مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
قدرة الأمة الإسلامية بطاقاتها الخلاقة على إقامة الحضارة الإسلامية على مستوى متطلبات العصر
۱۳۹۷/۰۹/۲۷ ۰۹:۴۲ 551

قدرة الأمة الإسلامية بطاقاتها الخلاقة على إقامة الحضارة الإسلامية على مستوى متطلبات العصر

 

 

قدرة الأمة الإسلامية بطاقاتها الخلاقة على إقامة الحضارة الإسلامية على مستوى متطلبات العصر

 

عمار كاظم عبدالحسين محمد

 

المبحث الأوّل - مفهوم الحضارة الإسلامية وخصائصها

أوّلاً- الحضارة.. لغةً واصطلاحاً

الحضارة في اللغة: مأخوذة من كلمة الحضر وتعني الإقامة في الحضر، وهي تقابل حياة البداوة وما يطغى عليها من حياة الرعي والتنقل في البوادي والصحراء. وقد استعمل ابن خلدون لفظة الحضارة المشتقة من الإقامة في الحضر، وعرّفها بأنّها أحوال عادية زائدة عن الضروري من أحوال العمران وهي السكون والدعة ورقة الحاشية والتفنن في الترف واستجادة أحواله.

وعلى هذا كانت لفظة الحضارة عند ابن خلدون تقارب معنى المدنية التي يطلقها كثير من الباحثين على مجموعة المظاهر المادّية التي تمثّل مستوى إشباع الحاجات الإنسانية في أي مجتمع من المجتمعات، على أساس أنّ الحضر يتمثّل في أوضح صورة في المدنية التي تقابل الكلمة اللاتينية التي تمّ ترجمتها في بداية القرن العشرين إلى كلمة حضارة. وقد ارتبط مفهومها غالباً بالوسائل التكنولوجية الحديثة أو بالعلوم والمعارف السائدة فهي تمثل المرحلة الراقية في التطوّر الإنساني.

ويذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى اتجاه آخر في تعريفهم للفظة الحضارة في اللغة، وهو تعريف مأخوذ من استعمال القرآن لكلمة «حضر».كلمة حضر في القرآن الكريم: تعني الحضور والشهادة التي هي نقيض المغيب، كما في قوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} (البقرة/ 180)، وقوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} (النساء/ 8).

وارتباط الحضارة بالشهادة له دلالته، فالشهادة تأتي بمعنى التوحيد والإقرار بالعبودية لله وهذا محور العقيدة الإسلامية. وعلى هذا تكون الحضارة في المنظور القرآني: نموذجٌ إنسانيٌّ يستبطن قيم التوحيد والربوبيَّة، وينطلق منها كبُعدٍ غيبيٍّ، يتعلق بوحدانيَّة خالق هذا الكون وواضع نواميسه وسُننه، والمتحكم في تسييره، ومن ثمّ، فإنّ دور الإنسان ورسالته هي تحقيق الخلافة عن خالق هذا الكون في تعمير أرضه، وتحسينها، وتزجية معاش الناس فيها، وتحقيق تمام التمكين عليها، والانتفاع بخيراتها، وحُسن التعامل مع المسخّرات في الكون، وبناء علاقة سلام معها، لأنّها مخلوقات تُسبِّح بحمد الله، أو رزق لابدّ من حفظه وصيانته، وكذلك إقامة علاقة مع بني الإنسان في كلِّ مكانٍ على ظهر الأرض، أساسها الأخُوة والأُلفة، وحبُّ الخير، والدعوة إلى سعادة الدنيا والآخرة.

الحضارة في الاصطلاح: مصطلح الحضارة لا يعني جانب العمران أو الجانب المادّي فقط، وإنّما اتسع ليشمل سائر نُظم الحياة، فقيل: «الحضارة هي نمط عيش مجموعة بشرية معيّنة، في بيئة معيّنة يتمثّل في النظام الذي تعتمده المجموعة وفي سلّم القيم الاجتماعية التي تحدِّدها لنفسها» وقيل: «إنّها مجموعة الأفكار والمشاعر والأنظمة التي تصوغ طريقة العيش في مجتمع من المجتمعات».

وقيل: «هي ثمرة التفاعل بين الإنسان والكون والحياة، أي: ثمرة الجهود المبذولة من قبل الفكر الإنساني للاستفادة من الأجهزة الكونية المتناثرة حولنا». وقيل: «هي نمط من الحياة المستقرة ينشىء القرى والأمصار، ويضفي على حياة أصحابه فنوناً منتظمة من العيش، والعمل، والاجتماع، والعلم، والصناعة، وإدارة شؤون الحكم، وترتيب وسائل الراحة وأسباب الرفاهية». وقيل: «هي كلّ ما ينشئه الإنسان في كلّ ما يتصل بمختلف جوانب نشاطه ومعانيه، عقلاً وخلقاً، الفكري والمادّي، أو باصطلاح آخر: الروحي والمادّي..». وقيل: «مجموعة المبادىء والأفكار والأصول والتربية التي تثمر لوناً من ألوان الحياة الاجتماعية بمقوماتها المختلفة..». وقيل: «هي طريقة الإنسان في الحياة».

والحقّ أنّ مصطلح الحضارة يتسع ليشمل كلّ ما سبق ذكره، بحيث يُعدّ كلّ قول من الأقوال السابقة جزءاً من تعريف الحضارة أو ماهيتها وليس كلّ الحضارة.

إنّ التعريف الأوفى تعبيراً عن المعنى العام للفظ (الحضارة)، هو أنّها تعبيرٌ عن منظومة العقائد والقيم والمبادىء، وجماعُ النشاط البشري في شتّى حقول الفكر والعلوم والآداب والفنون جميعاً، لا فرق بين فن وآخر، وما يتولَّد عن ذلك من ميول ومشارب وأذواق تصوغ نمطاً للسلوك، وأسلوباً للحياة، ومنهجاً للتفكير، ومثالاً يُحتذى ويُقتدى به ويُسعى إليه.

