Powered By Dijlah 2020
قراءة معاصرة في الإسلام السياسي على هدي القرآن الكريم
۱۳۹۷/۰۹/۲۸ ۰۹:۴۲ 469
قراءة معاصرة في الإسلام السياسي على هدي القرآن الكريم

 

 

قراءة معاصرة في الإسلام السياسي على هدي القرآن الكريم

 

المحامي الشيخ مصطفى ملص          

عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد:

عنوان هذه الورقة: الإسلام السياسي/ قراءة معاصرة على هدي القرآن الكريم.

شهد العالم الإسلامي مع مطلع القرن الماضي وفي الفترة التي تفككت فيها دولة الخلافة العثمانية على أيدي الدول الأوروبية، والقائد التركي أتاتورك (مصطفى كمال) وجمعية الاتحاد والترقي التركية حيث أعلن مصطفى كمال إلغاء الخلافة وتأسيس دولة تركية الحديثة وفق النمط الأوروبي، وترافق ذلك مع حملة ثقافية واجتماعية للفصل والقطيعة بين تركيا الحديثة وماضيها الإسلامي، وتحول الكتابة باللغة التركية من الحرف العربي الذي هو حرف القرآن الكريم إلى الحرف اللاتيني، ومنع لبس الطربوش على الرأس واستبدله بـ(البرنيطة) وهي غطاء الرأس الأوروبي.

وقد جرى فصل البلاد العربية وتقسيمها إلى دول صغيرة، وتم تقطيع أوصال الأُمّة ورسم حدود مصطنعة بين أقطارها بعدما بسط الانتداب الأوروبي سيطرته عليها.

منذ تلك الفترة بدأت في الظهور دعوات وحركات تهدف إلى إصلاح واقع الأُمّة واستعادة مجدها ووحدتها لتعود إلى الوقوف في وجه السيطرة الغربية. وقد حمل هذه الدعوات علماء دين ومصلحون اجتماعيون، ونشطاء وجمعيات وأحزاب وكانت جميع تلك الدعوات ذات مرجعية إسلامية، كما كان هناك دعوات مقابلة ذات مرجعية علمانية تسعى إلى الخروج من الواقع القديم والانتقال إلى مرحلة التشبه بالأوروبي المنتصر في الحرب العالمية الأولى على الدولة العثمانية، دولة الخلافة الإسلامية. أطلق على الدعوات التي هدفت إلى إعادة الأُمّة إلى وحدتها ومجدها السابق أسماء عديدة منها النهضوية والإصلاحية والإسلامية، واستمرت هذه الدعوة بالنمو والتطور وبرزت بأشكال عديدة وأحزاب وجماعات ليس فقط في العالم العربي ولكن في جميع أقطار العالم الإسلامي كالهند وباكستان وشمال إفريقيا وشرقها وغربها، وفي إيران وتركيا والقوقاز، وتركت كل تلك الحركات والدعوات أثراً في مجتمعاتها وبعضها تجاوزت مجتمعاتها إلى مختلف دول العالم الإسلامي، ومن أهم هذه الأحزاب والجماعات، حركة الاخوان المسلمين التي أسّسها في مصر الداعية حسن البنّا، وحزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني في فلسطين، ومن الأسماء التي برزت أبو الأعلى المورودي في باكستان والسيد أبو الحسن الندوي في الهند والسيد قطب في مصر وغيرهم كثير.

وببلوغ الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بدأت آثار الأحزاب والحركات الإسلامية تطال أوروبا وأميركا بفعل هجرة أعداد كبيرة جداً من المسلمين إلى هاتين القارتين، وقد كانت الحركات والأحزاب والشخصيات الإسلامية تطرح فكرة التغيير السياسي للواقع استناداً إلى فكر إسلامي. واعتبار ان الإسلام كدين يشمل الاهتمام بالدولة والسياسة، وقد أطلقت على أصحاب هذا التوجه تسميات كثيرة، عمل الغرب

على تسويقها انطلاقًا من فهم الغربيين للأمور مما جعل هذه التسميات محل رفض أو تجاهل من قبل الإسلاميين. ومن هذه التسميات

-      الأصوليون: والأصولي هو كل مسلم مرتبط بدينه اعتقاداً وقولاً وعملاً، وهذا المصطلح هو غير مصطلح " الأصولي" المعروف تاريخياً بين المسلمين حيث يطلق الاسم على العلماء المختصين بعلم أصول الفقه أو أصول الدين، أو غيره من علوم الشريعة الإسلامية.

-      المتطرفون: والمتطرف هو كل إنسان ينسب الفضل والسمو والعدالة وكل شيء جميل إلى نفسه أو إلى جماعته وينفيه عن الآخر، وأن تلصق بالآخر تُهم الكفر والفساد وكل شيء، ولو كنت تعلم علم اليقين أنك خاطئ وانك لا تقول الحقيقة، وقد أطلق هذا المصطلح على بعض المسلمين، رغم أنهم يروون أنفسهم أنهم أهل اعتدال.

-      المتشددون: والتشدد هو التطرف والتزمت في الدين، والالتزام المبالغ فيه من حيث التحريم والمنع، والغلو في العبادة والمعاملة بحيث يؤدي ذلك إلى المشقة الزائدة، وفي هذا السلوك مخالفة لسماحة الشريعة ويسرها وللنهي عن التنطع وهو التشديد على النفس في أمور قد وسع الله على النفس فيها.

