Powered By Dijlah 2020

/ صفحه 316/
توجيه الاجتهاد النبوي
في ترك تابير النخل
لفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المتعال الصعيدي
الأستاذ بكلية اللغة العربية
ــــ
أشهر ما يروي في إثبات جواز الاجتهاد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمور الدنيا، وفي جواز الخطأ عليه فيه من غير أن ينبه عليه بوحي، أنه مرعلى قوم يؤبرون النخل، فقال لهم: " لو تركتموه لصلح "، فتركوه ففسد، فأتوا إليه فأخبروه بذلك، فقال لهم: " أنتم أعلم بأمور دنياكم ".
وقد يفهم كثير من الناس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفتاهم بذلك جزافا من غير أن يعتمد فيه على شئ يسوغ فتواه، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أكبر من أن يكون ممن يلقي القول جزافاً، فيأتي لقوم قد جربوا تأبير النخل، وعلموا فائدته عن تجربة صحيحة مضى عليها الزمن، فيفتيهم بتركه جزافاً من غير اعتماد على تجربة أو نظر يسوغ له فتواه، ولا سيما أن هذا لم يكن من شأنه، ولم يسبق له علم فيه؛ لأنه نشأ في مكة حيث لا نخل ولا زرع، وهؤلاء قوم نشأوا في المدينة ولهم فيها زرع ونخل وغيرهما مما كانوا يزرعونه، وقد حذقوا زراعته وعلموا بالتجربة ما يصلحه وما يفسده، ولا حكم غير التجربة في مثل هذا الشأن، فإذا أريد تحويلهم عن شئ جربوه وجب أني قوم هذا على أساس من العلم، ولا يصح أن يكون جزافاً لا يستند على شئ، لأنه لا يلبث أن يظهر أمره، فإذا حصل منه ضرر لم يعذر من جازف به، أما إذا حصل منه ضرر ولم يكن جزافا، بل كان عن نظر أخطأ فيه، فإنه يعذر فيه كما يعذر كل مجتهد إذا أخطأ في اجتهاده.
وقد يفهم بعض آخر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد بذلك نفي الأسباب، لان كل شئ بفعله تعالى، فلا أثر لغيره من تأبير نخل ونحوه من الأسباب، وهذا خطأ أيضاً في فهم ذلك الحديث، لأنه ينقله من موضوع دنيوي إلى موضوع