 

ثانياً- مفهوم الحضارة الإسلامية

يقصد بالحضارة الإسلامية هي كلّ ما جاء به الإسلام من تعاليم وقيم ومبادئ تنظّم المجتمع الإنساني وتزيد من رفعته ورقيّه. ويقصد بها أيضاً كلّ عطاء للبشرية، أعطته الرسالة الإسلامية وأتباعها للإنسانية جمعاء؛ بقصد تعمير الأرض وتنميتها وفقاً لشريعة الله تعالى، مصداقاً لقوله عزّوجلّ: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود/ 61)، وتحقيقاً للعدل والعلم المراد من بعثة الأنبياء وإنزال الكُتُب عليهم، وتوجيه أُمّمهم إلى غاية خلقهم.

إنّ أوّل مجتمع إسلامي تكوَّن وتربى على الإسلام هو ذلك المجتمع الذي رباه الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، قائد الدولة الإسلامية ومؤسسها.

كانت الحضارة الإسلامية في البداية تختص بالعرب الذين دخلوا إلى الإسلام مع النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن عندما توسعت رقعة الدولة، دخلت فيها الكثير من القبائل الغير عربية، فرفدت الحضارة الإسلامية بما لديها من قيمٍ وعاداتٍ فأصبحت الحضارة الإسلامية مزيجاً من ثقافة هذه القبائل التي دخلت الإسلام، واتصفت الحضارة الإسلامية بعدة صفاتٍ ميزتها عن بقية الحضارات التي قامت واندثرت.

يمكن تعريفها أيضاً بأنّها نتاجٌ لتفاعل ثقافات الشعوب التي دخلت في الإسلام، سواء إيماناً أو تصديقاً أو اعتقاداً، أو انتماءً وولاءً وانتساباً، وهي خلاصةٌ لتلاقح هذه الثقافات والحضارات التي كانت قائمةً في المناطق التي وصلت إليها الفتوحات الإسلامية، ولانصهارها في بوتقة المبادئ والقيم والمُثُل التي جاء بها الإسلام هدايةً للناس كافة. فهي نشاط فكري إنساني تمت صياغته في إطار القيم الروحية والأخلاقية المستمدة من العقيدة الإسلامية.

 

ثالثاً- خصائص الحضارة الإسلامية

1- العقيدة:

إنّها حضارة إيمانية، انبثقت من العقيدة الإسلامية، تستمد قيمها ومبادئها وأخلاقها وأفكارها من دين الإسلام، وتؤمن بالله تعالى ورسالاته وأنبيائه (عليهم السلام) وتهتدي بهدي خاتم النبيين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير} (البقرة/ 285). لقد قامت على توحيد الله وعبوديته، فهي حضارة إيمان وعمل وإنتاج، قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} (التوبة/ 105).

الحضارة الإسلامية حين تتخذ التوحيد والإيمان ركيزة ومنطلقاً لها، إنّما تهدف حماية كيانها واستمراريته بسياج منيع من القيم الروحية والمثل الأخلاقية والمبادئ الفكرية. يعطي التوحيد للحضارة الإسلامية هويتها وخصوصيتها، ويكون بمثابة صمام أمان في تعاملها مع الحضارات الآخرى وانفتاحها عليها، فلا تأخذ إلّا ما يتلاءم مع التوحيد، محتفظة بوحدتها وخصوصيتها. أعطت القيم الروحية المتينة والدعائم الخلقية والفكرية للحضارة الإسلامية سمة الثبات والقدرة على مواجهة التحديات الصعبة عبر العصور والأزمنة.

2- الإنسانية والعالمية:

جاءت الدعوة الإسلامية التي ترتكز عليها الحضارة الإسلامية لكافة الناس مما جعلها حضارةً شاملةً لجميع البقاع، وجميع أصناف البشر على مرّ العصور والأزمان فلم تقتصر على شعبٍ معينٍ أو منطقةٍ جغرافيةٍ محددةٍ. هي حضارة إنسانية بكلّ معنى الكلمة؛ وهدفها خير الإنسان وصلاحه في الدنيا والآخرة، والحفاظ على كرامته وحرّيته، والنهوض بمستواه الروحي والفكري والاجتماعي والاقتصادي، ومنع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وتجنبه كلّ ما من شأنه أن ينزل به الضرر، حيث نظّم الإسلام حياة الإنسان -الخاصّة والعامّة- تنظيماً دقيقاً يستهدف سعادة الفرد والأسرة والمجتمع، فالإنسان هو محور هذه الحضارة، وسعادته غايتها، وأنّ الله كرّمه على سائر المخلوقات، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الإسراء/ 70)، وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات/ 13).

3- العطاء:

الحضارة الإسلامية أخذت واقتبست من الحضارات والثقافات الإنسانية التي عرفتها شعوب العالم القديم. الحضارة الإسلامية تخيرت ما من شأنه أن يساعدها على الاحتفاظ بقيمها ومثلها وطابعها وهويتها، ورفضت كلّ ما لا يقبل التكيّف، وكلّ ما لا يتفق وروح الإسلام ومبادئه، ثم قدّمت للعالم أجمع ما يفيده ويرفع من شأنه بكافة المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

كانت الحضارة الإسلامية هي الدعامة الأساسية الرئيسة في ذلك، أمّا علماؤها، فقد ضربوا مثلاً رائعاً في الأمانة العلمية ونسبة الحقائق والأفكار إلى أصحابها دون تمييز، مما جعل الحضارة الإسلامية تقدم إنتاجاتها وكشوفاتها للعالم بأسره دون تفرقة أو تمييز، وجعلها في متناول الجميع أيّاً كان.. فقدّمت للإنسانية عطاءً زاخراً بالعلم والمعرفة والفن الإنساني الراقيّ، وكان عطاؤها لفائدة الإنسانية جمعاء، لا فرق بين عربي وعجمي أو أبيض وأسود، بل لا فرق بين مسلم وغير مسلم.