-      الاسلامويين: والاسلاموى Islamism  وهو المنتمي إلى الإسلام باعتباره إيديولوجيا، أو الذين يُؤدلجون الإسلام، أما المنتمي إلى الإسلام باعتباره ديناً فهو مسلم muslim.

ويعتبر الدكتور عوض القرني أن الاسلاموية والاسلامويين مصطلح أطلقه غداة ومتطرفو العلمانية في العالم الإسلامي على الاسلاميين، وان المصطلح هو انعكاس للرؤية الغربية للدين النصراني.

ويرى آخرون ومنهم الدكتور سليمان الضحيان أن ما يتبين من خلال كتابات الغربيين أن المصطلح مصطلح محايد، ويعني اتخاذ الإسلام إيديولوجيا يتمثلها المرء في جميع نشاطاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وهو معادل لما اصطلح عليه الفكر العربي الحديث بـ (الإسلامية).

وننقل من وجهة النظر الغربية قول المسؤول السابق في (CIA) إلى ان الاسلاموي هو المرء الذي يعتقد بأن الإسلام يعد منظومة ايمان لديها الشيء المهم الذي تقوله عن كيفية تنظيم المجتمع والسياسة في العالم الإسلامي المعاصر ويسعى لتطبيق الفكرة في بعض الصيغ.

-      الإسلام السياسي: الإسلام السياسي مصطلح سياسي إعلامي وأكاديمي استخدم لتوصيف حركات تغيير تؤمن بالإسلام باعتباره نظاماً سياسياً للحكم. ويمكن تعريفه كمجموعة من الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية التي يستخدمها مجموعة (المسلمين الأصوليين) الذين يؤمنون بأن الإسلام ليس عبارة عن دين فقط وإنّما هو نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة.

من خلال ما نقلناه من تعريفات تدور حول التسميات التي طالت الحركات والشخصيات والأحزاب والجمعيات التي عملت وتعمل من اجل التغيير السياسي والاجتماعي، ندرك اننا أمام إشكالية معاصرة تتناول هذه المسألة ومن المفيد الإضاءة عليها للمساهمة في تحديدها ومعرفة مدى واقعيتها وصدقيتها وملاءمتها، وعما إذا كانت هذه الطروحات سليمة أم ان فيها ما فيها من الغلو والمبالغة أو المطامع والمطامح.

وسنركز في هذه الورقة على الإسلام السياسي ومفاهيمه العامة وفهم الذين يطلق عليهم هذا الوصف للمسألة السياسية في الإسلام.

 

مصطلح الإسلام السياسي :

قلنا في تعريف الإسلام السياسي في التمهيد لهذا البحث أن الإسلام السياسي هو مصطلح سياسي إعلامي وأكاديمي استخدم لتوصيف حركات تغيير تؤمن بالإسلام باعتباره نظاماً سياسياً للحكم.

وفي الفقه أن الإسلام هو الدين الذي أرسل الله به محمداً صلى الله عليه وسلم وانزل عليه كتاباً هو القرآن الكريم المشتمل على أحكام وأوامر ونواهٍ وتوجيهات أخلاقية وآداب وعبادات وقصص للاتعاظ بها والاعتبار، وقد عبّر القرآن الكريم عن الغاية من هذه الرسالة وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أي الانتقال بالناس من حياة الضياع والتخبط في جميع نواحي حياتهم إلى حياة ذات رؤية واضحة يتجسد فيها مفهوم العيش الحر الكريم الهنيء.

والسياسة بمفهومها المعاصر وهو ما يعنينا، إذ ان المصطلح أطلق حديثاً ولم يكن معروفاً فيما سبق وإنّما أطلق على من يسمّون أنفسهم بالإسلاميين بعد إحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001؛ فالسياسة كمصطلح لها معانٍ كثيرة وقد تصل أحياناً إلى حد التناقض، فبينما ينظر إليها البعض على انها فنٌ ومثلٌ، يرى آخرون أنها قمة الخديعة والفساد الأخلاقي والاجتماعي.

والحقيقة ان السياسة اقرب ما تكون إلى الفن منها إلى العلم، وممارسة السياسة أمرٌ حتمي لا غنى عنه لأي مجتمع مهما كانت درجة تطوره، فهناك من يعرف السياسة على انها العلم الذي يبحث في كيفية إدارة شؤون الدولة وأسلوب ممارسة السلطة، (Autority) وهناك من يعرفه على انه العلم الذي يبحث في كيفية صنع القرارات الجماعية ومن التعريفات الايجابية ان السياسة هي العملية التي يمكن من خلالها لأي مجتمع ان يحقق اكبر قدر من التعاون واقل قدر ممكن من الصراع.

غير ان المراد من إطلاق صفة السياسي على الإسلام هنا هو الإشارة إلى ان الاسلاميين الذين يدل عليهم المصطلح هم المسلمون الساعون من اجل تحكيم الإسلام كعقيدة وكشريعة في حياة المجتمع وذلك عبر استلام السلطة وإقامة الدولة، وأصحاب هذا التوجه يمثلون معظم الحركات والهيئات والتيارات والأحزاب الإسلامية الناشطة في العصر الراهن.

