مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
وحدة المسلمين من المفهوم القرآني
۱۳۹۷/۰۹/۲۸ ۱۰:۴۲ 266

وحدة المسلمين من المفهوم القرآني

 

 

وحدة المسلمين من المفهوم القرآني

 

الدكتور علي أبو الخير

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

تأتي الوحدة الإسلامية كهدف أول للدعوة الإسلامية، ذلك أن القرآن الكريم حث في مواضع متعددة وكثيرة على ضرورة وحدة الأمة، من أجل رفعتها، ومن أجل كرامة الإنسان.

وعندما نتحدث عن وحدة الأمة علينا أن لا ننسى الأخطار التي تواجهها الأمة بأسرها وعلى اختلاف مذاهبها، وعلى أبناء الأمة لم شملها والعمل على تحقيق تلك الوحدة المنشودة، لأن القرآن حث عليها، ولأن الواقع يتطلبها، وفي كل الزوايا الإسلامية هدف سامي يجب على المسلمين التمسك به.

وكما أقر القرآن الكريم الوحدة، فقد جاءت الأحاديث النبوية تدعو لها وتبشر بها.

وفي هذه الدراسة نكتب عن الوحدة الإسلامية من وجهة نظر الفرقتين الكبيرتين من المسلمين، وهما الفرقة الإمامية والفرقة الخلافية، أي التي تتبنى مدرسة الخلافة في مقابل مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

 

وحدة الأمة الإسلامية ضرورة

مفهوم هذه العبارة هو أن لا قيام لمصالح المسلمين في الدين والدنيا إلا بوحدتهم واجتماع كلمتهم على الحق، وأصدق الأدلة والبراهين على ذلك ما ينتج عن الفرقة والاختلاف - ضد الوحدة والاجتماع - من المفاسد والأضرار في الدين والدنيا، وهي كثيرة لا تعد ولا تحصى ومن أخطرها ما يلي:

-  مخالفة أمر الله ورسوله.

اختلاف المسلمين وتفرقهم مخالفة لما ورد في الكتاب والسنة من الأمر بالوحدة واجتماع الكلمة، وقد أوردنا فيما سبق بعض النصوص من الكتاب والسنة مما يدل على وجوب وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم على الحق، وهي كلها نصوص محكمة يتحتم العمل بها في كل زمان ومكان، لم ينسخ منها شيء.

فوحدة المسلمين ليست خيارا استراتيجيا يلجأ إليه المسلمون عند الحاجة أو الضرورة، بل هي أصل من أصول الدين الكلية، وقاعدة من قواعده العظمى، والتفريط فيها معصية توجب غضب الله وعذابه في الدين والآخرة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً}[1] 

- اختلاف القلوب وتفريق الدين.

إن الاختلاف في الأعمال الظاهرة كصور أداء العبادات، وتحديد مواقيتها الزمانية أو المكانية، أو تباين مواقف المسلمين في القضايا المصيرية، يؤدي إلى اختلاف القلوب ويدل على تنافر المقاصد والنوايا.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الصحابة بتسوية الصفوف عند الصلاة فيقول: (عن أبى مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)[2] 

والله المستعان، فقد وقعت الأمة فيما حذرها منه النبي صلى الله لما اختلفوا بينها فاختلفت قلوبهم، فأصبحت كل طائفة تؤدي شعائر الدين من صلاة صيام وحج ونحوها بطريقة مختلفة تماما، كل طائفة تتعصب لمذهبها وفتاوى أئمتها وعلمائها ولا تقبل الرد إلى الله ورسوله عند الاختلاف في شيء من أمور الدين.

وترى كل بلد من بلاد المسلمين يطبق من شرع الله – إن طبق- وفق أهواء ساستها، ولا تراعي في ذلك مصلحة الأمة، فتجد بعض بلاد المسلمين في عهد وصلح مع أعداء الأمة وتطبع العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، في الوقت الذي يتخذ من جاره المسلم موقفا مغايرا تماما.

وكذلك أدى اختلاف مناهج الدعاة ومقاصدهم إلى اختلاف قلوبهم، فعادى بعضهم بعضا، وبدع بعضهم بعضا، وحذر بعضهم من بعض، فنزع الله البركة من أقوالهم وأفعالهم، فلم يعد يسمع لهم أحد، أو ينضم لجماعتهم أحد، فنفقت سوق المعاصي والبدع، وانتشر بين المسلمين دعاة الباطل ومروجي الخرافة.

  -    الفشل وذهاب الريح

من أعظم أضرار اختلاف المسلمين وتفرق كلمتهم الفشل وذهاب الريح، وقد ذكرهما الله تعالى في القرآن لخطورتهما، فقال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[3] 

والفشل وذهاب الريح تعبير بليغ عن نقص قوة المسلمين وقصورهم عن بلوغ مقاصدهم في تقوية جيوشهم وإرهاب أعدائهم، وكذالك ضعف دولتهم أو سقوطها في يد الغزاة والمحتلين. ولا تعبير أدق في وصف واقع المسلمين الأليم من الفشل وذهاب الريح، ذلك بأنهم اختلفوا وتنازعوا ففشلوا في تقوية جبهتهم الداخلية وإعداد القوة اللازمة لحماية أنفسهم، فباع طوائف من المسلمين ذممهم للكفار، فوالوهم من دون المؤمنين، وظلم الرعاة رعاياهم فجوعوهم وضربوا ظهورهم وأهانوا كراماتهم، فكرهت الرعايا رعاتهم فخرجت فئام منهم عن الجماعة وشقوا عصى الطاعة.