4- الرحمة والتسامح:

حضارة الإسلام في مجملها رسالة رحمة وحضارة رقة ورفق وتسامح، فلا حقد فيها ولا تعصب ولا كراهية، ويظهر ذلك من خلال سماحة الإسلام تجاه ما سبقه من رسالات وشرائع. وقد أمر الله عزّوجلّ رسوله والمؤمنين بالصفح والتسامح في أكثر من موضع منها قوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} (الزخرف/ 89).

كذلك طالب الإسلام المسلم بألّا يحمل في قلبه حقداً أو غلّاً لغيره، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (الحشر/ 10). أنّها حضارة محبّة وسلام، قائمة على العدل والتسامح واحترام القيمة الإنسانية، حيث توفر الأمن والسلام لكلّ فرد في نفسه وعرضه وماله وأهله، وقد أدت هذه السمة إلى صبغ الحضارة الإسلامية بالتسامح والمحبّة مع شعوب العالم كلّه، مما أسهم في انفتاحها على الحضارات والثقافات الإنسانية التي عرفتها شعوب العالم القديم، ومن ثمّ تمثّل كلّ ما هو إيجابي فعّال في بناء الحضارة واستمراريتها ونموها وتنوعها.

5- الديمومة والاستمرار:

تتصف الحضارة الإسلامية بالحيوية والاستمرار والوحدة، ذلك أنّ الحضارة الإسلامية قامت على أُسس متينة من الدعائم الروحية والخلقية والفكرية. أنّها حضارة باقية بقاء الحياة على وجه الأرض، تستمد بقاءها من الإسلام الذي قامت على أساس مبادئه، وهي بذلك حضارة دائمة الإشعاع تتعاقب أطوارها وتتجدَّدُ دوراتها وهي بذلك بمثابة الجوهر النفيس الذي لا يتبدل ولا يتغير.

 

رابعاً- أثر الحضارة الإسلامية في العالم

لقد قامت الحضارة العربية الإسلامية بدورها الطليعي خير قيام في بناء النهضة العلمية العالمية، وقد نقل العلماء العرب والمسلمون التراث الأغريقي وغيره من ألوان التراث العلمي الذي تقدّم عليهم في التاريخ، نقلوه إلى اللغة العربية، التي كانت لغة علم وثقافة.

أثّر العلماء العرب والمسلمون في النهضة الأوروبية، وكان طابع الثقافة العربية الإسلامية غالباً وواضحاً ومؤثّراً في العديد من المجالات العلمية والفكرية والثقافية، مثل ابتكار نظام الترقيم والصفر والنظام العشري، ونظرية التطوّر قبل «داروين» بمئات السنين، والدورة الدموية الصغرى قبل «هارفي» بأربعة قرون، والجاذبية والعلاقة بين الثقل والسرعة والمسافة قبل نيوتن بقرون متطاولة، وقياس سرعة الضوء وتقدير زوايا الانعكاس والانكسار، وتقدير محيط الأرض، وتحديد أبعاد الأجرام السماوية، وابتكار الآلات الفلكية، واكتشاف أعالي البحار، ووضع أُسس علم الكيمياء. ويقول مسيو ليبري: «لو لم يظهر المسلمون على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوروبا الحديثة عدة قرون».

ويمكن القول إجمالاً إنّ الحضارة العربية الإسلامية كانت واسطة العقد بين العلوم والثقافات القديمة وبين النهضة الأوروبية؛ فالفكر العربي الإسلامي، والثقافة العربية الإسلامية، سلسلة متصلة الحلقات، امتدّت من الحضارات القديمة، من مصرية، وآشورية، وبابلية، وصينية، إلى حضارة الأغريق والاسكندرية، إلى العصر الإسلامي الذي تأثّر علماؤه بمن تقدّمهم، وأثّروا بدورهم فيمن لحقهم من علماء النهضة الأوروبية الذين قرأوا أعمال العلماء العرب في كُتُبهم المترجمة إلى اللغة اللاتينية واللغات الأوروبية.

يقول غوستاف لوبون: «كان للحضارة الإسلامية تأثير عظيم في العالم، وإنّ المسلمين هم الذين فتحوا لأوروبا ما كانت تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية، بتأثيرهم الثقافي، فكانوا بالفعل ممدنين لنا وأئمة لنا طيلة ستة قرون». ويقول في موضع آخر :«أوروبا مدينة للعرب بحضارتها، والحقّ أنّ تأثير العرب في الغرب ليس أقل منه في الشرق.. ولا يمكن إدراك أهمية شأن العرب في الغرب إلّا بتصوّر حال أوروبا حينما أدخلوا الحضارة إليها. إذا رجعنا إلى القرن التاسع والعاشر من الميلاد، حين كانت الحضارة الإسلامية في أسبانيا ساطعة جدّاً، رأينا أنّ مراكز الثقافة في الغرب كانت أبراجاً يسكنها سنيورات متوحشون يفخرون بأنّهم لا يقرأون..».

وقد أشار إلى تلك الحقيقة «كويلر يونج» في بحثه عن أثر الثقافة الإسلامية في الغرب المسيحي بتذكير مسيحي أوروبا المعاصرة، بالدَّين الثقافي العظيم الذي يدينون به للإسلام منذ أن كان أجدادهم في العصور الوسطى، يسافرون إلى حواضر الإسلام، في أسبانيا خاصّة، ليتلقّوا على أيدي معلميها من المسلمين، الفنون والعلوم وفلسفة الحياة وفي جملة ذلك التراث الكلاسيكي القديم الذي أحسن الإسلام رعايته وصانه من الضياع حتى استطاعت أوروبا أن تسترده وترعاه.

ولقد أشار أيضاً إلى هذا المعنى المؤرخ الفرنسي الشهير «سديو» في تاريخه الكبير، الذي ألفه في عشرين سنة؛ بحثاً عن تاريخ المسلمين، وعظيم حضارتهم، ونتاجهم العلمي الهائل، فقال: «لقد استطاع المسلمون أن ينشروا العلوم والمعارف والرقيّ والتمدّن في المشرق والمغرب، حين كان الأوربيون إذ ذاك في ظلمات جهل القرون الوسطى...»، إلى أن يقول: «ولقد كان العرب والمسلمون- بما قاموا به من ابتكارات علمية- ممن أرسَوا أركان الحضارة والمعارف، ناهيك عما لهم من إنتاج، وجهود علمية، في ميادين علوم الطب، والفلك، والتاريخ الطبيعي والكيمياء والصيدلة وعلوم النبات والاقتصاد الزراعي وغير ذلك من أنواع العلوم التي ورثناها نحن الأوربيين عنهم، وبحقٍّ كانوا هم معلمينا والأساتذة لنا».