فالإسلام السياسي بهذا المعنى كمصطلح وان كان حديث النشؤ، إلا أنه ينطبق على مدرسة فكرية نشأت عقب انهيار دولة الخلافة العثمانية التي ينظُرُ معظم الاسلاميين اليها على انها دولة الإسلام، حيث كان على رأس تلك الدولة سلطان يطلق عليه لقب الخليفة، وكان آخر الخلفاء السلطان عبد المجيد الثاني المتوفى سنة 1944 والمدفون في المدينة المنورة، بعد وفاته في باربس بعشر سنوات، وامتدت إلى يومنا هذا، ومن رجالاتها جمال الدين الأفغاني (الأسد أبادي) ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وحسن البنا وسيد قطب والسيد روح الله الخميني وراشد الغنوشي وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وغيرهم كثير. كما وجدت عشرات الاحزاب والحركات التي تعتمد فكرة إعادة الإسلام إلى حياة المجتمع عبر إقامة ما يسمّى بالدولة الإسلامية وقد عُرفوا بالإسلاميين، والحقيقة ان اسم الإسلاميين لا يطلق إلا على أصحاب التوجه الإسلامي في السياسة، وقد ارتضى معظمهم لأنفسهم هذه التسمية التي تطال تياراً واسعاً في المجتمع الإسلامي، بينما يطلق على اتباع الدين الإسلام اسم المسلمين فقط، وهو الاسم الذي سمّاهم به الله تعالى في القرآن الكريم، بقوله:" هو سمّاكم المسلمين من قبل...".

 

الإسلام والسياسة: الأنبياء السابقون

ما هي علاقة الإسلام بالسياسة، وكيف مارس المسلمون هذه العلاقة على مر العصور؟ وما هي النماذج التي قدّمها القرآن الكريم لعلاقة الدين بالسياسة؟

ورد في القرآن الكريم قوله تعالى :" وإذ قال موسى لقومه يا قومي اذكر نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وأتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين".

"المائدة 20"

وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ان بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه آخر، وانه لا نبي بعدي ولكن يكون خلفاء ويكثر، قالوا فما تأمرنا؟ قال:" أوفوا بيعة الأول فالأول، وأعطوهم الذي جعل الله لهم، فإن الله سائلهم عن استدعائهم". (حديث صحيح أخرجه بخاري وسلم في الصحيحين).

وورد في الكتاب العزيز ذكر نبيين من بني إسرائيل كانوا ملوكاً هما داوود وسليمان الذي أتاه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وسخر الله له من مخلوقاته ما شاء ليكونوا عوناً له في ما يشاء من أموره. وقصة سليمان مع ملكة سبأ معروفة في القرآن الكريم.

وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى:" ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، قال هل عسيتم ان كتب عليكم القتال ألاً تقاتلوا، قالوا وما لنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين". البقرة 46

هذه الآيات تتحدث عن علاقة النبوة بالملك ويظهر من خلالها أن بني إسرائيل وأنبياءهم وهم المسلمون الأوائل كان عندهم رابط بين الدين والملك والسياسة والحديث صريح في هذا المجال، ولكن هذه العلاقة يبدو انها لم تكن على نمط واحد معروف ففيما تفهم من منطوقها أن داوود وسليمان كانا ملكين على قومهما، وان داوود قد آل إليه الملك بعدما قتل عدو بني إسرائيل جالوت "فهزموهم بإذن الله" وقتل داوود وجالوت وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء" البقرة 251. ثم انتقل الملك إلى سليمان بالوراثة من داوود(عليهما السلام).

" وورث سليمان داوود وقال يا أيّها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء، ان هذا لهو الفضل المبين" النمل 16. ونجد ان احد أنبياء بني إسرائيل طالبه قومه بأن يولي عليهم ملكاً ليقاتلوا معه أعداءهم الذين أخرجوهم من أرضهم وديارهم، وقد ولّى عليهم طالوت الذي خلفه داوود بعد قتله لجالوت.

فهل كان دور الأنبياء هو مراقبة الملوك والتدخل عند الحاجة إذا لم يكن الملك نبياً؟ ونشير هنا إلى ان المسيحيين يطلقون على المسيح عيسى بن مريم لقب "ملك إسرائيل" مع أنه عليه السلام لم يكن حاكماً ولا رئيس دولة، وإنّما كان نبي دعوة ووعظ وإرشاد.

فإذا كان هناك رابط بين النبوة والملك عند أنبياء بني إسرائيل فهل هذا يشكل قاعدة عامة؟

من المعروف ان أصحاب الرسالات من أولي العزم لم يكن لهم علاقة بالملك أو السياسة والحكم، فهذا نوح وإدريس وإبراهيم وأيوب وشعيب وموسى وإدريس كانوا دعاة إصلاح وحصل صدام بينهم وبين الملوك المعاصرين لهم، كما حصل لنوح مع قومه بعد رفضهم لدعوته حيث دعا عليهم بالهلاك، وكما حصل لإبراهيم عليه السلام مع النمرود ولموسى مع فرعون.

لقد كان معظم الأنبياء دعاة إصلاح أو توحيد كما تُبين الآيات القرآنية

وكانوا يهدفون إلى إصلاح أقوامهم حيث غلب على خطابهم مخاطبة كل نبي لقومه دون سائر الناس.

ومن هنا نفهم حديث رسول الله (ص):" كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء" ان هذه السياسة لم تكن تعني الملك المباشر وإنّما تعني وجود سلطة معنوية لهؤلاء الأنبياء على الناس وعلى حكامهم وإنهم يسوسونهم بموجب هذه السلطة عبر التوجيه والإرشاد ومن ذكر القرآن انه كان منهم ملكاً فهو ملك مباشر.

 

الإسلام والسياسة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

حينما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة كان العرب قبائل وكان لكل قبيلة كيانها المستقل، وحتى في مكة التي كانت (أم القرى) كان هذا الواقع القبلي، وكانت الأمور تدار عبر مجلس عشائري يُعقد في مكان يسمّى دار الندوة يشترك فيه كبار القوم، وكان الأمر مختلفاً في اليمن ولدى بعض قبائل العرب المتنصرة كبني غسان.