فذهبت الريح وتلاشت القوة، فضاعت أجزاء عزيزة من أرض الإسلام، إما بالاحتلال كفلسطين أو بتمكن الكفار والمنافقين عليها كما في العراق وأفغانستان.

 

فوائد الوحدة بين المسلمين

1 - تحقيق وعي الأمة بفهم ذاتها فهماً صحيحاً، مما يساعد على توحيد أنماط التفكير والسلوك، وأساليب البحث والنظر على أساس إسلامي صحيح.

2 - الوحدة تساعد المجتمع الإسلامي على مواجهة التحديات.

3 - تحقيق الاتصال الجماعي بالنماذج الإسلامية المثالية.

4 - الوحدة تساعد المجتمع الإسلامي على التحرر من التبعية الفكرية والحضارية، والتي تتولد عن عدم فهم الذات فهماً صحيحاً واعياً.

5 - تساعد على صياغة صحيحة من أجل الإبداع الحضاري وتثير طاقاته الإبداعية، وتقدم النموذج الإسلامي السليم للإنسان الحضاري.

6 - تساعد على إبراز ما للإسلام من آثار عظيمة على المسلم؛ إذ يورثه القوة والعزة والمنعة.

7 - تحقيق المفاهيم الإسلامية الحقيقة للأمة، بعقيدتها وأخلاقها، مما يتبلور في النهاية في شكل حضارة إسلامية حقيقة معبرة عن المجتمع الإسلامي.

8 - تحقيق الألفة والعدالة والمحبة وكل العوامل المؤدية إلى الترابط في المجتمع الإسلامي.

9 - المحافظة على التراث الثقافي واللغة العربية -لغة القرآن- واستمرارها.

10 - القضاء على العصبية القبيلة، وعدُّ القاعدة الدينية الاجتماعية أساساً يتسع لجميع الأمم والشعوب.

11 - تتحقق البركة في الاجتماع على الطعام وغيره من أمور البِرّ.

12 - الاجتماع والوحدة يحققان مطلباً إسلامياً أصيلاً، حَثَّ عليه الإسلام في صلاة الجمعة، وصلاة الجماعة، وأداء الحج.

13 - يُؤدِّي الاجتماع والوحدة إلى تحقيق الألفة بين المسلمين، وانتشار التعارف فيما بينهم، وبذلك تتحقق المودة ويسود الإخاء ويعم التعاون.

14 - في الاجتماع والوحدة تقوية لجانب المسلمين، ورفع روحهم المعنوية، انطلاقاً من الاعتقاد بأن يد الله مع الجماعة، ومن كانت يد الله معه كان واثقاً من نصر الله -عز وجل-.

15- الاجتماع والوحدة قوة متجددة للفرد والأسرة والمجتمع، بل ولكل العالم الإسلامي.

16 - لاجتماع يخيف الأعداء ويلقي الرعب في قلوبهم ويجعلهم يخشون شوكة الإسلام والمسلمين، ومن ثم يكون في الاجتماع عزةٌ للمسلمين في كل مكانٍ.

17 - إن توحيد الصفوف واجتماع الكلمة هما الدعامة الوطيدة لبقاء الأمة، ودوام دولتها، ونجاح رسالتها.

18 - الاجتماع والوحدة وسيلة من وسائل الأخلاق الفاضلة وذلك بانغماس الفرد في البيئات الصالحة، وذلك لأن من طبيعة الإنسان أن يكتسب من البيئة التي ينغمس فيها، ويتعايش معها ومع ما لديها من أخلاق وعادات وسلوك.

19 -  بوجود الإنسان مع الجماعة تنشط روح المنافسة.

20 - الوحدة والاجتماع يُذكي في الأفراد روح التفوق والرغبة في إظهار ما لديهم من قدرات، وهذا الدافع لا يتحرك إلا من خلال الجماعة.

21 - في وجود الفرد داخل الجماعة وازع أساسي له كي يبتعد عن الرذائل خشية ما يصيبه من ضرر لو اطَّلع الآخرون على هذه الصفات القبيحة، ومن هنا يكون للاجتماع دوره الفعال في مكافحة الجريمة والرذيلة.

22 - بالاجتماع وخاصةً مع الصالحين والأسوياء ما يجعل المرء يشعر بأخلاق الجماعة ويحاول تقليدها واكتساب أخلاقها، ثم يتحمس للدفاع عنها.

23 - في الاجتماع دواءٌ ناجعٌ لكثير من الأمراض النفسية: كالانطواء والقلق، إذ أن وجود المرء مع الآخرين يدفع عنه داء الانطواء ويُذهب القلق، وخاصة إذا علم أن إخوانه لن يتخلوا عنه وقت الشدة، فالمرء قليلٌ بنفسه كثير بإخوانه.