لقد تعدّدت شهادات كثير من علماء الغرب، -وهم غير مسلمين- لصالح الحضارة الإسلامية، والتي تتكون من منهج ورسول وأتباع وتطبيقات المسلمين عبر التاريخ، فها هو «مايكل هارت» يشهد بعظمة حضارة الإسلام في كتابه: «العظماء مائة أعظمهم محمّد (صلى الله عليه وآله سلم)»، وقد أقرّ بأنّ الرجل الوحيد الذي استطاع أن يتميز على المستوى الديني والدنيوي بمنهجه وحركته وأثره هو محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله سلم).

وهذا «غوستاف لوبون وول ديورانت»، وهذا «جون أدير» أحد علماء العالم الآن في علم القيادة والإدارة والتنمية البشرية، يشهد في كتابه «قيادة محمّد» بأنّ الحضارة الإسلامية القائمة على منهج الله وحركة سيِّدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي أعظم المناهج والحضارات.

 

المبحث الثاني: مكامن القوّة الحضارية في الإسلام

أوّلاً- إنسانية الإسلام

قد يتصوّر بعض الناس، أنّ هذا العصر هو عصر نهاية الأيديولوجيا، وأنّ المسألة لـم تعد مسألة عقائد تحكم الإنسان، ولكنّها أصبحت مسألة قوى تتحكم به بأساليبها الخاصّة، فليس هناك شيءٌ اسمه صراع العقائد، بيد أنّ هناك صراعاً من نوع آخر، إنّه صراع المصالح، فقد يقول قائل: إنّ الإسلام يعيش من خلال الواقع في موقع الضعف، والمجتمعات الأخرى تعيشها في موقع القوّة، فكيف يمكن للإسلام التفكير في دخول دائرة التنافس الحضاري في هذا العصر؟

الجواب: عندما نبحث عن هذه العناصر، فإنّنا نلتقي في البداية بإنسانية الإسلام، فالإسلام إنسانيٌّ في نظرته إلى الإنسان كلّه، وهو لـم ينطلق من أيّة حالة عرقية أو قومية، فقد وُلِد في المنطقة العربية، ولكنّه لـم يحمل القومية العربية كعنوان لحركته، ليكون غير العرب ملحقين سياسياً أو ثقافياً بالعرب، فقد كان القرآن والنبيّ عربيين، ولكنّ الإسلام جاء إلى الإنسان كلّه، لأنّه رسالة إنسانية جامعة، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات/ 13)، فقد أطلق الإسلام الإنسانية في بُعدها الواسع، ولكنّه لـم يُلغِ خصوصيات الإنسان الوطنية والقومية والعرقية، فلكلّ شخصية عرقية خصائصها وعناصرها التي تميّزها عن الأخرى، لكنّ هذه الخصوصيات لـم تكن يوماً حائلاً دون اعتناق الإسلام والاهتداء بهديه.

وهكذا، عندما نتحدّث عن كلّ المميزات الإنسانية التي تميّز شخصاً عن آخر، فالإسلام لـم يُلغِ الخصوصيات الإنسانية، وإنّما نظّمها وأنسنها {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}. فعندما تتحرّك خصوصية كلّ إنسان في موقع معيّن، فعلى كلّ خصوصية أن تخاطب الخصوصية الأخرى بما عندها من خبرة وتجربة في ما تحتاجه الخصوصية الأخرى، ليتحقق الانفتاح المطلوب الذي يفتح الخصوصيات بعضها على البعض الآخر، ويجعلها تتناغم فيما بينها. والتعارف ينطلق من خلال التناغم، والتناغم ينطلق من خلال الحالة التي يعيشها كلّ إنسان في تفاعله مع الإنسان الآخر، من خلال فكره وخبرته وعلمه أو ما إلى ذلك. فخصوصياتنا الجغرافية والقومية واللغوية، هي خصوصياتٌ من أجل إغناء التجربة الإنسانية التي تتعارف فيها خصوصيةٌ مع خصوصية أخرى، وتتفاعل من خلالها مع بعضها البعض، لتكون النتائج للإنسان الذي يجمع الخصوصيتين، ويحقّق خلاصة هذا التفاعل بين الخبرات والثقافات.

ولهذا، كان الإسلام إنسانياً كما في نص الحديث لرسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا فضل لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى»، والتقوى لا تمثّل حالةً منغلقة في الإنسان، فهي تحرّكه في الحياة من خلال مسؤوليته أمام الله. ومن خلال هذه المسؤولية، تكون المسؤولية عن الإنسان كلّه والحياة كلّها. لذلك، فالفكر عندما ينطلق، فإنّه يتوجّه إلى كلّ الإنسان، ويخاطبه كجوهر وذات فاعلة ومهتدية، ولهذا، نجد في القرآن نداءين في ما يُنادي به الله؛ هناك نداء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، وهناك نداء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}. وهذا النداء ليس نداءً بالمعنى الطائفي الذي يُتاجر به الناس، ولكن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، الذين التزموا الإيمان فكراً وعاطفةً وحركةً، بحيث ينطلق الإيمان ليتحرّك في خطّ المسؤولية للإنسان، فهذه القاعدة الأولى لمنطق القوّة في الحضارة الإسلامية.