وفي المدينة كان هناك رجل يسعى ليُعلن نفسه ملكاً هو عبد الله بن أبي بن سلول ولكن ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وهجرته إلى المدينة فشل مخطط ابن سبأ لإعلان نفسه ملكاً.

وببعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفتح مكة آل أمر الرئاسة في الجزيرة العربية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأصبح الناس يرجعون إليه في كافة أمورهم ليس باعتباره ملكاً أو رئيساً أو أميراً ولكن باعتباره نبياً مرسلاً.

واستمر النبي (ص) طيلة حياته يدعو الناس ويقضي في أمورهم وكان يرسل إلى البلدان البعيدة من ينوب عنه في الفصل والقضاء بين الناس كبعثة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه إلى اليمن، كما كان يعين في القبائل من يفصل بينهم.

وبوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم انقطع الوحي، وسارع المسلمون إلى اختيار خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوقع الاختيار على عبد الله بن ابي قحافة ولقّبه ابو بكر الصديق الذي اعتُبر ولياً للمؤمنين وأميراً لهم ويستدل على ذلك من خطبته التي ألقاها عقب مبايعته بالخلافة إذ قال:" وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".

وبهذا صار الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توالى الخلفاء من بعده وبدأت الدولة، دولة المسلمين تأخذ شكلها شيئاً فشيئاً فكان الخليفة يعين العمال (أي الولاة) على الأمصار ثم دُوّنت الدواوين وأسّس نظام البريد، ونُظّمت الأمور بشكل يحقق مصالح المجتمع ويحفظ كيان الدولة، وقد استعان المسلمون بخبرات الأمم المجاورة لهم التي سبقتهم في تأسيس وتنظيم الدول كالروم واستمرت على ذلك حتى عهد عبد الملك بن مروان الذي أمر بتعريب الدواوين حوالي سنة 86 هجرية، والدواوين تشبه الوزارات في عصرنا الحاضر ومنها ديوان الرسائل وديوان الخراج وديوان الجند، وديوان السكة وغيره.

وكان يتولّى هذه الدواوين عند تأسيسها موظفون من غير المسلمين من الروم والقبط  والفرس واليونان، وكان لهؤلاء نفوذهم في الدولة، فلما عُرّبت الدواوين. استُبدل هؤلاء بموظفين من العرب والمسلمين.

وبانتقال الحكم إلى الأسرة الأموية أصبح التوريث هو الوسيلة المعتمدة لتعيين الخلفاء.

 

الخلافات والثورات:

اختلف المسلمون حول اختيار الخليفة منذ اجتماع السقيفة الذي تمت فيه مبايعة ابي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة واستمر هذا الخلاف مع كل الخلفاء حيث لم يحظ خليفة منهم بإجماع المسلمين، وإنّما كان دائماً يوجد من يعترض أو يرفض البيعة.

ولعل ثورة الإمام الحسين بن علي (رضي الله عنهما) من أهم الثورات التي قامت ضد الحاكم في الإسلام حيث ظهر فساد الحاكم يزيد بن معاوية وانحرافه عن مبادئ الدين وعبثه بالسلطة، فخرج الحسين بن علي رضي الله عنه ليعمل على إصلاح الأمور ولكن ثورته انتهت بتخلي أنصاره عنه وبمقتله مع عدد كبير من مؤيديه وإزاء أسرته وذلك في ارض كربلاء في واقعة الطف.

وتتابعت بعد لك الثورات وحركات التمرد حتى لم يخل عهد خليفة لا أموي ولا عباسي من فئة تتمرد أو تثور عليه أو تناوئه، وكل تلك الحركات كانت ذات طابعٍ سياسي وإن حاولوا بعضها التستر برداء الدين أو الثأر أو الاقتصاص، وكان معاوية ابن أبي سفيان أول من قاد تمرداً ضد الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

وأريد أن أشير هنا إلى ان المسلمين لم يكونوا أفضل من سواهم من الأمم والشعوب في مسألة الصراع السياسي أو الصراع على السلطة، وقد سفكت دماء غزيرة في إطار هذا الصراع الذي لم يأخذ بعداً فكرياً أو عقائدياً إلا نادراً. وتمت تصفية رجال ذات أهمية بالغة مثل عبد الله بن الزبير الذي أعلن نفسه خليفة وحكم الحجاز لمدة تسع سنوات.

لقد لعبت كل العوامل لعبتها وأثّرت في الصراع، واستعملت كل ألاعيب السياسة والتآمر والفتن والاغتيالات، ولم يمنع انتساب المتصارعين للإسلام الكثيرين منهم من مخالفة أوامر الدين واللجوء إلى أمور غير شريفة للفوز في الصراعات الدائرة.

إن ادعاء التاريخ المجيد للمسلمين إنّما هم مجرد ادعاء لا دليل عليه بل إن الدلائل تشير إلى عكس ذلك، لقد كان تاريخ الصراع بين المسلمين دموياً إلى أبعد الحدود، وعلينا أن نفرّق بين التاريخ الحضاري للمسلمين والتاريخ السياسي.

 

السياسة في القرآن الكريم:

القرآن الكريم كتاب الله الذي أنزله على رسوله ليكون للعالمين نذيراً، وقد أتفق علماء الدين على أن هذا الكتاب يحتوي على آيات شاملة للمواضيع التالية:

1-   الأحكام ومنها العبادية والعملية، والعلاقات بين الناس

2-   القصص وفيها العبر والمواعظ.