24 - وأخيراً فإن مجالسة أهل الذكر والاجتماع بهم -وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم- غالباً ما يكون سبباً لمغفرة الله -عز وجل- ورضوانه.

25 - في الاجتماع طرد للشيطان، وإغاظة له، لأنه يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة -وهو أقل الجمع- لم يهم بهم الشيطان، كما أخبر المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.

 

المحور الأول: الوحدة الإسلامية عند أهل البيت (ع)

لاشك أن أهل البيت (ع) هم أحرص ما يكون على وحدة الأمة الإسلامية بما ينسجم مع منطلقاتهم وأهدافهم كقادة لهذه الأمة وهم لا يفترقون عن القرآن الكريم في هذا كما لا يفترقون عنه في سائر منطلقاته وأهدافه وهم (ع) أوعى من غيرهم في فهم القرآن والعمل به وفي القرآن الكريم الآيات الكثيرة التي تدعوا للوحدة بين أبناء الأمة الإسلامية وتحذر من التفرقة كقوله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )[4] وقوله تعالى : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم )[5]  وقوله تعالى : ( ولا تفرقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) [6]

ونحن عندما نقرأ أقوال أهل البيت (ع) وننظر إلى سيرتهم المباركة نكتشف رؤية جلية ومتكاملة ومنسجمة تماما مع الرؤية القرآنية للوحدة بين المسلمين

رؤية أهل البيت (ع) الوحدوية : -

أولا : - الحكم بإسلام أتباع المذاهب الأخرى والذي يترب عليه تطبيق آثار الإسلام عليهم من التزاوج وحلية الذبائح ووجوب رد السلام بل وجواز الصلاة خلفهم وغير ذلك الكثير من الأحكام  وأكثر من ذلك فان الأئمة (ع) يرون أن الله يشملهم برحمته يوم القيامة فيدخلهم الجنة لإسلامهم كما ورد في الكثير من الروايات عن أهل البيت (ع) فقد ذكر العلامة الطباطبائي عن زرارة : - ( قلت له  - أي الإمام الصادق (ع): - أصلحك الله أرأيت من صام وصلى واجتنب المحارم وحسن ورعه ممن لا يعرف – أي لا يعتقد بإمامة أهل البيت (ع) – ولا ينصب العداوة ) لأهل البيت ) ؟ فقال (ع) إن الله يدخل أولئك الجنة برحمته )[7] وهذا  من أهم ما يؤكد على وجوب الوحدة بين كل المسلمين.

ثانيا : - سكوت الأئمة (ع) عن حقهم من الخلافة حفاظا على الوحدة الإسلامية مع انه حق أصيل لهم أيضا وطبيعة الإنسان أن يكون حريصا على حقه حتى وان كان بسيطا فكيف بمنصب الحكومة والزعامة إلا أننا نرى في أهل البيت (ع) حرص الحفاظ على الوحدة ومصلحة الأمة والسكوت عن المطالبة بحقهم ما دامت المطالبة في ضرر المسلمين وهذا يعني أن من شؤون الإمامة هو الحفاظ على أصالة الوحدة بين المسلمين وان كان على حساب حقهم في الخلافة كما هو الأمر في سكوت أمير المؤمنين (ع) لمدة خمس وعشرين سنة وقد لخص السبب في سكوته بقوله : - ( لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ما لم يكن فيها  جور إلا علي خاصة )[8]

وكذلك قبول الإمام الحسن (ع) للصلح مع معاوية رعاية لمصلحة الأمة

وقد بين الإمام الحسين (ع) هذا المعنى في الكتاب الذي لرسله لرؤساء الأخماس في العراق كما نقله ابن المقرم في كتابه مقتل الحسين (ع) ( أما بعد فان الله اصطفى محمدا(ص) من خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ثم قبضه إليه وقد نصح وبلغ ما أرسل به وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس فاستأثر علينا قومنا فرضينا وكرهنا الفرقة  وأحببنا العافية ونحن أحق بذلك الحق المستحق ممن تولاه ) فالإمام الحسين (ع) يلخص سبب السكوت والرضا بالواقع لأنهم (ع) يكرهون الفرقة بين المسلمين رغم إيمانهم (ع) بأحقيتهم بالخلافة والزعامة الإسلامية

ثالثا : - العلاقة  التي تربط الأئمة (ع) مع سائر المسلمين فقد فتح أهل البيت (ع) مدارسهم العلمية للمسلمين كافة بحيث دون حصر لفئة دون أخرى ولم يبخل أهل البيت(ع) على احد من المسلمين من الفيض عليه من شتى العلوم والمعارف المختلفة وأعطوا للآخرين حرية إبداء الرأي والحوار بكل شفافية دون أن تكون للاختلافات الفكرية والعقدية أي أثر سلبي على هذه الشفافية في العلاقة  و بالأخص نجد هذه العلاقة مع  أئمة المذاهب كما هي العلاقة بين الإمام الصادق (ع) وأبي حنيفة المشهور عنه قوله ( لولا السنتان لهلك النعمان ) يشير إلى السنتين في الكوفة والتي استفاد فيهما من علوم الإمام الصادق (ع)

وكذلك العلاقة بين الإمام الصادق والإمام مالك فقد ذكر العلامة ألمجلسي عن الإمام مالك ( كنت ادخل إلى الصادق جعفر بن محمد فيقدم لي مخدة ويعرف لي قدرا ويقول : - يا مالك إني احبك فكنت اسر بذلك وأحمد الله عليه )[9]

فإذا كانت العلاقة بين الإمام الصادق وأئمة المذاهب بهذا المستوى فبالأولى أن تكون مثل هذه العلاقة التي هي من أهم مظاهر الوحدة بين أتباع المذاهب من الشيعة والسنة .