ثانياً- الإسلام.. مجتمع التنوّع

إنّ الإسلام نجح في تجاوز حركة التنافس الحضاري على المستوى الثقافي والسياسي والاجتماعي، واستطاع مجتمعه الحضاري أن يكوّن مجتمعاً متنوّعاً يضمّ، إلى جانب المسلمين، ديانات أخرى، بل إنّنا نستطيع التأكيد أنّ أوّل مجتمع إسلامي كان يمثّل البذرة الأولى للدولة الإسلامية، كان مجتمعاً متنوّعاً يتحرّك على أساس أسلوب المعاهدة بين أفراد المجتمع الذين قد يختلفون في خلفياتهم الدينية أو مرجعياتهم الفكرية، فقد عقدَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما جاء إلى المدينة، معاهدة ألفة بين جميع أفراد المدينة، من المهاجرين والأنصار والأوس والخزرج، وضمّ اليهود آنذاك إلى هذه المعاهدة، فجعل حقوقهم كحقوق أفراد المجتمع الآخر، وكانت تلك أوّل وثيقة حقوقية في المجتمع المتنوّع، الذي يتكامل أفراده في القضايا المشتركة، حتى مع اختلافهم في الدِّين والفكر.

إنّ الإسلام نجح نجاحاً كبيراً في مسألة التنافس الحضاري، واستطاع أن يصنع حضارته على أفضل صورة تحفظ للإنسان إنسانيته، ولصاحب المعتقد معتقده.

ثالثاً- الإسلام.. دين العلم والعقل

إنّ التحدّث عن العقل، يعني التحدّث عن العلم، فالعلم في الإسلام فريضة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة»، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} (الزّمر/ 9). والعلم ليس له حدّ يقف عنده، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (طه/ 114). لذلك، فالعلم هو أساس التفاضل الإنساني فيما هي القيمة الإنسانية في معنى الإنسان، والعلم هو الوسيلة التي تعيننا على كشف أسرار الكون والحياة. لذلك، فالأُمّة الجاهلة لا يمكن أن تعي حقيقة الإيمان العميق.

ومن أهم الدلائل التي تشير إلى اهتمام القرآن الكريم بالعلم، وأنّ أساس نشأة حضارة القرآن قامت على العلم، أن كانت أوّل آية قرآنية تنزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تحثّ المسلمين، وتحضهم على العلم والتعلم، قال عزّوجلّ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق/ 1-5). كما وقد رفع الله سبحانه وتعالى قدر العلماء حيث قال عزّوجلّ: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة/ 17). وقد حثت الحضارة الإسلامية على العلم، وشجَّع القرآن الكريم والسنّة النبوية على طلب العلم، ففرّق الإسلام بين أُمّة تقدّمت علمياً، وأُمّة لم تأخذ نصيبها من العلم، فقال عزّوجلّ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزّمر/ 9)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مبيِّناً فضل السعي في طلب العلم: «مَن سلك طريقاً يبتغي فيه علماً؛ سهّل الله له به طريقاً إلى الجنّة».

ولذلك، فنحن أمام كلّ التطوّر العلمي للشعوب التي تقدّمت علينا بفعل اشتغالها بالعلم، لا نجد أيّ عقدة من الانفتاح عليها والتفاعل معها، بل قد نضع أمامها جملة من الأسئلة الحضارية عن رسالة العلم وغاياته، ومدى إنسانيته وخدمته للبشرية والحياة.

رابعاً- التوازن في الإسلام

إنّ من عناصر الإسلام التوازن، فهو يوازن في تشريعاته بين السلطة والجماعة، والفرد والمجتمع، فللفرد حقوقه التي تمتد إلى أن تقف عند حدود المجتمع، وللسلطة حقوقها التي لا يمكن لها التعدي على حقوق المجتمع. لذلك، فالسلطة في الإسلام لا تملك حقّاً إلهياً مطلقاً، فالرسول لـم ينتخبه الناس، وليس مسؤولاً بشكل عضوي أمام الناس، فقد جاء أنّه في آخر حياته، وقف ليقول للناس: «إنّكم لا تملكون عليَّ بشيء، إنّي لـم أحلّ إلّا ما أحلّ القرآن، ولـم أحرّم إلّا ما حرّم القرآن. ادرسوا تاريخي معكم في السلطة، وفي الدعوة، وفي الحياة الاجتماعية، فسوف تجدون أنّني طبّقت القانون الذي دعوتكم إليه».

ونحن نقرأ في نهج البلاغة عن الإمام عليّ (عليه السلام)، وهو في موقع الخلافة أنّه قال للناس: «لا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة، ولا تتحفظوا منّي بما يُتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حقّ قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي، فإنّه مَن استثقل الحقّ أن يُقال له، أو العدل أن يُعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلّا أن يكفي اللّه من نفسي ما هو أملك به مني».

الحاكم هنا يطلب من الناس دراسة سلوكه وحكمه وسيرته، فهذه هي مسألة السلطة في الإسلام. إنّ الإسلام لا يُعطي صاحب السلطة سلطة مطلقة، على طريقة ما كان يُعرف في أوروبا بالحكم الإلهي الذي يُعبّر فيه مزاج الحاكم عن إرادة الله.

وهكذا، نجد وجود التوازن بين المادّة والروح، فالإسلام ليس مادّياً بالمطلق، وليس روحياً بالمطلق، ولكنّها روحية تجد روحيتها في المادّة، ومادّية تجد سموّها في الروح. فالدين جاء لحماية الإنسان من نفسه ومن غيره، ولكي ينظّم له حياته.

خامساً- الإسلام.. دين العدالة

أمّا النقطة الأخرى في الجانب الحضاري في الإسلام، فهي العدالة، ففي الإسلام، العدالة مطلقة، ولا دين لها، ولا مذهب، ولا قومية، ولا عِرق، فالعدالة لكلّ الناس؛ للمؤمنين وللكافرين على حدّ سواء، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ} (النساء/ 135)، فالله يأمر بالعدل والإحسان {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة/ 8).

وقد ورد في بعض الأحاديث المأثورة في السنّة النبوية الشريفة، «أنّ الله أوحى إلى نبيّ من أنبيائه، في مملكة جبّار من الجبّارين، أن ائت هذا الجبّار، فقل له إنّي لـم أستعملك على سفك الدماء، واتخاذ الأموال، وإنّما أستعملتك لتكفّ عني أصوات المظلومين، فإنّي لـم أدع ظلامتهم وإن كانوا كفّار». فاللّه يقول إنّ الكافر أو المشرك باللّه، إذا كان له عليك حقّ، فعليك أن لا تظلمه حقّه، فالعدالة لكلّ الناس.