3-   أخبار الأمم السابقة والأنبياء وأخبار مستقبلية.

4-   العقائد.

5-   الآداب والأخلاق.

وقد جعلها البعض تحت ثلاثة عناوين هي: التوحيد والتذكير والتشريع أو الأحكام.

وهذه الآيات على اختلاف تناولها للموضوعات إنّما الغاية منها تحقيق سعادة الإنسان في الدارين، الدنيا والآخرة، عبر ايجاد الأُمّة التي تتجسّد هذه الآيات في سلوكها القولي والعملي، أو بتعبير معاصر عبر إيجاد المجتمع المتمثل لتعاليم القرآن الكريم أمراً ونهياً.

ومن الأحكام القرآنية ما يتناول تصرفات الفرد أو الجماعة المتعلقة بالشأن العام، أي بما نسميه اليوم السياسة، فهناك الآيات التي تأمر المسلمين بالشورى في شؤونهم العامة:" والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون". الشورى 38

وكقوله تعالى:" فيما رحمة من الله لقت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لأتفضوا من حولك فأعف عنهم وأستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، ان الله يحب المتوكلين". آل عمران 159

وهناك الآيات التي تأمر بالعدل وتنهي عن الظلم كقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجر منكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون". المائدة 8.

وقوله تعالى:" ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به أن الله كان سميعاً بصيراً". النساء 58

وقوله تعالى:" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون". النحل 90

ومن الآيات التي ورد فيها ذكر الحكم قوله تعالى :" إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً" النساء 105 ومنها قوله تعالى" وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إليك،ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما انزل الله إليك، فإن تولوا فأعلم إنّما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وان كثيراً من الناس لفاسقون". أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون". المائدة 49-50

ولا نريد أن نسرد كل الآيات التي وردت فيها عبارات يمكن أن تؤول تأويلاً سياسياً، وإنّما نريد أن نتناول مفهوم آيات الكتاب الحكيم فيما يتعلق بأحكام التكليف.

إن الكتاب الحكيم إذا يخاطب المكلفين بأحكامه أو مبادئه وقيمه فإن هذا الخطاب ليس تفصيلياً أو جزئياً، بمعنى أنه ينطبق على تصرف واحد معين فهو بمجمله خطاب عام إلا في بعض الأمور التي تناولها بتحديد معين كعدد الشهود مثلاً، أو صوم رمضان، أو تقسيم الميراث، وهكذا نجد أن خطاب القرآن الكريم للمكلفين بإقامة العدل هو خطاب مطلق، وبالحكم بما أنزل الله خطاب مطلق أيضاً وليس محصوراً في المجال السياسي، أي في مجال الحكم واستخدام السلطة.

إن السياسة أيضاً هي من المعاني غير المحصورة، وتتناول مجالات واسعة في حياة الناس مما يعني أن الذي يتعاطى في هذا المجال يحتاج فيه إلى الأخذ بكل أحكام الإسلام والى التأدب بآدابه والتخلق بالخلق الذي أمر به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وتجب الإشارة هنا إلى مصطلح أو تعبير يستخدمه كثير من الكتاب  أو المفكرين والخطباء المسلمين وهو أن القرآن هو دستور المسلم، وهذا تعبير مجازي، وقد يفهم منه البعض أن القرآن الكريم يُغني المسلم عن الحاجة إلى دستور مكتوب أو موضوع للدولة، وهذا ليس صحيحاً، فالقرآن ليس دستوراً ولم يصفه النبي بهذا الوصف، ولم يأت في القرآن شيء يشير إلى ذلك، فالقرآن كتاب شامل للأحكام والآداب والأخلاق والقصص والعقائد، وهو كتاب هدي، يشتمل على عناوين عريضة يمكن أن تستقى منها بعض المبادئ والأحكام الدستورية، أما الدستور بالمعنى الاصطلاحي المعروف في عالم القانون فهو:" مجموعة الأحكام التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها وسلطاتها وطريقة توزيع هذه السلطات وبيان اختصاصاتها، وبيان حقوق المواطنين وواجباتهم". والقرآن الكريم لا يتناول هذه المواضيع بالتأكيد، لذلك من المسيء للقرآن الكريم وصفه بأنه دستور الدولة الإسلامية، إنه كما قلنا وكما وصفه منزله تبارك وتعالى كتاب هداية، ووظيفته مختلفة كلياً عن ما يسمى بالدستور.

إنه بصراحة أحد الشعارات الديماغوجية التي يستعملها بعض الإسلاميين عن غير علم أو دراية، ولو قالوا القرآن كتابنا لكان أقرب إلى الحقيقة والصواب.

 

هل في القرآن الكريم دعوة إلى دولة؟

يتبين من خطاب القرآن الكريم دعوته إلى إيجاد أمة وأن هذه الأُمّة ينبغي أن تكون واحدة، وقد خاطب المؤمنين بقوله:" ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فإعبدون" الأنبياء 92. فالمؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هم أمة الإسلام على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وألوانهم وأقطارهم والرابط بين المؤمنين هو رابط الاخوة، قال تعالى:" إنّما المؤمنون اخوة" الحجرات. أي أخوةُ الإيمان.