رابعا : - توجيه أهل البيت (ع) شيعتهم إلى توطيد أواصر الوحدة مع سائر أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى فقد ورد الكثير من الروايات التي تؤكد على هذا ومنها قول الإمام الحسن العسكري  (ع) ( صلوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم )[10]

و في أصول الكافي عن الإمام صادق آل محمد (ع) أنه سأله معاوية بن وهب فقال:ـ (كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممن ليسوا على أمرنا  - أي ليسوا بشيعة -  فقال الإمام (ع):ـ تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم، فتصنعون ما يصنعون. فوالـ… أنهم ليعودون مرضاهم ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدون الأمانة إليهم)[11]

ونجد في هذا التوجيه الرائد دعوة إلى أن تكون العلاقة مع سائر المسلمين لابد ان ترتقي الى مستوى الأنس ألعبادي والروحي والاجتماعي كما يأنس الواحد مع أتباع مذهبه

خامسا : - سعي أهل البيت (ع) إلى امتصاص الأحقاد التي أوجدتها السياسة الظالمة  عند بعض المسلمين بسبب الإعلام المضلل  والمضاد لهم فنرى كيف تعامل أهل البيت (ع) مع المسيئين لهم بالأخلاق الكريمة ورد الإساءة بالإحسان إليهم كل كذلك لطهارة أصولهم ولحرصهم على وحدة الأمة ووقوفهم إمام محاولات زرع الفرقة بين أبنائها وينقل لنا التاريخ حادثة الشامي مع الإمام الحسن (ع) ففي كتاب أئمتنا صفحة 114 وكتاب حياة الإمام الحسن للقرشي ج1 ص 214 عن المبرد وابن عائشة قالا : إن شاميا رآه راكبا فجعل يلعنه والحسن لا يرد فلما فرغ اقبل الحسن وضحك وقال : أيها الشيخ أظنك غريبا ولعلك شبهت فلو استتبتنا اغتبناك ولو سألتنا أعطيناك ولو استرشد أرشدناك ولو استحملتنا حملناك وان كنت محتاجا أغنيناك وان كنت طريدا آويناك وان كانت لك حاجة قضيناها لك فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك لان لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالاً كثيراً ، فلما سمع الرجل كلامه بكى ثم قال : اشهد انك خليفة الله في أرضه  الله اعلم حيث يجعل رسالته وكنت أنت وأبوك ابغض خلق الله إلي والآن أنت أحب خلق الله إلي وحول رحله إليه وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم عليه السلام

سادسا : - يرى أهل البيت (ع) أن وحدة الأمة هي الركيزة الأولى لقوة الأمة والفرقة هي العامل الأول لضعفها كما هي رؤية القرآن الكريم في ذلك حيث يقول الله جل وعلا : - ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) وقد قال الإمام علي (ع)  ( انه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد أمرهم واستحكمت عقدتهم )[12]  وهذه هي الرؤية الحضارية للإسلام والتي تدعوا إلى البناء القوي للأمة وان تكون الشاهد على سائر الأمم ولا يمكن ذلك إلا من خلال ركيزة الوحدة  

سابعا :- تحذير أهل البيت الناس من وقوع الفتنة التي تغلف بأغلفة مختلفة وشعارات خداعة وكان الإمام علي (ع) أول من وقف موقف الحريص على وحدة الأمة بعد ما جرى في السقيفة  فقد وئد الفتنة  التي كادت أن تذهب بالأمة إلى التقاتل بينها   ( إن شئت لأملأنها عليهم خيلا  ورجالا  ولأسدنها عليهم من أقطارها  وقد أجابه الإمام (ع) قائلا  : - ( إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة  وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرا  لا حاجة لنا في نصيحتك )

ثم قال (ع) كما في نهج البلاغة : - (أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة وعرجوا عن طريق المنافرة وضعوا  تيجان المفاخرة أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح هذا ماء أجن ولقمة يغص بها آكلها ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه ..... الخ )[13]

بل وحذر أهل البيت (ع) من الخوض في الجدال العقيم والمؤدي إلى الفتن بين المسلمين وان أخذ طابع بيان الحق أو الدفاع عنه كما يتحمس البعض لمثل هذه الأمور دون أن يعي الانعكاسات السلبية لها على الأمة كما حصل لمسألة خلق القرآن في عهد الدولة العباسية ولفت أهل البيت (ع)  أنظار شيعتهم إلى هذه الفتنة وحذروا من الوقوع في شركها .