سادساً- مرونة الإسلام وقدرته على الانفتاح

الإسلام شامل على المرونة والقدرة على التكيّف في مسألة التشريعات الإسلامية، ونحن نقول إنّ الأخلاق الإسلامية ليست مثالية بالمطلق، إذا كان المقصود بالمثالية ما يتعالى على الواقع ولا نستفيد منه، فالإسلام واقعيٌّ في سنّنه الأخلاقية.

ونحن نقول إنّ الأخلاق الإسلامية متحرّكة، كالغيبة مثلاً، فهي محرّمة، ولكن مثلاً إذا جاءك إنسانٌ يستشيرك في مسألة، وكنت تعرف أشياء سلبية فيمن يستشيرك عنه، فهنا الحديث عن خفايا الشخص هو غيبة، ولكن لو أغلق باب النصيحة لإختل نظام العالـم، ولذلك، نقول إنّ من مستثنيات الغيبة إعطاء النصيحة. وهكذا، فإنّ الأخلاق والقيم الإسلامية ليست مثالية بل واقعية، فهي بقدر ما تلتصق بالمبادئ، إلّا أنّها تتوازن لما فيه صلاح الإنسان.

ثمَّ هناك الانفتاح، فالإسلام هو دينٌ منفتح على العلوم والمعارف، ولذلك، رأينا كيف استقدم الإسلام العلوم الأخرى من مناطق غير إسلامية بواسطة الترجمة، وترك للحوار المجال الواسع في هذا الاتجاه.

سابعاً- الإسلام دين القوّة

أراد الإسلام للناس أن يأخذوا بأسباب القوّة، ولكن القوّة التي تحمي الإنسان ولا تسقطه. ولهذا، عندما ندرس آيات القتال في الإسلام {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} (البقرة/ 190)، {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} (النساء/ 75)، نجد أنّ القتال في الإسلام وقائيّ تارة، ودفاعيّ تارة أخرى، تماماً كأيّ بلد يتحرّك في خطّ مواجهة الأعداء.

وفي ضوء هذا، هناك عناصر أخرى تعني أنّ الإسلام عندما يدخل ساحة التنافس الحضاري، فإنّ لديه القدرة على أن يأخذ دوره في الحياة، إذا تهيأت له الظروف الملائمة، لأنّه يختزن الكثير من الغنى في العناصر الحضارية التي يمكن للإنسان أن يعيش معها براحة وسعادة، وهذه هي مسألة الحضارة.

إنّ قيمة أيّة حركة حضارية هي بمقدار ما ترفع مستوى الإنسان وتعالج مشاكله، ونحن نتصوّر بفعل التجربة، وبفعل المكونات الداخلية للإسلام، أنّه قادرٌ على الاستمرار في العصر الحاضر، ودخول معترك التنافس مع التيارات الأخرى، كما كان في الماضي.

المبحث الثالث: توصيات ومقترحات

لقد تميّزت كلّ أُمّة من أُمّم الأرض بحضارة تُفاخر بها الناس، وتدافع عنها، وتعمل على تنميتها ونشرها، خيراً كانت أو شرّاً، بينما أكرم الله تعالى أُمّتنا الإسلامية بخير حضارة وبأشرف ثقافة وبأعظم تراث، يقول تعالى في محكم كتابه العزيز: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران/ 110). وحُقّ لنا كمسلمين أن نتفاخر ونُفاخِر الدنيا بحضارتنا الإسلامية التي تعلّم الناس منها عبر أزمنة الأُمّة العديدة، وتركت بصمتها في عقول وأذهان علماء الدنيا على اختلاف تخصصاتهم ومواهبهم العلمية والفكرية.

إنّ الإسلام (عقيدة وشريعة وأخلاقاً) كان -(ولا يزال)- قوّة دافعة نحو التحضّر والترقّي؛ عملاً على إسعاد البشرية والإنسانية، وسعياً في الوصول إلى التطوّر والازدهار والتكامل. وصدق الحكيم إذ يقول في محكم التنزيل: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة/ 15-16).

كان الإسلام وسيظلّ هو الحامي الحقيقي لحقوق الإنسان في العالم كلّه، ولقد كان نبيّنا المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتفض دفاعاً عن حقّ أيّ إنسان يُظْلَم أو يُضطهَد، حتى ولو كان غير مسلم، فقبل الرسالة شارك في حِلف الفضول لنصرة المظلوم وإعادة الحقّ إليه.

لقد أعاد الاسلام في تجربته الفريدة الحرّية المنتزعة والكرامة المفقودة للإنسان من خلال تهيئة المناخ المناسب للنمو والابداع في مختلف مجالات الحياة الفكرية والسياسية والعسكرية؛ فإنّ النمو الصالح للفرد إنّما يتحدد من خلال قدراته الفردية وقابلياته الخاصّة.

واستطاع الإسلام بشموليته أن يحفّز الطاقات لتكون مصدر القوّة وجعلها تتبع طبيعة الانسجام إيجاباً وسلباً مع التكوّن النفسي والتاريخي للأفراد، باعتبار أنّ الإسلام يمارس دوره ويتعايش مع التكتلات البشرية لربط العلاقات القائمة بينهم ووضع الصيغ المناسبة والخطط الصحيحة في مسير تنمية الطاقات البشرية وصهرها في بودقة العمل وتحريك إمكاناتها عكسياً ضد التخلف والجهل؛ وكانت تتعمق تلك البرمجة الصحيحة في مشاعر الأُمّة ونفسياتها، لأنّ التنمية الحضارية لا تتم وسلامة البناء لا تحصل بصورة متجزئة وبعيدة عن الواقع وإنّما تتم باستنفار كلّ القوى المتفاعلة لإزالة التخلف ورفع حالة الجمود والكسل عنها والنفخ في جسدها وإعطاءها الحيوية في هذه المسيرة.