وقد تأسست هذه الأُمّة على يد رسول الله صلى الله وآله وسلم، حيث كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو مرجعية الأُمّة وقائدها وموجهها، وبعد وفاته جاء من بعده خلفاؤه رضي الله عنهم، وتولوا قيادة الأُمّة ورئاستها، وبنو دولة الأُمّة أو دولتهم، وطوروها بحسب ما يقتضيه حالهم ومصالحهم، ثم تولى الحكم بنو أمية فحكموا بلاد المسلمين ما يقارب ثمانين عاماً، ثم انتقل الحكم من بعدهم إلى ابناء العباس بن عبد المطلب حيث حكموا مئات السنين، وفي عهد بني العباس شهدت الدولة تغيرات وتطورات هائلة حيث وصل الأمر بالخلفاء إلى ان أصبح الخليفة مجرد خليفة صُوَري لا يملك من الأمر شيئاً.

ولأن القرآن الكريم لم يتناول موضوع الدولة ولا شكلها ولا هيكليتها وكذلك لم يتناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الموضوع فقد اجتهد بعض الكتاب أيام الدولة العباسية في تبرير وتشريع كل الطرق والوسائل والأساليب والكيفيات التي استخدمها المسلمون في تناول السلطة أو الوصول إليها، كما ذكر الماوردي في كتابة الأحكام السلطانية.

والحقيقة التي نخرج بها أن الإسلام (عقيدة وشريعة) لم ينزل لفترة ظرفية محددة وإنّما هي دين أنزلت آياته  ليحتكم الناس إليها في كل زمان ومكان، لذلك كانت هذه الشريعة فيها من المرونة ما يسع كل التغييرات والتطورات التي تطرأ على الاجتماع البشري إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وبما أن الاجتماع البشري يسفر عن احتياجات لا مجال لحصرها، وبما أن الدولة هي احدى هذه الاحتياجات التي تتغير وتتطور على الدوام فقد ترك القرآن الكريم والسنة النبوية أمر الدولة لتقدير المجتمع الذي ينظر في مصالحه فيقرر من الاشكال والآليات ما يحقق هذه المصالح فلم يفرض شكلاً ولا آلية ولا اطاراً محدداً سوى إطار الأُمّة الواحدة التي هي فوق الدولة ومؤسساتها، إذ أن مرجعية الدولة هي الأُمّة والذين يعتقدون أن التجربة الأولى أو النمط الذي سار عليه الصدر الأول من المسلمين هو النمط الذي يجب على المسلمين أن يسيروا به ويلتزموه ليس لديهم دليل على وجوبه ولا حتى على استحبابه لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وحتى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول فيه:

"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضو عليها بالنواجذ"

إن هذا الحديث لا يعني ولا يفيد الاقتداء بعين أفعالهم لأن ذلك متعذر ومستحيل وإنّما يعني الأخذ بمنهجهم، ومنهجهم هو التغيير والتطوير وفعل الأنسب وبمعنى آخر  منهجهم هو الاجتهاد، وليس التقليد، فلقد وجدنا الاجتهاد مثلاً في بيعة الخلفاء الأربعة حيث اختلفت بيعة عمر عن بيعة أبي بكر وكذلك بيعة عثمان عن بيعة عمر ثم بيعة علي عن بيعة عثمان.

أما بنو أمية فسلكوا سبيلاً آخر بعيداً عن هدي القرآن في مسألة الشورى.

هل إقامة الدولة واجب ديني؟

سؤال ينبغي طرحه في ظل طغيان فكر الإسلام السياسي على طروحات معظم الحركات والأحزاب الإسلامية، حيث ينطلق هؤلاء من منطلق أن إقامة الدولة هو واجب ديني من أجل تطبيق أحكام الإسلام، إذ أن هناك أحكام لا يمكن إقامتها إلا في ظل دولة إسلامية، وهذا أمرٌ فيه التباس، فليس كل أمر ورد في الشريعة أو في الكتاب من الواجب علينا إيجاد الوقائع التي ينطبق عليها النص، ولكن إذا وجدت الوقائع التي ينطبق عليها النص فإننا نعمل على تطبيقه.

ولقد قلنا سابقاً أن الدولة حاجة اجتماعية وأن على المجتمع أن يسعى لإقامة الدولة التي تحقق مصالحه سواءٌ كان المجتمع مسلماً أو غير مسلم، أما أن نقول أن إقامة دولة الإسلام واجب على المسلمين ففي ذلك دخول إلى الموضوع من غير مدخله الطبيعي، لأنها واجبة عليهم كمجتمع من باب تحقيق مصالحهم وليس لاحتياج الدين إليها.

إن بعض الدعاة يجعلون دعوتهم قائمة على فكرة إقامة الدولة باعتبارها هدفاً للدعوة الإسلامية، فيدخلون المسلمين في دائرة الصراع السياسي من الباب الديني.

إن هدف الدعوة الأسمى هو إيجاد المجتمع المسلم، المجتمع الذي يؤمن بعقائد الإسلام وبقيمه وبمبادئه، المجتمع الذي يحتكم برضى نفس منه لأوامر الدين ونواهيه عملاً بقوله تعالى:" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً". النساء 65

فإذا ارتضى المجتمع الإسلام ديناً وآمن به فإن من الطبيعي ايضاً أن يضمن كل ذلك في دستوره الذي سيكون متوافقاً مع إيمانه، وفي قوانينه التي تبين كيفية تطبيق الأحكام المستمدة من الشريعة الغراء، التي تحرّم حرامها، وتحل حلالها، وتترك للناس ما تركته لهم الشريعة فيما يعرف بالمباح ليقرروا فيه.