فعن محمد بن عيسى بن عبيد بن اليقظين قال كتب علي بن محمد بن علي ابن موسى الرضا (عليه السلام) إلى بعض شيعته ببغداد : ( بسم الله الرحمن الرحيم عصمنا الله وإياك من الفتنة فإن يفعل فأعظم بها نعمة وإلاّ يفعل فهي الهلكة نحن نرى إن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب فتعاطي السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه وليس الخالق إلاّ الله ، وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون)

ثامنا : - لأجل التأكيد على مبدأ الوحدة بين المسلمين نرى لأهل البيت (ع) أدوارا  حتى في شؤون إدارة الدولة الإسلامية خصوصا على صعيد المشورة لخلفاء عصورهم فنرى الإمام عليا (ع) يشير على الخليفة الثاني بعدم الذهاب شخصيا في الحرب مع فارس ويشير عليه بالذهاب لعقد الصلح مع أهل فلسطين وحمايتهم .

وكذلك في عهد عبد الملك بن مروان كما كتاب المحاسن والأضداد للبيهقي / المطالعة العربية ج3 ص 31 رغم عدائه لأهل البيت (ع) لما هدد ملك الروم بطباعة النقود وعليها السب للنبي الأعظم (ص) ولم تكن نقود آنذاك إلا النقد الرومي ضاقت بعبد الملك السبل فأشاروا عليه بأن يسأل الإمام الباقر عن المخرج من هذا الموقف الصعب فقال(ع): (لا يعظم هذا عليك فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما أن الله عَز وجَل لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم في رسول الله (ص) والأخرى وجود الحيلة فيه)

فقال: ما هي ؟

قال(ع): تدعو في هذه الساعة بصناع فيضربون بين يديك سككا للدراهم والدنانير وتجعل النقش صورة التوحيد وذكر رسول الله(ص) احدهما في وجه الدرهم والآخر في الوجه الثاني وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي يضرب فيها وتعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من الأصناف الثلاثة إلى العشرة منها وزن عشرة مثاقيل وعشرة منها وزن ستة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً فتجزئها من الثلاثين فيصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل وتصب صنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان فتضرب الدراهم على وزن عشرة والدنانير على هذه المواقف من الأئمة (ع) هي مظاهر لطهارة قلوبهم من  أي ذرة من حب الذات والأنانية وزن سبعة مثاقيل ..... )

وهذا من أهم عوامل الحفاظ على مصلحة الأمة ووحدتها لأن العامل الأكبر في حدوث الفرقة هو حب الذات والحرص على المصالح الشخصية وأل البيت (ع) منزهون عن ذلك.

 

المحور الثاني: الوحدة الإسلامية عند أهل السنة

يقول أهل السنة في كتبهم بأنه تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على طلب الشارع لوحدة المسلمين، وبصيغ تؤكد على وجوبها ولزومها، وترتب العقوبة على التفريط في تحقيقها في الواقع.

وفيما يلي بعض تلك الأدلة:

أولا: من القرآن الكريم.

1 - قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}

فقد أمر الأمة جميعا بالاعتصام بحبل الله، ولم يوجه الأمر بالاعتصام بحبل الله إلى الأفراد وإن كان واجبا على كل فرد على حدة، قال ابن عاشور رحمه الله: (والاعتصام افتعال من عصم، وهو طلب ما يعصم أي يمنع، والحبل: ما يشد به للارتقاء، أو التدلي، أو للنجاة من غرق، أو نحوه، والكلام تمثيل لهيئة اجتماعهم والتفاتهم على دين الله ووصاياه وعهوده بهيئة استمساك جماعة بحبل ألقي إليهم منقذ لهم من غرق أو سقوط، وإضافة الحبل إلى الله قرينة هذا التمثيل، وقوله: {جميعا}: حال وهو الذي رجح إرادة التمثيل، إذ ليس المقصود الأمر باعتصام كل مسلم في حال انفراده اعتصاما بهذا الدين، بل المقصود الأمر باعتصام الأمة كلها)[14]

 2 - قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}

أمرهم تعالى بالطاعة لله ولرسوله، ونهاهم عن التنازع وهو تجاذب الآراء وافتراقها)[15]

وأكد سبحانه النهي عن التنازع بذكر مفاسده وأضراره وأخطرها الفشل وذهاب الريح، قال الرازي رحمه الله (وفيه مسائل: المسألة الأولى: بين تعالى أن النزاع يوجب أمرين، أحدهما: أنه يوجب حصول الفشل والضعف، والثاني: قوله {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} وفيه قولان،الأول: المراد بالريح الدولة، شبهت الدولة وقت نفاذها وتمشية أمرها بالريح وهبوبها، يقال هبت رياح فلان إذا دانت له الدولة ونفد أمره، الثاني: أنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله، وفي الحديث (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور)، والقول الأول أقوى لأنه تعالى جعل تنازعهم مؤثراً في ذهاب الريح ومعلوم أن اختلافهم لا يؤثر في هبوب الصبا قال مجاهد {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} أي نصرتكم وذهبت ريح أصحاب محمد حين تنازعوا يوم أحد)[16]

3 - قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 

قال البغوي رحمه الله: (بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة)

ويعبر بعض الدعاة المعاصرين عن هذا المعنى بأن قيام الدين على ركنين هما: كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة، ولا يستقيم أمور المسلمين في الدين والدنيا إلا بهما.

