفهم الوضعي لاتلزم الانسان بالتزامات عقائدية , او دينية , فلا يعني العيش في المهجر , وحمل الجنسية الاخرى , الانسلاخ عن العقيدة , فلللمسلم ان يمارس عبادته ومعتقداته , مع احترام نظام البلد الذي يعيش به وقوانينه التي هي قوانين مدنيةعلى الاغلب, من باب التعاقد كما يذكر الفقهاء.
٢- ان وعي المسلم للمفاهيم الاسلامية بشكل عام , والنقاط مدار البحث بشكل خاص, والتمييز بين الفهم الاسلامي للوطن والهوية والنتماء كفيل بحفظ الشخصية الاسلامية , فالموضوع لا علاقة له بالمكان بل بالوعي والعقيدة والأرادة.
٣- لما كان موضوع ذوبان الشخصية لا يتعلق بالمكان الذي يعيش به الانسان , بل بوعيه, وإرادته , فمن المؤكد انه لا ينجو من ذوبان الشخصية والانسلاخ عن الهوية وهو في عقر داره , وهذا ما نراه في كل البلدان الاسلامية, من تحلل قسم من الشباب وتشبههم بالاجانب, بلا وعي ولا ثقافة, ومن هذا المنطلق يكون طرح هذه الموضوعات وتثقيف الشباب عليها , واجب يقع على عاتق مثقفي الأمّة.
أرجو ان اكون قد وفقت لاعطاء لمحة توضيحية لموضوع شائك
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
مصادر البحث:
 
1- القرآن الكريم
2- الطباطبائي : محمد حسين/ الميزان في تفسير القرآن/مؤسسة الاعلمي بيروت/ ط2
3- الحر العاملي : محمد بن الحسن /وسائل الشيعة
4- الشريف الرضي/ ابو الحسن محمد بن الحسن الموسوي/نهج البلاغة / / ط1 / 1980 م / تحقيق صبحي
الصالح
5- الصدر:محمد باقر/ الاسلام يقود الحياة / رابطة أهل البيت الاسلامية العالمية
 
6- المشكيني/علي المشكيني/ مصطلحات الفقه / مؤسسه جاب الهادي
7- الاصفهاني:الراغب/فردات الفاظ القرآن / دار القلم , دمشق , الدار الشامية ,بيروت ط1 تحقيق صفوان عدنان داوودي.
8- يوسف خياط / معجم المصطلحات العلمية والفنية / دار لسان العرب
9- المنكيني : علي/ مصطلحتات الفقه
10- الري شهري/ميزان الحكمة
11- البطريق : الدكتور يونس أحمد / المالية العامة / دار النهضة العربية للطباعة والنشر
12- الحراني: أبو الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة/ تحف العقول عن آل الرسول
13- الافريقي المصري:جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور/لسان العرب/ دار صادر/الطبعة الرابعة
 
14- المنجد في اللغة العربية المعاصرة المسؤول عن قسم المعاجم اللغوية صبحي حمودي/ دار المشرق بيروت