وقد يعتقد البعض أننا نقول ما معناه أنه لا بأس بأن تحكم المجتمع المسلم دولة غير ذات توجه إسلامي في احكامها وتشريعاتها، وهذا ليس صحيحاً البتة، إن أي سلطة تقوم على أسس متناقضة مع قيم المجتمع ومبادئه هي سلطة ساقطة حتماً، ولا بد أن يقع الصدام بينها وبين شعبها، وستنتهي إلى حروب أهلية وصراعات عنفية. لذلك نحن نقول: كما أنه لا ينبغي أن تحكم المسلمين دولة تتناقض مع قيمهم ومبادئهم الدينية والأخلاقية، كذلك لا ينبغي لدولة شعبها غير مؤمن بالإسلام ولا راضٍ به أن تحكم بشرع الإسلام.

وإذا كان اليوم من مصلحة المجتمع أن تكون له دولة تتجسد في مؤسسات متعددة بتعدد واختلاف المصالح والمنافع المرتجاة، فإن هذه الحاجة قد تتغير في مستقبل الأيام وكما قد تنتفي الحاجة إلى كل الأشكال الحالية، وتنبثق الحاجة إلى أشكال أخرى غير معروفة اليوم لذلك لا نرى أية ضرورة لربط مؤسسة الدولة بالدين، فالدين بما هو كتاب وسنة باقيان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

شعارات إسلامية سياسية:

تطرح بعض الجماعات الإسلامية شعارات تهدف من خلالها إلى  كسب تأييد الجماهير، فتفعل هذه الشعارات فعلها في الشارع وتؤثر في الجماهير، ولكن هذه الشعارات تبقى في إطار العناوين العريضة التي لا توجد تحتها اية تفاصيل، أو تبقى شعارات غير قابلة للتطبيق في أرض الواقع، ليس لسوء مضمونها أو فساده، وإنّما لعجز القائلين بها عن تجسيدها في الواقع.

ومن هذه الشعارات، شعار "الإسلام هو الحل" " ولا حكم إلا الله" " القرآن دستورنا".

إن هذه الشعارات يحتاج بعضها إلى جهد أجيال من الجد والعمل والبحث والدراسة مثل شعار الإسلام هو الحل.

حل ماذا؟ إذا كان المقصود حل مسألة أصل الإنسان ووجوده وغايته فهذا أمر

لا علاقة له بالسياسة، أو إذا كان الحل في إجابته على أسئلة كونية كبرى، فهذا أيضاً خارج عن الجدل السياسي أما إذا كان المقصود هو حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع المسلم، وهو ما يدخل في إطار الأجوبة على معاناة الناس التي يكون حلها بأيديهم أو بأعمالهم وأخلاقهم، فهذا فعلاً شأن سياسي، لكن أين هو الحل الذي يقدمه الإسلام لجميع ما يعانيه المجتمع المسلم كدين.

ان الإسلام يقدم عناوين عريضة أخلاقية أو سلوكية تتعلق بالتعاون والتضامن والصدق والعدل وما إلى ذلك من عناوين، لكن الدخول في التفاصيل أمر يحتاج إلى جهد بشري يشتمل على أعمال العقل وبذل الجهد وإعداد الدراسات ووضع المشاريع والمبادرة إلى تنفيذها. وهذا ما لم يتعب أصحاب الشعار أنفسهم بالبحث فيه لأن همهم هو الوصول من وراء هذا الشعار إلى السلطة غير عابئين بما ستؤول إليه أمورهم من الفشل السياسي الذريع الذي ستتحطم عند صخوره تجربتهم.

أما الشعار الآخر وهو "القرآن دستورنا" فهو أيضاً كلام ديماغوجي لا معنى له، نعم القرآن الكريم هو مرجعية الإنسان المسلم وخارطة طريقه إلى الله عز وجل، والى رضوانه وجنته في الآخرة والى سعادته في الحياة الدنيا.

فقد روى ابن عباس قال:" أن رسول الله خطب الناس في حجة الوداع فقال:" يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما ان اعتصمتم به فلن تضلوا ابداً كتاب الله وسنة نبيه" رواه الحاكم النيسابوري في مستدركه من طرق أهل السنة.

وقد ورد من طرق أخرى عند السنة والشيعة بما يقرب منه برواية:" وعترتي

أهل بيتي".

فالقرآن الكريم كتاب هداية وليس دستوراً لأن الدستور كما سبق وبينا هو مجموعة الأحكام التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها...الخ. وهو أمرٌ آخر يجب أن تستمد مواده من مصالح الأُمّة وتجاربها المدروسة ومبادئها وقيمها.

وكذلك يأتي شعار " لا حكم إلا الله" ويفسرنه على أنه الحكم بمعناه الاصطلاحي السياسي المعاصر، أي السلطة وقوانينها حيث تبين الأحكام والتشريعات والأنظمة واللوائح والعرائض وما إلى ذلك وهذا طبعاً ليس هو المراد بهذه الآية:" إن الحكم الا لله" إذ أن المراد بها هو الحكم المطلق أي أمر التصرف بهذا الكون وما فيه فليس لأحد قضاء مع قضاء الله الذي إذا قضى أمراً فلا راد لقضائه. واذا قضى شيئاً فإنما يقول له

كن فيكون.

وإذا أمر الله بأمر في كتابه أو على لسان نبيه فإن هذا الأمر ملزم للناس وبالأخص للمؤمنين بالله.