قال -تعالى- : (إنَّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)

وقال - جل وعلا-: (يا أيها الرسلُ كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)

وقال -سبحانه-: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون)

وقال -تعالى-: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم * وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيزٌ حكيم)

وقال -جل وعلا-: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً* ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءَت مصيراً)

وقال -تبارك وتعالى-: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)، وقال -سبحانه وتعالى- عن المشركين: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين)

وقال -عز وجل-: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتون إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمتَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)

وحدة المسلمين واجتماعهم: أن يلتقِيَ المسلمون وينضم بعضهم إلى بعض ولا يتفرَّقوا، والأمر الذي يجتمعون حوله هو كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

قال القرطبي في قوله -تعالى-: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا): "إن الله -تعالى- يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة، لأن الفُرفَةَ هَلَكَةٌ، والجماعة نجاةٌ، روي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في الآية الكريمة: أن حبل الله هو الجماعة".

وقال ابن كثير : "أمرهم الله -عز وجل- في الآية الكريمة بالجماعة، ونهاهم عن الفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف، وقد ضمن الله لهم -أي للمسلمين- العصمة من الخطأ عند اتفاقهم –واجتماعهم-، وخيف عليهم (الخطأ) عند الافتراق والاختلاف، فقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، ومنها فرقة ناجية إلى الجنة، ومُسَلَّمةٌ من النار، وهم الذين على ما كان عليه محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

وقال أبو حيَّان : "نُهي المسلمون (في هذه الآية الكريمة) عن التفرق في الدين والاختلاف فيه كما اختلف اليهود والنصارى، وقيل: عن إحداث ما يُوجِبُ التفرُّق، ويزُولُ معه الاجتماع".

وقال الشيخ أحمد شاكر  : "وأول مقصد للإسلام، ثم أَجَلُّهُ وأخطرُهُ: توحيدُ كلمة المسلمين، وجمعُ قلوبِهم على غايةٍ واحدة؛ هي إعلاءُ كلمةِ الله، وتوحيدُ صفوفهم في العمل لهذه الغاية، والمعنى الرُّوحِي في هذا: اجتماعهم على الصلاة وتسوية صفوفهم فيها أولاً، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لتسونَّ صفوفَكُم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم) وهذا شيءٌ لا يدركه إلا من أنار الله بصيرته للفقه في الدين، والغوص على دُرره، والسمو إلى مداركه....

عن حذيفة بن اليمان  قال: "كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرٌ؟، قال: ((نعم))، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم، وفيه دَخَنٌ))، قلت: وما دَخَنُهُ؟ قال: ((قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرِفُ منهم وتُنكِر))، فقلتُ: هل بعد ذلك الخير من شر؟. قال: ((نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها)). فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: ((نعم. قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا))، قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمينَ وإمامَهم))، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة، ولا إمام؟، قال: (فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك))" رواه مسلم.

وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما من ثلاثةٍ في قريةٍ، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصيةَ من الغنم)) رواه أبو داود وغيره وهو حديث صحيح.

وعن عرفجة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من أتاكم، وأمركُمُ جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، يُريدُ أن يَشُقَّ عصاكم، أو يُفَرِّقَ جماعتكُم، فاقتلوه)) رواه مسلم.

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يد الله مع الجماعة)) رواه الترمذي

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً. فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تَفرَّقوا. ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) رواه مسلم.

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يخطب ويقول: "يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما حبل الله الذي أمر به.

وعن علي -رضي الله عنه- قال: "اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون للناس جماعةً، أو أموت كما مات أصحابي"، فكان ابن سيرين يرى أن عامَّة ما يروي عن عليٍ الكذب. رواه البخاري.

وعن سماك بن الوليد الحنفي، أنه لقي ابن عباس -رضي الله عنه- فقال: "ما تقول في سلاطين علينا يظلموننا؛ يشتموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا، ألا نمنعهم"؟، قال: "لا؛ أعطهم؛ الجماعةَ الجماعةَ، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها، أما سمعت قول الله: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)

ومن أقوال الشعراء:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً    وإذا افترقن تكسرت أفراداً

 

أحاديث الوحدة

عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً))، قالوا: "يا رسول الله، هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً"؟ قال: ((تأخذ فوق يديه))، وفي رواية: ((بأن ترده عن ظلمه، فإن ذلك نصره)). رواه البخاري ومسلم.

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فَرَّجَ عن مسلمٍ كُربةً فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم.

