/ صفحه 177/
التوجيه للمعاونج في تحقيق الوجود المشترك ـ تدخل الإسلام بتحريم بعض أشياء، سواء فيما يتعلق بالأكل والشرب أو يتعلق بالملبس والتزين أو يتعلق باللعب والتسلية. ونص على تحريم هذه الأشياء لا لذواتها، وإنما لا يترتب عليها من آثار تضر الإنسان كإنسان في محيطه الخاص أو في علاقته بغيره: نجد الإسلام هنا حرم شرب الخمر، وأكل الميت، ولعب القمار والميسر على الإنسان، ولبس الحرير على الرجل وتزينه بالذهب.
وإذا ناقشنا الإسلام فيما حرمه من هذه الأشياء نجده قد حرمها لأن تناولها أو ممارستها يسىء إلى إنسانية الإنسان على العموم ذكراً أو أنثى، كما يسىء إلى رجولة الإنسان إن كان ذكراً. فحرم على الرجل لبس الحرير الصافي وهو الطبيعي وتزينه بالذهب، لأن الرجل في مجال الحياة الخارجية هو المكافح في سبيل تحصيل الرزق. والمدافع ضد الاعتداء على الأسرة الصغيرة والأسرة الكبيرة وهي الوطن كله. وشأن المكافح ـ كشأن المدافع على السواء ـ أن يكون عرضة للمشقة بأنواعها المختلفة، عرضة للأزمات النفسية والمادية إذا ما ضاقت عليه سبل العيش، أو ضيق عليه خصمه الخناق في الاعتداء عليه. ومن أجل هذا حرم عليه لبس الحرير النقي، والتزين بالذهب، لا لأنها مظهر من مظاهر الرخاء والرفاهية، ولكن لأن ارتباط النفس بالتزيي بالحرير والتزين بالذهب الحرص على حملها يدعو إلى أن يحرص المتزيي والمتزين بهما على تجنب لقاء المشاكل والأزمات وأنواع المشقات. والذي يحرص من الرجال على أن يتجنب ألوان المشقة وأنواع الأزمات هو رجل يصلح لنوع معين من الحياة، وهو الحياة الرتيبة فقط. وليست هذه هي طبيعة الحياة. وإنما كما نجد في طبيعة الأرض التي نسكنها الجبال المرتفعة، والوهاد المنخفضة، والأرض اليابسة، والماء الجاري، والرمال والصخور، والرياح في هوجها وفي اعتدالها وذلك كله يدعو من يرتادها إلى أن يتخذ عدته لمواجهة ما يقابله فيها ـ كذلك طبيعة الحياة الإنسانية بالنسبة للإنسان ليست واحدة في مستواها، ولا واحدة في الاستمتاع بها. بل فيها الرخاء والضيف، وفيها ارتفاع المستوى وانخفاضه، وفيها العسر واليسر، وفيها انفعالات النفس العنيفة والرقيقة التي تشبه العواصف الهوجاء مرة، والبسمات الهادئة مرة أخرى.