لقد بدأ الاسلام في تغيير ذات الإنسان أوّلاً لينطلق بعده إلى تغيير المجتمع بكلّ ما علّق فيه من رواسب جاهلية، ولم يتم هذا إلّا من خلال تطوير المفاهيم المادّية عن الكون والحياة، وزرع القيم والمبادئ الإنسانية والميول المعنوية، فالنقد الذاتي ثمّ الجهاد الذاتي، فالتربية الذاتية هي الأطوار المهمّة في عملية التغيير الحضاري للإنسان تغييراً خلّاقاً.

لقد تميّزت إنسانية الحضارة الإسلامية باحترام آدمية الإنسان، وجعلت العنصر الإنساني في إقامة العمران في الأرض أهمّ من العمران نفسه، وجعلت كرامة الإنسان أكرم من البنيان. في الحضارة الإسلامية تأكيد لحقّ الإنسان في الحياة والحرّية والكرامة والعدالة، والحياة الآمنة المطمئنة.

علينا اليوم أن نعمل على إيصال حضارتنا وفقاً لما أمرنا الله به من فرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبليغ الناس الخير، وبذل الخير في الغير، ومن الوصايا العملية في نشر الحضارة الإسلامية ما يأتي:

1. العمل على تأليف مؤلفات علمية متخصصة؛ تكشف الكنوز التي امتلأت بها صفحات كُتُب التاريخ عن إنسانية الحضارة الإسلامية وعظمتها، وإيصالها لدى الغرب والشرق، وإنعاش هذه الجذور وإحيائها بضخ دم جديد في شرايين الحضارة الإسلامية، حتى تستأنف دوراتها، وتواصل عطاءها، وتقوم بدورها في إنقاذ الحضارة الغربية التي تعاني من أزمات شديدة لا سبيل إلى معالجتها وتجنب البشرية كوارثها المحتملة، إلّا بتطعيمها بمبادئ الحضارة الإسلامية ذات الروح الإيمانية والنزعة الإنسانية والرؤية المستقبلية.

2. قيام المؤسسات الرسمية (التعليمية والإعلامية والدينية والحكومية) بدورها في نشر الثقافة الإسلامية وبيان عظمة المنهج الإسلامي، وإظهار ذلك في كلّ الأعمال الدرامية والصحفية والتعليمية.

3. إنّنا بحاجة إلى أن نكون صورة مشرفة لحضارتنا الإسلامية في كلّ المجالات، نجدد العهد مع الله تعالى عقيدة وإيماناً ويقيناً فيه، نمتثل أمره ونسير على هدي نبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، نعمل على نشر رسالة الإسلام الصحيحة، ونفاخر الدنيا بحضارتنا وتراثنا الإسلامي، وألا نعمل على تقليد كلّ ما هو جديد دون وعي أو تدقيق، فهلمّوا للعمل تحت مظلة الإسلام ننشر الحقّ، وننصر المظلوم، ونتعامل بالعدل، نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.

4. لقد انطلق الإسلام في حركته الثقافية، في دعوته للآخر إلى الإيمان بفكره، انطلق من قاعدة الحوار التي ترتكز على طرح الفكرة الإسلامية بكلّ تفاصيلها، والاستماع إلى فكرة الآخر على أساس الجدال بالتي هي أحسن، ما يفتح العقل على عناصر الفكر المتنوّع للوصول إلى النتائج الإيجابية الحاسمة، الأمر الذي يجعل الحوار مع الآخر ضرورة إسلامية ثقافية في حركة الدعوة في مقاصدها الحركية في الانفتاح على الآخر للوصول معه إلى مواقع اللقاء.

إنّ حوار الحضارات يتسع لكلّ حضارة إنسانية في أبعادها الدينية وغيرها، بل إنّ الجانب الجدلي في القاعدة الدينية للحضارة الإسلامية ينفتح على الصراع الفكري بين العنصر الروحي الغيبـي الذي يتمثل في الدِّين، والعنصر المادّي الحسي الذي يتمثل في الحضارة المادّية، ما يمنع من الفصل في عملية الحوار بينهما في مفرداته الفكرية.

5. إنّ الإسلام لا يضع شروطاً للحوار مع الآخر من خلال طبيعة انتمائه الفكري أو الديني، لأنّه يعمل على أساس مخاطبة الإنسان ودعوته إلى الاطلاع على قاعدة الحضارة الإسلامية في أبعادها العقيدية والتشريعية والمفاهيمية والمنهجية، ولذلك فإنّه يلتقي بالغرب في رؤيته للحوار على قاعدة الأصول العلمية الموضوعية التي يخاطب فيها العقل العقل، والمعرفة المعرفة، من دون الدخول في أية سلبيات ذاتية غريزية، لأنّ ذلك هو السبيل للوصول إلى التفاهم أو اللقاء حسب النتائج الواقعية في مفردات الحضارتين. إنّ المسألة هي أنّ الحوار الإنساني يرتكز على أساس أن لا يفرض أحدنا على الآخر وجهة نظره، بل أن يناقش كلّ واحد من الفريقين وجهة نظر الآخر باحترام وموضوعية لا علاقة لها بالذات.

6. دعوة الإسلام إلى الوحدة بين المسلمين، وهذا الحل الإسلامي هو الذي يمكن أن تجتمع عليه الأُمّة الإسلامية؛ وهو القادر على حفظ التوازن بين الروح والمادّة وبين الدِّين والدنيا، وبين الفرد والمجتمع.. ففي الإسلام وحده تذوّب العصبيات القومية والإقليمية، والفوارق اللونية واللغوية والطبقية، والتماسك ثابت في أصل الشريعة.

ولا نعني بالتماسك بالضرورة الجانب الإيجابي منه وهو العمل الميداني المشترك، بقدر ما هو إلغاء الجانب السلبي في التعامل من النظرة والتحدث والتطاول على الآخرين فتكون الوحدة في المنهج الإسلامي عاملاً مساعداً في دفع المسيرة إلى تحقيق النصر.

7. العمل على جعل القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة مصدرين أساسيين في المعرفة وكلّ مجالات الحياة، مما يؤدي بذلك على تحقيق الانفتاح على كلّ الجوانب العلمية والأدبية والمعرفية كافة.