وفي رواية عنه : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذُلُهُ))، ويقول: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده، ما تَوَآدَّ اثنان فَفُرِّقَ بينهما إلا بذنبٍ يُحدِثُهُ أحدُهُما))، وكان يقول: ((لِلمرءِ المسلمِ على أخيه من المعروف ست: يُشَمِّتُهُ إذا عطس، ويعُودُه إذا مَرِضَ، وينصحُه إذا غَابَ، ويشهدُه ويَسَلِّمُ عليه إذا لقيه، ويُجِيُبهُ إذا دعاه، ويتبعه إذا مات))، ونهى عن هجرة المسلم أخاه فوق ثلاث. [رواه أحمد (7 / 191)، وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على المسند (5357): "إسناده صحيح .

وعن أبي الدرداء : عن النبي - صلى الله عليه وآله سلم- قال: ((من رَدَّ عن عِرضِ أخيه رَدَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة)) رواه الترمذي.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله سلم : من نَفَّسَ عن مؤمنٍ كُربةً من كرب الدنيا نفس الله عنه كُربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ يَسَِّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه، ومن سلكَ طريقاً يلتمسُ فيه عِلماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ الله يتلون كتاب الله -تعالى-، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهُمُ الرحمة، وحَفَّتهُمُ الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطَّأَ به عملُهُ لم يُسرِعْ به نَسبُه)) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (المؤمن مرآة المؤمن؛ والمؤمن أخو المؤمن: يَكُفُّ عليه ضيعَتَه، ويحوطُهُ من ورائه))  رواه أبو داود .

 

على أي شيء تكون الوحدة والاعتصام

اجتماع المسلمين إنما يكون على الاستعانة بالله، والوثوق به وعدم التفرُّق عنه، والاجتماع على التمسك بعهده على عباده، وهو الإيمان والطاعة، أو الكتاب والسنة، لأن من أطاع الرسول – صلى الله عليه وآله سلم- فبفرض الله ذلك في كتابه كما قال -عز وجل-: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)[17] 

أنواع الاعتصام:

قال ابن القيم  "الاعتصام نوعان: اعتصام بالله، واعتصام بحبل الله. قال الله -تعالى-: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)[18] ، وقال: (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير)[19] ومدار السعادة الدنيوية والأخروية: على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين.

فأما الاعتصام بحبله: فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام به: يعصم من الهَلَكَةِ، فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصدِهِ، فهو محتاج إلى هداية الطريق، والسلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له" ا. هـ. من مدارج السالكين.

ثانيا: من السنة النبوية.

وردت في السنة النبوية المطهرة أحاديث كثيرة تؤكد ما ورد في القرآن الكريم من الأمر بالوحدة والاجتماع والنهي الاختلاف والفرقة، ومن تلك الأحاديث:

1 - قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.

قال النووي: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم (ولا تفرقوا): فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام، واعلم أن الثلاثة المرضية إحداها: أن يعبدوه، الثانية: أن لا يشركوا به شيئا، الثالثة: أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا)

2 - قوله صلى الله عليه وسلم (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة)[20] وقد تكرر منه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بلزوم الجماعة في أحاديث أخرى كثيرة.

 

المحور الثالث: مستقبل وحدة المسلمين

وحدة المسلمين كلمة تهفو إليها كل قلوب المؤمنين المخلصين لدينهم وربهم، وهدف سعى ويسعى إلى تحقيقه جميع الدعاة والمصلحين على مرّ التاريخ. ولا يشك أحد في عظمة هذا الهدف وأهميته العقلية والتشريعية، فما دعا إليه الإسلام من عزّة ورفعة ومنعة وشوكة للمسلمين يتحقق في ظل الوحدة.

والتجزئة والتمزّق والتشتت الذي يعيشه المسلمون منذ فترة طويلة هو سبب ذهاب ريحهم وتسلط أعداءهم عليهم، حتى أضحت مسألة العودة إلى المجتمع الإسلامي الموحّد هدفاً بعيدَ المنال أو مستحيلاً.

لكن ورغم كل هذا لا بد أن نؤمن أن المستقبل للإسلام، أو أن تشييد هذا المستقبل يكون بتحقيق الوحدة؛ كيف لا، وكلمة التوحيد تنادينا بتوحيد الكلمة.

إن وحدة الأمة فرض وواجب، والمسلمون بحاجة إلى التقارب والتفاهم، وهم اليوم بحاجة أكثر إلى ذلك مع هذا الوضع المؤلم، فالأعداء تكالبوا علينا، واستغلوا فينا وصمة التشتت والافتراق، فأصابونا في ديننا وفي علاقاتنا، وألهونا بمسائل هامشية على حساب جوهر الدين والإسلام.

إن الناس إن لم يجمعهم الحق شعّبهم الباطل، وإن لم توحّدهم عبادة الرحمن مزّقتهم عبادة الشيطان، وإن لم يستهويهم نعيم الآخرة تخاصموا على متاع الدنيا، ولذلك كان هذا التطاحن المزمن من خصائص الجاهلية الجهلاء، وديدن مَن لا إيمان له.