ويقولون المشرع هو الله في توجههم لرفض أي تشريع بشري وللرد على هذا الفهم، نقول والله اعلم بالصواب: إن ما قضى الله فيه لا مجال لأحد أن يقول بغير قول الله، ولكن هناك أمور لم يقض فيها الله بشيء وترك الفصل فيها للناس لينظروا فيها من منطلق جلب المصلحة أو درء المفسدة فللإنسان أن يشرع في كل الأمور التي لم يرد فيها نص وهي ما يطلق عليها البعض منطقة الفراغ في التشريع ، ولكن مع التزام الضوابط والحدود التي لا تجعل ما يشرعه الإنسان متناقضاً أو مناقضاً لما شرعه الله عز وجل.

وعلينا أن نفرق في هذا المجال بين النص وفهم النص، فما جاء في القرآن الكريم أو في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو نص مقدس، أما فهم النص أو ما يسمى بالفقه أو آراء الرجال فليس بالمقدس بمعنى أنه خاضع للمناقشة وقابل للرد، طبعاً بالحجة والدليل والبرهان.

ومهما كان الشخص الذي صدر عنه الرأي الفقهي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومهما كان علمه ومكانته فإن ذلك لا يعطي رأيه حصانة ضد المناقشة والرد والأخذ برأي آخر سواءٌ أكان هذا الرأي صادراً عن الأقدمين أو المحدثين وفقاً للضوابط المعروفة.

إن الإسلام السياسي يستغل هذه الشعارات كما قلنا من أجل كسب الجماهير، وهذا خطأ في السياسة والدين، لأن في استخدام الشعار نوع من التعمية أو الإبهام، وحبذا لو وضعت هذه الشعارات وسواها كثير موضع المناقشة والتفصيل من أجل أن لا نصل إلى لحظة يصدم فيها الناس بعقم الشعارات كما حصل في أكثر من بلد إثر وصول الإسلاميين إلى السلطة.

بل على العكس من ذلك لم يستطع الاسلاميون في أكثر من بلد تسلموا فيه السلطة أن يحلو مشاكل المجتمع، وإنّما أدى أداؤهم إلى ازدياد المشاكل والأزمات كما حصل في الصومال حيث سادت شريعة القتل والجريمة والقرصنة ، وفي السودان حيث ازداد الفقر أضعافاً مضاعفة ووصل الأمر إلى حد تقسيم البلاد بعد حروب أهلية ، أما في أفغانستان فعادت البلاد مئات السنين إلى الوراء ووقعت تحت الاحتلال مجدداً.

والاستثناء الوحيد من هذا الواقع المتردي هو الجمهورية الإسلامية في إيران التي حققت التقدم العلمي والتقني والسياسي والاجتماعي واستطاعت ان تقيم دولة ذات مؤسسات سياسية واجتماعية ونحن هنا لا نقول إنها أصبحت دولة بلا مشاكل ولا أزمات ولكنها تقدمت وتطورت وأصبحت في مصاف الدول المحترمة على كافة الصعد.

فإذا استثنينا النموذج الإيراني فإن شعار الإسلام هو الحل كان شعاراً أجوفاً . والسبب في ذلك أن الاسلاميين كانوا يسعون إلى السلطة من اجل إقامة دولة الإسلام بزعمهم التي تقيم المجتمع المسلم، مع ان السبيل الصحيح هو السعي لإقامة المجتمع المسلم الذي يقيم دولته وفق مبادئه وقيمه في عدد من المؤسسات بحسب مقتضى الحال.

ونختم بالقول إن رسالة الإسلام هي رسالة إقامة أمة مؤمنة بالله هي أمة التوحيد والتعاون والتضامن والتكامل ونشر رسالة الخير والمحبة ، أمة تدعو إلى الله وتوحده بأعمالها أكثر مما تدعو بمقالها، أمة تنبذ الشرك والكفر والطغيان وتحارب الظلم والعدوان.

إن شراهة البعض للسلطة وتوسل الدين وأحكامه ومبادئه سبيلاً للوصول اليها قد أساء أيما اساءة إلى الدين والى دعاته الحقيقيين ، والسلطة حتى بأول درجاتها تفضح المتاجرين بالدين فسرعان ما يظهر حبهم لها وصراعهم عليها، والتنازل عن مبادئهم وقيمهم من اجل تحقيق  مكاسب مرجوة من ورائها،أو من اجل كسب رضى القوى العالمية  أو الإقليمية  لبقائهم في السلطة كما حصل في مصر حيث تناسى الاخوان المسلمون عداءهم التاريخي للكيان الصهيوني  وقام رئيسهم بإرسال رسالته الشهيرة إلى شمعون بيريز رئيس الكيان الصهيوني المزيلة بعبارة (صديقك الوفي) ، كما جاهروا بالعداء والخصومة لحزب الله ( المقاومة الإسلامية) ولإيران الجمهورية الإسلامية رغم كل ما قدمه الحزب وقدمته الجمهورية من دعم وتأييد لهم قبل وعند وصولهم إلى السلطة، فكانت النتيجة لما شاهدنا.

ولا بد من التطرق إلى الأثر الذي تركته أفعال وتصرفات تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات السلفية في استماتتهم من أجل الوصول إلى السلطة في كثير من البلاد وما سفكوا من أجل ذلك من دماء لا يحل سفكها مما جعل صورة الإسلام أمام العالم صورة مخيفة لا تخيف  غير المسلمين بل تدخل الرعب إلى قلوب المسلمين لقد قدمت تجارب الإسلاميين أسوء صورة عن الإسلام السياسي مما سيجعل المسلمين في المستقبل يفرون من هذه التسمية كفرار السليم من الطاعون .