8. تقديم البدائل الإسلامية في مجالات تنظيم الحياة الاجتماعية وإظهار قوّة الفكر الإسلامي، وذلك من خلال تحويل هذه البدائل إلى جانب عملي على واقع الحياة بكلّ أبعادها.

9. ضرورة ارتفاع العلماء والقُضاة المرشدين إلى مستوى الأحداث والقضايا والأوضاع التي يعيشها المسلمون، وعليهم أن يتحملوا مسؤولياتهم نحو دينهم وأُمّتهم ومصير الأجيال المسلمة فيضعون لها الحلول المناسبة.

10. الإلحاح على وضع نظرية متكاملة في الاقتصاد الإسلامي لحماية مصلحة الجماعة والاستفادة من القدرات الفردية، وصيانة حقوقه ومبادراته الإيجابية. وعقد ندوات دورية لهم لتحقيق التعارف والتعاون فيما بينهم وتبادل الخبرات ودراسة أفضل السُّبل للاستفادة المُثلى من اختصاصهم والتخطيط لمعالجة قضايا الأُمّة المعاصرة، فهذا الجانب من الجوانب المهمّة التي تعزز الوضع العام للمجتمع كافة.

 

ختاماً- الحضارة الإسلامية .. رسالة ومسؤولية

إنّ للحضارة الإسلامية رسالة ومسؤولية ودوراً في التجديد الحضاري على الصعيد الإنساني بصورة عامّة، فهذه الحضارة هي وحدها التي تمثّل اليوم العناصر الحيوية التي يتطلبها هذا التجديد للحضارات الإنسانية القائمة، لأنّها حضارة الأُمّة الإسلامية المطبوعة بطابع الإسلام رسالة ربّ العالمين إلى البشرية جمعاء، في كلّ زمان ومكان.

إنّ الهدف من كلّ الجهود الحضارية هو النهوض بالإنسان نفسه، فإذا بقي على جهالته وضلالته، انتكس وتدهور، فما قيمة الرقيّ. الرقيّ الإنساني يتحقق في ظل الإيمان واليقين في قدرة الله (خالق الكون)، الذي يجلب الطمأنينة والسكينة والإحساس بالأمن العقلي والوجداني. الحضارة الإسلامية قامت ــ ولا تزال ــ على هذا العنصر الحيوي، فهي حضارة إيمانية، إنسانية في الصميم، وفي مقاصدها وغاياتها.

إنّ الحضارة الإسلامية هي التي تُضيف البُعد الديني لفكرة التقدّم، فلا يـبـقـى التقدّم لمجرد التقدّم، وإنّما تتحدّد الغاية من التقدم في الرقيّ الإنساني الذي يشبع في الإنسان غرائزه الخيرة وأشواقه إلى السلام والانسجام مع الكائنات والتعاون مع أخيه من أجل تحقيق القيم الفاضلة، قيم الخير والفضيلة والعدالة والرحمة والمودة والصفاء والتسامح.

الحضارة الإسلامية ليست فكرة مثالية، أو شعاراً مذهبياً أو مشروعاً لم ينفذ، أو تصوّراً لما يمكن تحقيقه، إنّها واقع معيش، يحياه المجتمع الإسلامي، واشترك في صنعه الإنسان المسلم وغير المسلم، ممن يعيش في كنف المجتمع الإسلامي، ويشكّل جزءاً لا يتجزأ منه. ولذلك فإنّ المسلمين هم الذين يصنعون الحضارة الإسلامية، وهم الذين يصوغون مستقبلها، وهم الذين يحمونها ويحددون مصيرها.

وتلك هي مسؤولية الأُمّة الإسلامية في الحاضر والمستقبل، وتلك هي رسالة الحضارة الإسلامية. إنّ عودة الحضارة الإسلامية إلى استئناف دورها في إغناء الحضارة المعاصرة، ضرورةٌ إنسانية، وفريضة دينية، ورسالة حضارية. لقد رسمت الحضارة الإسلامية ما يعتمد عليهما في بنيانه وكيانه أمران هما: الأساس الروحي والمادّي معاً، منطلقاً وصبغةً وبناءاً؛ في عملية الوعي المركزية للإنسان اللذان يدرك من خلالهما غاية وجوده الكوني فينتهج فلسفة مؤمنة واعية منفتحة ينبثق عنها النظام الاجتماعي الذي يمنحه الحياة الكريمة وحقّ الأمن والحرّية.

-وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-

 

فهرس المصادر والمراجع

[1] إبراهيم العدوي ونايف عيدالسهيل، الحضارة العربية الإسلامية، مؤسسة الشراع العربي، بيروت، 1994م، ص8.

[2] محي الدين صابر، التغير الحضاري وتنمية المجتمع، بدون تاريخ، ص41.

[3] نصر محمّد عارف، الحضارة، الثقافة، المدنية: دراسة في سيرة المصطلح ودلالة المفهوم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، 1994م، ص59.

[4] عبدالعزيز التويجري، خصائص الحضارة الإسلامية وآفاق المستقبل، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط.

[5] إسماعيل أحمد ياغي، أثر الحضارة الإسلامية في الغرب، مكتبة العبيكان، الرياض، 1418/1997م، ص14.

[6] موقع http://www.manaratweb.com

[7] فرانز روزانتال، تحقيق رضوان السيِّد، معن زيادة، مفهوم الحرّية في الإسلام، دار المدار الإسلامي، 2007م.

[8] مجلة حراء (مجلة علمية ثقافية فصلية)، العدد9، (أكتوبر- ديسمبر) 2007م.

[9] خلاصة تاريخ العرب:سيديو، ترجمة علي باشا مبارك، ط1، مطبعة محمد أفندي، مصر، 1309هـ.

[10] نظرات استشرافية في فقه العلاقات الإنسانية بين المسلمين وغير المسلمين.

[11] موقع بيّنات للعلّامة الراحل السيِّد محمّد حسين فضل الله http://arabic.bayynat.org.lb

[12] موقع المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية http://www.taghrib.org