ولو دققنا في الشرائع الإسلامية وآدابها فهي تعتبر الفرد جزءاً لا ينفصم من كيان الأمة، وعضواً موصولاً بجسمها لا ينفك عنها، فهو طوعاً أو كرهاً يأخذ نصيبه مما يتوزّع على الجسم كله من غذاء ونحو ذلك،

عناصر الوحدة

الأول: وحدة العقيدة، فلابد للأمة المتوحِّدة أن تكون لها أصول عقدية واحدة، هي أصول الدين.

الثاني: وحدة العمل والإتباع، وتنطبق على ذلك قاعدة: "نتعاون في ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً في ما اختلفنا فيه"، على أن الاختلاف هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضادّ، فلا يضرّ بإسلام الفرد ولا بوحدة المسلمين.

الثالث: وحدة مصدر التلقي والقيادة؛ كتاب الله وسنة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام.

الرابع: وحدة الهدف، بتحقيق الحاكمية لله وحدة وتحقيق المعروف الأكبر وهو الحكم بما أنزل الله.

الخامس: الوحدة في الخصال ومكارم الأخلاق، فالأعمال قبل الأقوال والأخلاق قبل الانطلاق.

السادس: الوحدة الثقافية، بنشر الثقافة الإسلامية النابعة من تاريخ هذه الأمة وتراثها المجيد.

السابع: توحيد المشاعر وتكثيفها، وهي التي بدورها تقود للعمل.

كيفية حل مشكلة الوحدة

الوحدة لها أبعادها العديدة. ولعل البعد الجذري منها هو البعد الفكري أو العقدي. وبما أن الفكر أساس العمل فالتصرف والفهم هو المطلوب.

ومما يهدّ الوحدة ويهددها ويجعلها في خطر هو كل عمل يسمح بشقّ الصف الإسلامي، بل إن ذلك الانشقاق يسمح ببروز جهات منشقة عن الدين، لكنها تعمل باسمه، فتحارب المسلمين بضراوة وغِلّ وإصرار.

وليس خفياً على الوحدة ما تقوم بها -وعلى العلن- الأنظمة العلمانية المتسلطة، وأرباب دعاة الحرية والسلام، ورعاة الطائفية والعصبية، فمن مؤامرة إلى أخرى، فمرة فقر اقتصادي، ومرة إضعاف للصناعة، وأخرى قصقصة أجنحة الإعلام الإسلامي، هذا فضلاً عن تغييب الممارسات السياسية الناضجة والصحية.

والسبب : "فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغرَينَا بَينَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغضَاء} [المائدة، 14]، فما أصاب الأمة ويصيبها من تمزّق وتفرّق ما هو إلا بسبب أنفسنا، فابتعادنا عن منهج الله يؤدّي إلى العداوة والبغضاء بيننا، فإن رأيت عداوة وبغضاء فاسأل عن ضعف التطبيق، وعن المعاصي والآثام، واسأل عن المخالفات والانحرافات. إن الإسلام وحده يؤلّف وحدة المسلمين، وهو وحده الذي يجعل منهم أمة واحدة، على أن جميع الفوارق والمميزات فيما بينهم تذوب، وتضمحل ضمن نطاق هذه الوحدة الشاملة، فلا عصبيات جاهلية، ولا حميّة إلا للإسلام، ولا فرق في النسب واللون، ولا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بطاعة الله وتقواه.

 

الوحدة.. هل هي حلم مستحيل

واجبنا هو وحدة الأفراد، ووحدة العلماء، ووحدة الشعوب، ووحدة الحكومات، ووحدة الأمة.

وكيف تكون مستحيلة وقد تحققت في الماضي؛ فلقد جاء الإسلام والعرب في الجزيرة آنذاك فرق وطوائف لا تربطهم رابطة، ولا تجمعهم جامعة، إلا ما كان من دواعي العيش ومطالب الحياة في صورة لا تعدو وحدة قبلية، وعصبية جاهلية، وكانت على التفرق والخصام أقرب منها إلى الوحدة والوئام، فألّف الإسلام بين قلوب المسلمين على حقيقة واحدة صارخة، وهي الإيمان بإله واحد، وجاءت تعاليم الإسلام ومناهجه تقوّي تلك الرابطة، وتدعم تلك الوحدة بما افترض الله عليهم من صلاة وصوم وحج وزكاة، وبما دعاهم إليه من الاعتصام بحبل الله المتين، ودينه القويم، والتحلّي بكلّ خلق كريم، والتخلّي عن كلّ خلق ذميم.

 

 

 

[1] - سورة الأحزاب: 39

[2] - صحيح مسلم 1/323

[3] - سورة الأنفال: 46  

[4] آل عمران 103 

[5] آل عمران 105

[6] الأنفال  46

[7] الميزان ج7 ص 392

[8] - نهج البلاغة

[9] - بحار الأنوار - ج 47 ص 16

[10] - المصدر السابق

[11] - المصدر السابق

[12] - المصدر السابق

[13] - نهج البلاغة

[14] - التحرير والتنوير 3 /173.

[15] - البحر المحيط 4 /411.

[16] - مفاتيح الغيب 15 /138.

[17] النساء: 80

[18] آل عمران: 103

[19] الحج: 78

[20] سنن الترمذي: 4 / 465.