/ صفحة 145/
عارية:
كثيراً ما قلبت كتباً مخطوطة، عليها أسماء من ملكها جيلا بعد جيل; تدخل في ملك انسان فتخرج إلى ملك غيره، حتى لتجد الاسماء المتوالية تاريخاً للكتاب أو عبرة للمعتبر، أو رثاء للبشر، وكنت أجد هذه الكلمة على كتب فارسية وتركية قديمة فتبلغ من نفسى، ويطول فيها تأملى كثيراً: وجدت أصحاب الكتب يتورعون عن أن يسموا أنفسهم مالكين، ويدركون حقيقة الملك في هذه الدنيا، فيكتبون: ((نوبت عاريت بما رسيد)) أي بلغتنا نوبة العارية يعنون أن الكتاب ككل شيء في هذه الدنيا عارية مستردة، كان الكتاب عارية في يد من سبق وتداوله المستعيرون واحدا بعد واحد، حتى جاءت نوبة العارية إلى فلان، وهي حقيقة لا ريب فيها.
كثيراً ما أفكر في الأرض يملكها الإنسان والدور يقتنيها، فأقول انها أبقى من الإنسان وأقدم، كانت قبله وتبقى بعده، ويمر بها هو ويزول، فكيف يملك الإنسان ما هو أثبت منه على الحادثات وأبقى. إنها عوار يبتلى الإنسان بحيازتها والتصرف فيها، فليجتهد أن يتخذها وسيلة إلى الاصلاح والعمران، والمواساة والاحسان، فهى أمانة يسأل عنها، وابتلاء يجزى به، انه مستعير لا مالك، فليس مخيراً في الاساءة والاحسان، والجد والكسل، والرعاية والاهمال، فليتخدها فرصة لعمارة يجدها، أو مبرة يصطنعها، أو يد يتخذها عند من يستحقها من الناس، انه لايملكها فليحذر من أن تملكه هي فتستعبده، وليذكر الآية الكريمة ((آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)) والاية ((هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه)) وليذكر الحديث: ((ليس لك من مالك الا مالبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأمضيت)) .
والله ولى الهدى والتوفيق.